loader

إيمانيات

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

دروس أخلاقية من النهضة الحسينية


يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». يمثِّل الإسلام في كلّ مفاهيمه وتشريعاته، النظام الأخلاقي الذي يعيشه الإنسان في نفسه ومع الناس من حوله. ولعلّنا نستوحي من هذا الحديث، أنّ كلّ رسالات الأنبياء تمحورت حول هذا النظام الأخلاقي في حياة الناس، لأنّه عندما تنتظم حياة الناس في نظام أخلاقي يحترم فيه الإنسان الإنسان، ويرحم فيه الإنسان الإنسان، ويعمل على أن يعيش من أجل أن يسرّ الناس ويقضي حاجاتهم ويتحمّل مسؤولياتهم، فإنّ ذلك هو الذي يبني الحياة ويعمّرها.. العمران الروحي وليس المادّي. وقد اختصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الإسلام بقوله: «الإسلام حُسنُ الخُلُق». وورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «ثلاثٌ مَن لم تكنّ فيه فليس مني ولا من الله عزّوجلّ». قيل: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: «حِلمٌ يردُّ به جهل الجاهل، وحُسن خُلُق يعيش به في الناس ـ أن يتميّز بالأخلاق الحسنة التي يعيش فيها مع أهله ومع الناس الذين يعيشون معه ويتعامل معهم ـ وورعٌ يحجزه عن معاصي الله». فكأن الإنسان الذي يُحسِّن خلقه مع الناس، قريبين كانوا أو بعيدين، يساوي في درجته عند الله درجة الصائم القائم. وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ العبد ليبلغُ بحُسنِ خُلُقه درجات الآخرة وشرف المنازل وإنّه لضعيف العبادة».. فقد يكون في عباداته ممّن يقتصر على الفرائض فقط، ولكنّ الله تعالى يشرِّف منـزلته في الآخرة لأنّه حسَّن خلقه مع الناس. وورد في الحديث عن الإمام عليّ (عليه السلام): «إنّ من مكارم الأخلاق أن تصل من قَطَعَك ـ سواء كان رحماً أو غير رحم؛ أن تبقي قلبك مفتوحاً لتصله حتى لو قطعك ـ وتعطي من حَرَمَك، وتعفو عمّن ظَلَمك». وعن الإمام الصادق (عليه السلام)، عندما سُئِل عن حدِّ حُسن الخُلق، قال: «تليّن جانبك، وتطيّب كلامك، وتلقى أخاك ببشر حَسَن»، بحيث عندما تنفتح على الناس تكون مبتسماً، وهذه من صفات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه كان دائم التبسّم للناس .
إذن مفردة الأخلاق هي من أكثر المفردات التي نحتاج إلى إعادة إنتاجها، وذلك في ضوء واقعنا السيِّئ الذي أوّل ما يُضحّى فيه هو الأخلاق التي يُطاح بها ويضرب عرض الحائط. من هذا المنطلق، وفي محاولةٍ لاستعادة موقع مفردة الأخلاق في سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته، نجد الأخلاق تجلَّت في شفافية دعوته ووضوحه وعدم مواربتها. فالإمام الحسين (عليه السلام) ومنذ خروجه من المدينة، حدَّد في وصيّته أهداف نهضته: طلب الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والإمام الحسين (عليه السلام) لم يُخفِ وراء السِّتار أهدافاً أُخرى لنهضته ليعلنها فيما بعد، أو يعمل على تحقيقها في السرّ. كان صادقاً وواضحاً مع المسلمين، ومع الذين يخرج عليهم. فعلى امتداد رحلته من المدينة إلى كربلاء، كان ركبه يزداد عدداً ويتناقص حسب خيارات الملتحقين به وأهدافهم.
وهذا ما فعله ليلة العاشر، خاطب أصحابه أنّ القوم لا يريدون قتل غيره، وأنّ بوسع كلِّ واحدٍ أن ينسحب تحت جنح الظلام وينجو من القتل، لأنّه لم يكن يريد أن يهدر دم قاعدته وأصحابه. ثمّ إنّ الحسين الثَّائر لم يقف خلف هذه القاعدة، لم يدفعها أمامه وهو في الخلف أبداً. أخلاق الإمام الحسين لم تسمح له إلّا بأن يكون واضحاً مع الذين معه.. وهذه قمّة الأخلاق الثورية والأخلاق السياسية والإنسانية على السواء؛ إنّها الحساسية تجاه حياة ودماء الذين وقفوا معه وآمنوا بمشروعه.
وعلى المستوى الإنساني، وصل الأمر بالإمام الحسين (عليه السلام)، عندما وصل الحرّ الرياحي من جيش ابن زياد إلى مشارف كربلاء، وكان الوقت ظهراً، والحرّ شديداً، وكان جيش الحرّ الرياحي عَطشاً مجهداً، وخيوله تلهث من العطش، ومع معرفة الإمام بأهداف الحرّ وبما هو مقبل عليه، أمر أصحابه بسقي الخيل والرِّجال ممّن هم قادمون ليحاربوه.. قائلاً لهم: «اوسعوا لهم».. فالتَّعطيش والتَّجويع والتَّعذيب ليس لها في قاموس الإمام الحسين (عليه السلام) مكان، ومهما كانت الأسباب، لأنّه في هذه الحال، إنسانيتك هي التي تكون على المحكّ وليس قوتك.. وفي هذا السياق أيضاً، برزت تجلّيات أخلاق الإمام (عليه السلام) في حرصه على نصح جيش يزيد، بحيث لم يفوِّت فرصة هدايتهم، مستعملاً معهم كلّ الأساليب لثنيهم، لعلّه ينقذهم ممّا سيواجهونه من غضب الله ورسوله عليهم.
هذه هي بعض أخلاق ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)؛ هي أخلاق الصفاء والطّهر التي ميَّزتها وأعطتها هذا البُعد الإنساني.. فلنتعلَّم من الحسين أنّ الأخلاق ليست موعظةً يمكن أن نلقيها عند الضرورة، أو لافتة نرفعها ونستريح بعدها من أيّ عبء. إنّ أيّ عمل يخلو نسيجه من الأخلاق، هو من دون شكّ في دائرة الشُّبهة، وبعيد عن الدِّين والمذهب.
لذلك علينا كمسلمين، أن ننطلق من خلال القيمة الأساسية للإسلام، وهي أن نأخذ بمكارم الأخلاق، لتنطلق بيننا المحبّة والرحمة والتكافل والتواصل والتضامن في كلّ قضايانا العامّة والخاصّة، سواء اختلفنا في المذاهب الإسلامية أو في الأحزاب والقبائل والعشائر والأعراق، لأنّ الإسلام يريد منا أن نبني مجتمعاً يتحرّك فيه الإنسان على أساس العدل والسلام، وقد اختصر الله تعالى طريق النجاح، فقال سبحانه وتعالى: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (سورة العصر). هذا هو الخطّ الذي يجب أن نأخذ به في أنفُسنا وأهلنا ومجتمعنا والناس من حولنا، وبذلك نقتدي برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو أُسوتنا وقدوتنا في كلّ زمان ومكان.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت

معدل التحويل

تاريخ:

قاعدة دينار كويتي

معدل التحويل


KWD

EUR

GBP

JPY

CAD

AUD

RON

RUB

محول العملات