loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

رأي اقتصادي

ماذا أعددنا لمواجهة الحرب على وجودنا؟


لم يصل الانسان إلى ما لديه اليوم من حضارة وتنكولوجيا فجأة، انما سار في طريق طويل من المصاعب والكوارث والازمات، بدءا من اكتشافه النار كضرورة في الحياة، للتدفئة اولا ومن بعدها لطبخ طعامه، من ثم استخدامها في الصناعات، وكل مرحلة من تلك المراحل اعتبرت ثورة عالمية في حياته، بدءا العولمة الزراعية او عولمة الزراعة، مرورا بالعولمة الصناعية الاولى، التي بدأت مع اختراع العجلة، ومن بعدها الثورة الصناعية الثانية التي بدأت مع اعادة تشكيل المعادن، ومن ثم الثورة الصناعية الثالثة مع المحرك البخاري، الى الثورة الصناعية الرابعة التي بدأت مع تطوير عمل المحركات والاعتماد على النفط، فالثورة الصناعية الخامسة مع انتشار الاعتماد على النفط في شتى المجالات.
مع كل ثورة من هذه الثورات كانت هناك سلسلة من الحروب التي تسببت في فناء امم وزوال دول لم تكن قد استعدت جيدا لتلك الحروب، بل ان بعضها سادت نصف العالم وانتصرت لكنها اندثرت لعدم قدرتها على مواكبة العصر وتطوراته، وثمة دول هزمت شر هزيمة لكنها استطاعت التغلب على ذلك من خلال الاتجاه الى المعرفة وتوجيه المجتمع نحو الى ما يفيده ويحميه من شر الحروب، كاليابان التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مهزومة ومدمرة، ومقصوفة بقنبلتين نوويتين، لكنها في غضون 20 عاما تحولت إلى قوة صناعية هائلة ورائدة في العالم، بل هي اليوم في المقاييس كافة تعتبر من اقوى دول العالم في الصناعة، وكذلك الحال مع المانيا التي قسمتها الحرب الى شطرين، الا انها اليوم القوة الاقتصادية الاولى في اوروبا، بل هي قاطرة الاقتصاد الاوروبي، رغم ذلك لا تزال هذه الدول تعمل على حماية نفسها من الحروب عبر تطوير قدراتها العلمية والاستعداد لمواجهة انماط الحروب الجديدة.
اليوم تواجه دول الخليج العربية سلسلة من التهديدات شبه المصيرية بوصفها قوة نفطية كبيرة، وفيما لا تزال تتبع انماطا قديمة من الادارة وجدت نفسها عرضة لازمات خارجية، ودفعت ثمنها ماليا واقتصاديا، فيما اساليب الادارة لدينا قاصرة عن مواكبة التطورات في العالم، فنحن مثلا نستخدم التكنولوجيا لكن لا نسهم في تطويرها، نكدس الاسلحة التي ليست من صنعنا في الوقت الذي لا نملك فيه قوة علمية تؤهلنا لتطويره، اي باختصار لا نزال في عصر الثورة الصناعية الخامسة بينما العالم من حولنا دخل عصر الثورة الصناعية السادسة او السابعة.
ثمة في العالم ما يسمى ثروة الافكار، الرأسمال الذي لا ينتهي، الذي يمكن ان يحرك اقتصادات الدول وينقلها الى درجات اعلى، فعلى سبيل المثال، اي تطوير في اجهزة «ابل» في الايفون او الايباد وغيرها لا تعرف فيه الولايات المتحدة الاميركية التي هي الموطن الاصلي للشركة الام قبل جاميكا حيث تسجل براءات الاختراع، هذه البراءات التي جعلت شركة مثل «كوداك» المفلسة التي لم يعد لمنتوجاتها اي سوق ان تبيع براءات الاختراع التي لديها قبل نحو خمس سنوات بعشرات المليارات.
رأس المال الفكري هذا لم يتحصل الا بتطوير الادوات العلمية للفرد، وعبر نظام جودة دقيق وحازم، بدأ من مؤسسات الدولة ووصل في النهاية الى الشركات، وحتى البقالات واسواق الخضار، ففي اوروبا مثلا هناك مواصفات محددة للخضار المستورد من خارجها.
نظام الجودة هذا ساعد على امرين الاول زيادة التزام الفرد بعمله وشعوره بقيمة انتاجيته، والثاني تحفيز المجتمع على الابتكار، لذلك في الوقت الذي يغرق فيه 300 مليون عربي في ظلمة الحروب والصراعات التي كانت ربما مقبولة في القرن الثالث عشر او الرابع عشر، نجد الامم الاخرى تسبقنا بنحو 800 سنة، وفيما لدينا كل الادوات التي تساعدنا على اللحاق بالعصر نهدر الوقت في صراعاتنا هذه التي تعبر عن تخلف، بل تهدد وجودنا برمته.
لم يعد خافيا على احد ان حروب اليوم، ليست تلك الغارق فيها العالم العربي، انما حروب الامم الاخرى هي حروب الافكار والاقتصاد، وتلك الامم استعدت جيدا لها، واذا كنا نسعى فعلا الى حماية وجودنا لا بد لنا من امتلاك اسلحة الدفاع عن النفس، ليست الطائرات والدبابات والمدافع فقط، انما اهم من كل ذلك ان نعمل على رأسمال فكري منتج من خلال تطوير ذاتنا ومؤسساتنا وتعليمنا وطرقنا ومدارسنا ومستشفياتنا، وحتى اسلوب تعاطينا مع النفايات وماذا تعني اعادة التدوير.
علينا ان نعترف اننا هدرنا ثرواتنا في مجالات لا تتفق مع الثورة الصناعية الجديدة، اي نحن نحاول احياء صناعة ماتت ودفنت، ونعيش ونرسم خططنا على هذا الاساس، لذلك نجد اليوم من لايزال يفكر بذهنية الثأر وعنترة وداحس والغبراء، وليس لدينا القدرة حتى على أن نزعم معرفتنا بتوماس اديسون او بيل غيتس، لاننا فقراء فكريا، لا نملك سلاحا عصريا يجعلنا نحمي انفسنا في الحرب الجديدة... حرب الافكار التي هي حرب المستقبل، وايضا الثورة الصناعية الحالية، بل نتقاتل على شجرة اصطناعية في تعاونية، فهل بهذه العقلية سنواجه تحديات المستقبل؟
جنكيزخان غزا نصف العالم لكن المغول لم يستطيعوا التأثير في المجتمعات، بينما غراهام بل فرد عادي كلنا اليوم ندين له، بل هو اكثر قوة اليوم من كل الدول التي تمتلك الاسلحة النووية، ومن يصدق ذلك عليه فقط ان ينظر الى هاتفه النقال او الارضي ويعرف لماذا لا يزال غراهام بل اقوى من العديد من الدول رغم ما تملكه من اسلحة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت