loader

إضاءات

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع

سينما العنف.. مزاج السينما العالمية

«نادي القتال» حينما يصبح العنف متعة؟!


هل يتصور احدكم ان يتحول العنف الى متعة، او الى شيء ما، يمكن من خلاله استفراغ جميع الشحنات السلبية المتراكمة جراء جملة من الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، هذا ما يذهب اليه فيلم نادي القتال الذي يأتي عامرا بالعنف والقسوة والشجار الذي يستوعب كل لحظات الغضب الانساني.. فيلم يأخذنا الى معادلة في غاية الصعوبة، الا وهي العنف الذي يروح عن الانسان، فهل يتصور احدنا ان يذهب الى اقسى درجات العنف، من اجل شيء من الراحة، في اتون مجتمع متوتر.. يمثل الدافع الاساسي لذلك العنف الذي يجتاح الكثير من شباب العالم.
شخصيا، شاهدت الفيلم يوم طرحه في الاسواق العالمية عام 1999، وعدت لمشاهدته مرات عدة، اخرها قبيل كتابة هذه المقالة، لأكتشف بأن مزاج العنف في العالم قد تغير، وما شاهدته في عام 1999 وازعجني وشكل علامات استفهام كبيرة، حول المرحلة المقبلة من تاريخ الانسانية، اجده اليوم هامشيا وسط حالة العنف التي تطل علينا يوميا عبر النشرات الاخبارية والصحف والتلفزيونات، حيث العنف هو العنوان الدائم، والذي تبدو امامه مشهديات فيلم نادي القتال مجرد هوامش للحقيقة المجلجلة.
فيلم نادي القتال يستند الى رواية بنفس الاسم للكاتب الاميركي تشاك يولانيك صدرت روايته نادي القتال عام 1996 لتحتل المراتب المتقدمة في قائمة افضل الكتب مبيعاً.
الفيلم من توقيع المخرج الاميركي دايفيد فينشر، معتمدا على سيناريو كتبه جيم اولس، والبطولة كانت من نصيب برادبيت وإدوارد نورتون وهيلينا بونام كارترو ميت لوف وجاريد ليتو.
يأخذنا الفيلم الى حكاية شخص، لايعرف في الفيلم باسم معين، وكأنه في هذا الامر اسقاط لان تكون هذه الشخصية هي اي انسان ساخط على الوظيفة التي تأسره.. وتدمر اعصابه وتجعله مجرد اله خالية من التفكير والابداع، عندها يقوم ذلك الانسان، بتأسيس ناد، ولكنه ناد من نوع ونمط مختلف، انه نادي للقتال مع صديق له هو تايمر ديردن يعمل في مصنع للصابون، حيث يتفاجأ هذا الثنائي بانضمام الكثير من الرجال الى هذا النادي، والذين يحتشدون من اجل القتال للترويح عن أنفسهم وتفريغ كل الشحنات السلبية، ولكن الى اين تقودنا تلك الشخصيات، وذلك النادي. هذا ما هو اهم في تجربة هذا الفيلم، الذي لا يرتكز على الفكرة فقط، بل يعمل على تعميقها عنف.. وشراسة. وكمية من الدماء، والعلاقات المتشنجة العاصفة، التي تكشف عن الوجه الاخر للمجتمع.
فرغم حالة الاستقرار التي نشاهدها على جميع الشخصيات، ورغم الثراء والرصانة، الا ان تلك الشخصيات ما ان تدخل الى ذلك النادي، حتى تتحول الى خلايا بشرية يحركها العنف وتتصرف بعدوانية، تتفجر احاسيسها عنفا وقسوة.
في فيلم نادي القتال يأتي العنف ليكون بمثابة رمز للصراع بين جيل الشباب والقيم الاجتماعية، وكأن عملية الرفض تلك، يمكن اختصارها بالمواجهات العنيفة والمدمية.
وفي فيلم نادي القتال لاشيء متوقع، فنحن ومنذ المشهد الاول، نسير على نمطية توقع غير المتوقع حيث يتورط المشاهد في لعبة المشاهدة، ولكن الحدث والشخصيات يذهبان في اتجاهات يصعب السيطرة عليها.
دعونا نتحدث عن البعد الروائي للاحداث، فنحن امام شخصية الراوي، ويقدمها ادوارد نورتون شاب يعمل موظفا في شركة للسيارات دائم السفر يعاني من الاجهاد والارق، ومن اجل التخلص من ذلك الارق، ينصحه الطبيب النفسي للذهاب الى المجاميع التي تحمل معاناة، اكبر، مثل مرضى السرطان، ويحاول هناك ان يفجر المه وتعبه.. ليصادف محتالة اخرى تعيش ذات ظروفه هي مارلا (تقوم) بالشخصية هيلينا بونام كارتر.
ذات يوم يعود الراوي الى منزله ليجده مدمرا بسبب انفجار، مما يدفعه للسكن عند صديقه
الذي يعمل في مصنع للصابون تايلر (برادبيت) الذي يصطحبه الى احدى الحانات، وبعد جلسة طويلة يطلب تايلر من الراوي ان يضربه، وسرعان ما يتحول ذلك الضرب الى شجار مدم، يفرغ كل شحناتهما، ليكتشفا ان جميع رواد الحانة التفوا حولهم يشجعون ويشاركون.. وهذا ما يدفع هذا الثنائي لاختيار قبو احدى الحانات وتحويله الى ناد للقتال.
عندها يتحول القتال إلى مجرد متعة او فرصة للترويح عن انفسهم من اتون التعب والاعياء النفسي الذي يعاني منه جيل من الشباب.
في تلك الفترة تسوء العلاقة بين الراوي ومارلا، وتتطور بين مارلا وباتلر الذي يحذر الراوي من عدم الاتصال بمارلا ونتابع ايضا انشاء عدد من الاندية الخاصة بالقتال ويدخل الفيلم بكمية من الاحداث المشبعة بالعنف، ولكنه عنف منظم. وحتى لاتتحول تلك الشخصيات العادية، الى اسلحة مدمرة تقتل كل ما يمر بطريقها، بانها تلجأ الى تفريغ كل تلك الشحنات السلبية، عبر تلك الاندية التي تم انشاؤها للقتال، وتفريغ ما هو سالب من الاحاسيس.
فيلم يسبر اغوار الذات الانسانية، بالذات تلك الشخصيات من جيل الشباب الذي يشعر بالناس والعجز والتي تحول الانسان الى مجرد خلية استهلاكية خالية من الاحاسيس والعاطفة والبغض والحياة.
فيلم يدعو الى تجريب طعم الألم ولو لمرة واحدة وهو الم لا يأتي الا عبر العنف والمواجهة والضرب المدمي.
شخصيات تعاني من العجز المجتمعي، فقدت الجوهر الحقيقي للسعادة الروحية.
اخر تجارب مشاهدة هذا الفيلم، جعلتني اخلص الى كم من الحقائق، اولها ان أندية القتال، لا تمجد او تعظم او تسعى الى القتال الجسدي، بل هي تسعى الى تجاوز الخوف.. وتجاوز الالم.. وتدعو الى الاعتماد على الذات في مواجهة ذلك الواقع المدمر. ولهذا طلب المخرج من الممثلين ان يكونوا واقعيين بالذات في تصوير مشاهد القتال، التي تم تصميمها وتنفيذها بعناية عالية الجودة.
حينما عرض الفيلم في مهرجان فينسيا (البندقية) السينمائي الدولي، يومها اختلطت ردود الافعال، وهذا ما يجعلني اعود الى المشاهدة الاولى
للفيلم، حيث كان الاتجاه السائد، هو القلق من أن الفيلم سيحرض على تقليد ذلك السلوك. ولهذا اثار الفيلم ضجة كبرى بل يمكن اعتبار فيلم نادي القتال واحداً من اكثر الافلام اثارة للجدل في مرحلة التسعينيات، لانه ذهب الى موضوع العنف ليعبر عن العنف الذي يختبئ بداخل الرجل على وجه الخصوص وهو عنف اذا ما اتيحت له الفرصة فانه سيكون طاغيا وعنيفا وحادا.
فيلم نادي القتال يستوعب تلك المرحلة من رجال مرحلة التسعينيات الذين كانوا يعانون من طغيان الحالة الاستهلاكية، التي تمسخ الانسان وتحوله الى مجرد مسخ خال من الاحساس. مفرغ من السعادة والمضامين لذا يلجأ الى شيء ما يهز كيانه يجعله في مواجهة ما هو اصعب. وهو القتال والعنف.
فيلم لا تفارقه حينما يفارقك، يظل وجه براد بيت يستعاد في الذاكرة وهو يقاتل وهكذا هو الامر بالنسبة لإدوارد نورتون.
ويبقى ما هو اهم، ان نادي القتال يحول القتال والمشاجرة والعنف الى متعة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت