loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

أصبوحة

السياسة السريعة


من يراقب الاحداث في الشرق الأوسط يقف مشدوها أمام حركة السياسة العالمية السريعة التي لا تترك لليعربي من أمثالي فرصة للاستيعاب أو الفهم، أصبح لاعبو السياسة العالميون كالذي يركب قطارا يابانيا وأصبح اليعاربة كالذي يركب الوابور المصري القديم، ولأن أمثالي في بلاد اليعاربة كثرٌ وبعضهم يتسنم المناصب الكبرى فإنهم أمام أمرين لا ثالث لهما ولا رابع إما أن يزيدوا من سرعتهم للحاق بالقطار الياباني أو الطلب من القطار تخفيف سرعته ليمسكوا به فلا يضلوا، حيث يتحرك العالم من حولهم بسرعة الصوت ويتحركون هم بسرعة السلحفاة، والمصيبة أنهم لم يحاولوا أن يزيدوا من سرعتهم للحاق بركب السياسة العالمية وإنما كانوا وما زالوا (يشرهون) على سياسة العالم التي لا تنتظرهم ليمسكوا بتلابيبها فتزداد سرعتهم بطريقة السحل، ولا ألومهم على هذه السلحفائية الذهنية المتأخرة، فهم من اتباع مذهب المتنبي القائل (أنام ملء جفوني عن شواردها) إذ للنوم قوانينه التي لا يعرفها الا العرب ولو كان الغرب نواماً لما أصبحت سياسته سريعة هكذا.
وليت مشكلتنا توقفت عند السياسة السلحفائية لقلنا (ميخالف)، لكن حتى الجغرافيا التي آمنا بثباتها منذ أيام المقدسي والإدريسي أصبحت تتحرك بسرعة تكاد ترمينا من على ظهرها في البحر، فجغرافيا اليوم في خدمة السياسة حيث لم يعد لها قدسية كالسابق، وما عدنا نفصل بين المركّب الثلاثي المسمى السياسة/ المال/ الجغرافيا، فحيث يوجد المال تأتي السياسة العالمية مسرعة فتحوم حوله كما يحوم الذباب حول (الدبق)، ومن أجل التلاعب في مقادير الطبخة بالطريقة التي لا تشعر بها الحكومات والشعوب السلحفائية ومن أجل ضمان عدم (زعل) أحد من الدول الكبرى يتم تحريك الجغرافيا يمنة ويسرة بطريقة المترنح الجذل ليستفيدوا جميعا من هذه الحركة ذات البركة، فالعالم أصبح أكثر تعقيدا وبطريقة لم يعد يفهمها اليعاربة أمثالي حتى لم يبق أمامهم الى (الإنسداح) على الأريكة ولعب «البلايستيشن» وترديد قول المتنبي أنام ملء جفوني.
ومن يطلب من سياسيينا أن يصلوا الى مرحلة الفهم لما يدور حولهم فإنه يظلمهم ويحملهم ما لا طاقة لهم به ولا يغفر لهم زلاتهم التي (شيلمهن) حيث الوضع صعب ومعقد (ومخربط)، والا بربك اشرح لي كيف يقوم الطيران الأميركي بقصف عنيف لقوات بشار الأسد في دير الزور لمصلحة «داعش» ولا يفعل الامر ذاته في حلب؟، وكيف يدمر الطيران الروسي جحافل المعارضة في حلب لصالح قوات بشار ولا يفعلها في دير الزور؟ مع أن الذي تم تدميره هنا هو الذي تمت مساعدته هناك والذي تمت مساعدته هنا نفس الذي تم تدميره هناك وخميس هو الذي «خمش خشم حبش» في الحالتين واللعبة جغرافية في المقام الأول وان فاحت منها روائح سياسية ومالية، ومع كل هذه الجغرافيا المتحركة بأمر السياسة الباحثة عن المال تبقى قوات المعارضة السورية والحكومات المؤيدة لها والشعوب التابعة لحكوماتها تطبل للاميركان وتعلن سخطها على الروس وتبقى حكومة سورية والداعمون لها وشعوبهم يصفقون للروس المقاومون ويلعنون الاميركان واستعمارهم الجديد، ولو حاولنا مجرد محاولة أن نفهم السياسة بطريقة التدبر لا بطريقة فيفي عبده لما صفقنا لهذا ولا غضبنا من ذاك، فكلهم أبناء (ستعش) بلا استثناء متوافقون ومتفقون يتقاسمون الكيكة بطريقة قضمة لك وقضمة لي وحتى ان زادت قضمة أحدهم في هذه الكيكة يعوض الاخرين بعض القضمات من الكيكة اللاحقة، وهم جميعا لم يحاولوا أن يخفوا من وجوههم جزءاً أو يغيروا من ألوانهم شيئاً غير أننا نرى الجانب المشرق من الوجوه بحسب ما نرغب لا بحسب ما يكون ونرى الألوان كما نريد لا كما هي.
ولو تغير هذا التفكير من عقول العرب يوما فساعتها يمكنهم فهم ما يجري حولهم فيقاومون عملية الاذلال السياسي والاقتصادي والجغرافي والاجتماعي التي يتعرضون لها أو حتى يتوقفوا عن هذه الابتسامة البلهاء في وجه العولمة التي فهموها على أنها «انترنت» و«تويتر» واستخدام يومي لقاموس الشتائم وليتهم علموا ان العولمة في بعض أجزائها هي قانون الحق المطلق للكبار في اعتبار الجغرافيا بلا صاحب والثروات بلا مالك وأن من حقهم عصر الشعوب «الانترنتية» ودولها عصرة أولى وثانية عالبارد وثالثة عالساخن ثم إعادة تدوير النفايات الباقية من هذه الشعوب.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

كاتب رائع ورؤية تحليلية ناضجة ممزوجة بطعم الكوميديا

مواقيت الصلاة في الكويت