loader

الاخيرة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

آخر الكلام

مواقف من الحكم الرشيد في خلافة الرشيد


هارون الرشيد من أبرز خلفاء الدولة العباسية، نال شهرة فاقت شهرة غيره من الشخصيات العربية الإسلامية، ولم تكن شهرته تختزنها المصادر العربية الإسلامية فحسب، بل اهتمت بها مصادر الدراسات الغربية وكذلك الشرقية في الصين واليابان، لكن هذه الشخصية الفذة في الحكم وفي الأخلاق، والذي عرف عنه أنه كان يحج سنة ويغزو سنة تعرض لتشويه شديد حتى وصفته بعض المصادر الحاقدة بأسوأ الصفات أقلها أنه مسرف في الترف، وفي الملذات، وقد يرد بعضها عن دون قصد وهي الروايات التي نقلت أخباره عن الكتاب الشهير ( ألف ليلة وليلة)، وهو الكتاب الذي تلقفه الغرب عند البدء في ترجمة التراث العربي، اعتقاداً منهم أنه المرجع الأول في تاريخ العرب
وتراثهم لأزمنة مختلفة وأبرزها الفترة العباسية، وكلنا يعلم أنه مؤلف يكتنفه الخيال وتتلبسه الأسطورة، وهو أيضا لا يمثل الميثولوجي العربي كما يعتقد الغربيون، بل هو ميثولوجي أممي فيه من الموروث الهندي والفارسي والعبري والصيني ومنه العربي، وطبيعي إِنْ كان الخيال يعمه؛ فعامل التشويق فيه عالٍ، فليس من المناسب في هذه العجالة أن نستعرض من المواقف التي لاحصر لها، والتي رسمت شخصية الرشيد بأشكال لا يمكن أن يقبلها العقل والمنطق.
وهناك مصادر أخرى تعمدت أن تحط ليس من مكانة هذه الشخصية الفذة وحدها، وإنما من مكانة العرب جميعهم، وهو ما كتبه الشعوبيون الذين أغاضهم أن يصل العرب بدولتهم التي امتدت لستة قرون خلال الدولة العباسية إلى هذه المكانة، حيث كانت تمثل خلالها قمة الحضارة والمدنية بين الأمم؛ لتصبح حواضرها قبلة للعلماء ولطلاب العلم يأتونها من كل فج عميق، أما سبب تعرض الرشيد لهذا التشويه أكثر من غيره من الشخصيات العباسية، هو قضاؤه على البرامكة، بعد أن تيقن من مواقف الخيانة والتآمر عليه وعلى هذه الدولة بعد أن منحهم السطوة والنفوذ في دولته، فأخذت ماكينة الحاقدين من الشعوبيين تعمل باجتهاد على إضفاء كل ما هو سيئ على هذه الشخصية بأساليب ماكرة وذكية، ونحن لا نقتبس إلا نتفاً من أخبار هذه الشخصية التي تنصفه وتدل دلالة واضحة، على مكانته في الحكم، وفي الأخلاق عامة، كلما تهيأ لنا الكتابة عنه، ومن هذه الأخبار التي تكشف عن رغبته في إشاعة العدل بين الرعية عنايته بالقضاء، فهو أول خليفة أوجد منصب (قاضي القضاة)، حتى استمر هذا المنصب يعمل لعهود من بعده، وكان منصب قاضي القضاة بمثابة نائب الخليفة في أمور القضاء الإدارية والتشريعية في كل أرجاء الدولة، ولنا أن نتخيل عندما يكون القضاء بهذا الاهتمام عند الحاكم من دور في تتبع أمير الرعية ونشر العدل بينهم، ومما يؤكد اهتمامه هذا هو ما يكنه من تقدير وتبجيل للقضاة والفقهاء، وتذكر الأخبار
من عنايته في تقصي أخبارهم، ومما يدل على علو منزلة هؤلاء في نفسه ؛ أنه لا يحج إلا بصحبة عدد من الفقهاء، فلم تقف مهام قاضي القضاة عند توليه القضاء ؛ بل منحهم الرشيد الدور في تقديم المشورة للخليفة في شؤون الدولة، والإفتاء في مصالح الناس، وكذلك الوقف وأموال القاصرين والأيتام، ومما ذكر عنه في هذا الشأن، أنه استجاب لمشورة قاضي القضاة أبي يوسف بضرورة الجلوس للمتظلمين وبسماع شكواهم، ولنا أن نعلم ما لموقفه هذا من أهمية أبرزها ما يجعل الفاسدين والظالمين في حذَر من نفاذ العقوبات، وفي هذا الشأن لم يتردد في محاسبة علي بن عيسى بن ماهان واليه على خراسان حساباً عسيرا؛ بعد أن ثبت له مدى ظلمه للرعية في هذه الولاية، وكان الرشيد يرسل اللجان للتدقيق في أعمال الولاية وفي معاملتهم للرعية، وقد تكون لجانه هذه سرية لحماية المبلغين من أذى الولاة، وأراد أن ينشر ثقافة القضاء بين الناس، فدعا أبا يوسف القاضي بوضع كتاب ( الخراج)، وهو الكتاب الذي بين فيه أبرز الطرق الشرعية في الجباية، وكانت غاية الرشيد من وضع هذا الكتاب هي الحد من الإجراءات التعسفية التي يتخذها العمال والولاة لإجبار الزراع والفلاحين على دفع الخراج قبل ميعاده.
ما مرّ ذكره هو شجرة من شذرات سلوك الرشيد في الحكم، وإذا رغبنا بالمزيد فكتب التاريخ تزخر بالأخبار الطوال التي تتحدث عن الرشيد في جوانب شتى من حياته وسلوكه.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت