loader

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

سمر المقرن ونساء المنكر


تقول الكاتبة السعودية ثريا التركي في تحليل لأوضاع المملكة العربية السعودية: «النظام الاجتماعي يتغير» وتقرر أيضاً أن التغيير «يمكن أن يوصف إجمالاً بأنه في اتجاه التنمية والتحديث». ويكتب السعودي عابد خزندار مطالباً المثقف العربي بحتمية أن «يبدع لغة مضادة» ويطالب الشاعر السعودي حسن عبدالله القرشي بضرورة «أن نوفر لهذا المثقف أكبر مناخ للحرية» ويدين د. فهد الحارثي «الانعزال، أو الانكفاء على الذات» ويمني النفس بـ «روح انطلاقة جديدة».
هؤلاء السعوديون، قبل غيرهم من المثقفين العرب، أدركوا ومنذ أمد طويل وليس الآن، أن هناك حراكاً اجتماعياً وثقافياً سيفضي حتماً إلى تبدلات حادة، وقد ظهرت هذه التبدلات عبر عشرات الأعمال الأدبية الروائية والشعرية ولفتيات سعوديات، شكلن في كتابتهن صدمة للقارئ العربي الذي لم يكن قد أدرك بعد أن هناك «انطلاقة جديدة» تتحقق بصمت.
هناك جيل جديد من المبدعات والكاتبات الصحافيات والاعلاميات، وهذا الجيل يتمتع بقدرة على المشاكسة والتعبير، وليس من المهم تقويم مستوى هذه «اللغة المضادة» وفق تعبير عابد خزندار، بل المهم أن نتأمل المشهد، وفي سياق هذا المشهد تقدم الصفحة الثقافية هذه القراءة لرواية سمر المقرن «نساء المنكر».
لاتزال رواية «نساء المنكر» للصحافية السعودية سمر المقرن، تثير ردود فعل واسعة في الأوساط الثقافية والأدبية في الوطن العربي بعد محاولة منعها من التوزيع في المملكة العربية السعودية.
وهي صادرة عن دار الساقي في بيروت، وتقع في 80 صفحة، وتتحدث عن قضايا العنف ضد المرأة في المجتمع السعودي. وتقول المؤلفة «كتبت لهم ما يريدون، كتبت حكاية حبي التي كانت بعيدة عن مدارك مثل هؤلاء الرجال، الذين لا يفهمون من الحب شيئاً ولن يفهموه.. كتبت حكاية الحب أو الاعتراف بالجريمة مثلما يريدون..وجاء دور القاضي فحكم عليّ بالسجن أربع سنوات وسبعمئة جلدة، وحتّى الآن لا يعلم أهلي شيئاً، فهم يعيشون في قرية جنوب الرياض وقد أخبرهم شقيقي أنه زوجني لرجل طيّب وجاءت ظروف الزواج عاجلة لأسباب السفر».
وحيث ان الرواية عموماً عمل إبداعي لا يجوز اختصاره، فإني لن أعيد إنتاج الرواية هنا، وإنما أوضح لمن لم يطلع عليها، أن الخط الرئيس للعمل قائم على قصة حب تجمع امرأة سعودية متزوجة من رجل كان عشيقاً لصديقتها، وتولد القصة عبر الماسنجر والهاتف، وتتحول إلى قصة كاملة في لندن، قبل أن تؤدي رغبة العاشقين باستكمال القصة في الرياض إلى إيداعهما السجن، ولاحقاً يتخلى الحبيب عن محبوبته نهائياً.
وبمحاذاة هذا الخط يرد حديث عابر لرفيقات السجن بموجز لقصصهن، وموجز آخر- سريع لحكاية صديقة البطلة التي خاضت تجربة الزواج التقليدي، وانتهت إلى الخيبة.
تدور أحداث «نساء المنكر» حول سارة، وهي امرأة سعودية تحاول طلب الطلاق لمدة ثمانية أعوام، لكنها لا تنجح. أثناء ذلك تقع في غرام رئيف وتسافر معه إلى لندن، ليقضيا عشرة أيام يمارسان فيها الحب ويعيشان قصتهما الصغيرة بهدوء. ولدى عودتهما إلى الرياض، تلتقي سارة رئيف في مطعم للعائلات، وهناك تلقي هيئة النهي عن المنكر القبض عليهما وتضعهما في السجن. وعندما تخرج من السجن تقيم مع والدتها وتضطر إلى العمل خادمةً في الأعراس ليكون أول عمل لها في عرس رئيف حبيبها.
اختارت المؤلفة سمر المقرن أسلوب الترجمة الذاتية، الذي يعني أن يكون الروائي هو البطل، وهو أسلوب يعيبه من الناحية الفنية غياب المسافة بين الروائية والبطلة، بما يجعلنا نحن القراء- أسرى تقديرات البطلة، التي تخبرنا بالأحداث كما رأتها، أو كما فهمتها، ونحن اما أن نقبل بالأمر كما هو، أو أن نضمر أسئلة لا جواب لها، وهو ما سيفضي إلى كون القارئ سيبقى على مسافة ظاهرة عن النص، وسيحول هذا الوضع، وبصفة تلقائية، دون التعاطف مع البطلة، فالتعاطف المتاح هنا هو تعاطف مع القضية، وهي في كل الأحوال قضية سابقة على الرواية. وكل هذا لا يمنع من القول إن أسلوب الترجمة أو السيرة الذاتية هو أسلوب مقبول، ومعتبر، لدى النقّاد، إلا أنني أرى أهمية توظيفه في سياق يقتضى ذلك، وهو ما لم اقتنع بتوافره في «نساء المنكر»، إذ ان العمل يحاول النفاذ إلى مشهد معقّد، للتماس مع قضايا شائكة، وملتبسة، تحتمل من الآراء والأفكار والمشاعر ما يتعذر حصره في شخصية واحدة، بالغة الحماس لرأيها، وعظيمة الاعتزاز بتجربتها.
ومن هنا تحديداً يمكن الانتقال بيسر إلى تواضع عنصر العاطفة في النص، والعاطفة في العمل الفني عنصر أساس، وغيابه مبرر للحكم -لدى بعض النقّاد على الأقل- باستبعاد العمل من الدائرة الفنية، وعاطفة العمل الفني يقصد بها قدرته على الدخول إلى عمق الإحساس الإنساني، وملامسة مناطق أبعد من مستوى الوعي العقلي المباشر، بحيث يشعر القارئ أن هذا العمل يعبر عنه، ويتقاطع مع تجربته الشعورية، ولا أقول عن واقعه المعيش، وحين يغدو العمل الفني والحالة هذه معبراً عن المتلقي، يتعاطف الأخير مع العمل الفني، تعاطفاً مع نفسه، أكثر مما هو تعاطف مع المبدع، وهذا ما يحدث لك غالباً- حين تتلقى عملاً إبداعياً جيداً، سواء شاهدته فيلماً سينمائياً، أو استمعت إليه أغنية، أو قرأته قصيدة، أو قصة.
وفي «نساء المنكر» ستجد نفسك أمام ممارسة إعلامية تسعى، لفرط دعائيتها، إلى إثارة تعاطفك مع ما تصوره الكاتبة من مشاهد تعد وظلم على المرأة، وفي العمل الإعلامي تختلف المقاييس، إذ تصبح إثارة التعاطف مجرد عملية تعبوية ممجوجة، ولذات السبب، أي العدول عن الأدبي إلى الإعلامي، ستجد نفسك تتساءل في غير موضع من الكتاب عن مدى دقة المعلومة الواردة، وهو سؤال لا يفترض أن يخطر في ذهن قارئ الرواية مطلقاً، وهذا ما لم يحصل. اسم الكتاب: نساء المنكر (رواية)
اسم المؤلفة: سمر المقرن.
الناشر: دار الساقي.
السنة: 2008.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد

معدل التحويل

تاريخ:

قاعدة دينار كويتي

معدل التحويل


KWD

EUR

GBP

JPY

CAD

AUD

RON

RUB

محول العملات