loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

أصبوحة

قراءة في الواقع السياسي الكويتي (1-3)


من يكن في الدائرة لا يرى الصورة كاملة كما يراها الذي خارج الدائرة، ومن يعايش التغيير لا يشعر بحجمه مثلما يشعر به من لم يعايشه وكان من المراقبين عن بعد، ومن يكن جزءاً من الانتقالة لا ينتبه لآثارها كمن يكن متفرجاً عليها فقط، فالكويت مثلاً تعرضت لتغيرات جوهرية متعاقبة منذ النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي الى اليوم وعلى مختلف الاصعدة السياسية والثقافية والاجتماعية نتج عنها تأثيرات كبرى على الفرد والمجتمع وعلى عمل المؤسسات الرسمية والأنشطة الشعبية، وربما لم يستشعر الذين عاشوا مراحل التغييرات المختلفة لحظة بلحظة حجم التغيير وتأثيره والنتائج التي ترتبت على ذلك لأن التغييرات أتت تدريجية تأقلم الكويتيون معها بشكل انسيابي ولم يستشعروا نوع الانتقالة وحجمها الى ان وصلوا الى الحالة الحالية دون حدوث هزة كبيرة او قطع يسترعي الانتباه ويستجلب التفكير، ولو كنا نستطيع ان نضع صورتين متجاورتين واحدة لما قبل عام 1985 والأخرى لعام 2018 على طريقة الصورتين اللتين يضعهما الذين كانوا يعانون من السمنة المفرطة وفقدوا اوزانهم عبر نظم الحمية او عمليات التكميم لكانت الصورة مذهلة والفارق كبير، لكنها لن تكون مفرحة أبداً.
ويبدو ان للتغيير الايجابي الكبير الذي غير الكثير من معالم المجتمع الكويتي والبيئة السياسية وهو الذي اعقب الطفرة النفطية وبدأ منذ الاستقلال وكتابة الدستور بداية الستينيات من القرن الماضي وانتهى بداية الثمانينيات يبدو أنه قد اعقبته هزة ارتدادية معاكسة طارت بالسكرة وأتت بالفكرة وعادت بنا من حيث جاءت او قريب منها ولكن بمواصفات سلبية جديدة.
لن أسهب في شرح تداعيات التغيير على الفرد والمجتمع والدولة بالنمط الفلسفي الذي يتناسب مع هذه الحالة، واكتفى بنقل صورتين قابلتين للمقارنة ويمكن للقارئ من خلالهما اكتشاف حجم التغيير:
الصورة الاولى تشبه المقارنة من اجل المقاربة وهي ان جون كنيدي الرئيس الأميركي الراحل كان قد خاطب الجماهير ذات جولة انتخابية قائلاً «لا تسألوا ماذا قدمت الولايات المتحدة لكم وانما اسالوا ماذا قدمتم انتم للولايات المتحدة» فكانت هذا الجملة دافعاً مهماً للناخب ان يختار كاثوليكياً للرئاسة ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، وقد كرر ذات الجملة الرئيس بيل كلينتون فتكرر ذات الفوز لأن البناء الاجتماعي ومثله السياسي يعملان سوياً على ربط المواطن بالوطن فتكون قاعدة المصالح الذاتية متوازية مع المصالح القومية وتتأثر معها بالتبعية ولا تتقاطع معها أبداً، وهي وسيلة نجاح مبدئية محببة للسياسي الكويتي في السنوات الماضية ولذلك فقد كان هذا النوع من السلوك الخطابي سائداً في الكويت أيام ان كان قادة التنوير الكويتي امثال الخطيب والنيباري والجوعان وحياتي والسعدون والشريعان واخرين يتصدرون العمل العام، فكان الناخب الكويتي ينتخبهم لأجل مبادئهم لا لأجل خدمات شخصية قد يقدمونها لو كتب الله لهم النجاح لأن الأولوية كانت للوطن في تقدير الناس، فقد كانت القاعدة الضمنية «ما ينفع الوطن ينفع الناس» رغم بساطة الناخب في الحقبة الماضية، ولذا فقد كان جمهور الناخبين يفضل الذي يواعدهم بالمواقف على الذي يواعدهم بالخدمات.
الصورة الثانية هي غياب نمط السلوك السياسي السابق الذي يتسم بالوطنية في الخطاب الانتخابي عن السلوك السياسي الحالي حيث ظهر نمط خطابي جديد ابتزازي يتميز باحدى صفتين:
الاولى وهي الوعود الاستنفاعية الشخصية على حساب الوطن ومصالحه الرئيسة وعادة ما تتسم الوعود بتكاليف في الجهد والوقت والمال.
الثانية وهي التلاعب بعواطف البسطاء عبر استخدام مفردات التفتيت المجتمعي كالطائفية او العنصرية او غيرهما للاستفراد بالناخب وفرض المتلاعب لنفسه كممثل حصري له ووضع الناخب في زاوية من زوايا حلبات الصراع دون ان يكون الناخب مستفيدا كشخص ودون ان يشعر أنه مجرد سلّم يصعد عليه المرشح لاعتلاء المقاعد التي لا يستحقها، ويتكرس هذا النوع من الخطابات باعتباره أحد دعائم النجاح السهلة التي باستطاعة المفلسين ممارستها والاستفادة منها دون الحاجة الى الارتقاء بقدراتهم او الاستعانة بالاخرين المميزين مع ما لهذه الاستعانة من تكلفتين مادية وأدبية.
ولعل المنطلقين الحقيقيين لهذا النوع من الخطاب السياسي التكسبي:
اما مصالح ضيقة تتصف بالتكسب دون مراعاة خطورة الأضرار المرافقة لهذه العملية ودون الوعي بها.
أو بسبب نوع من الايديولوجيا (القشرية) التي تعتمد على فهم ساذج للنص تستمد منه وهم الشرعية او الصواب، وغالباً ما تكون هذه الآيديولوجيا قادمة من خارج الحدود ويتم التعامل معها بطريقة معلبة لا تراعي خصوصية المجتمع وثقافته وطريقة عمل مؤسسات الدولة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت