loader

الأزمنة و الأمكنة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

البارح والبوارح...


في اليوم السادس من شهر يوليه لسنة 2005 نشر أول مقال من مقالات: «الأزمنة والأمكنة» وقد رأيت أن أذكر سبب اختياري لهذا العنوان، فبينت أنه مستعار من عنوان كتاب بهذا الاسم ألفه أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الذي ولد في أواخر القرن الرابع الهجري، وتوفي في أوائل القرن الخامس، وذلك في سنة 421 هـ (1030م).
وهذا الكتاب قيم من حيث ما يحتويه من معلومات متنوعة عن أحوال الأزمنة والأمكنة، والفلك والرياح وحالاتها، وكثير مما يتعلق بالنبات والحيوان من حيث مواعيد إنتاجها.
طبع الكتاب في الهند سنة 1914م، ثم أعيد طبعه حديثاً في بيروت، وهو في جزأين جاءت الطبعة الثانية جامعة لهما في مجلد واحد.
اتذكر الآن ذلك اليوم الذي كتبت فيه المقال الأول من هذه السلسلة التي كتب لها الاستمرار والحمد لله، وذلك لأنني سوف استعين بالكتاب المذكور بصفته مرجعاً دالاً على الموضوع الذي سوف اعرضه في هذا المقال وهو: البارح والبوارح.
والبوارح كما جاء في كتاب لسان العرب (مادة برح) شدة الرياح من الشمال في فصل الصيف.
وأضاف صاحب لسان العرب إلى ذلك قوله:
«وقيل، البوارح الرياح الشدائد التي تحمل التراب، واحدها بارح، والبارح: الريح الحارة في الصيف» ونقل عن أحد اللغويين: «كل ريح تكون في نجوم القيظ (أي تهب مع طلوع النجوم الصيفية) فهي عند العرب: بوارح وأكثر ما تهب بنجوم الميزان، وهي السمائم» (جمع سموم كما في لهجتنا).
وعادة ما تثير رياح البارح بالإضافة إلى الحرارة الشديدة التي سماها هذا اللغوي: السمائم، الأتربة في الجو وتكاد تمحو كثيراً من الآثار التي يتركها الناس من ورائهم، ولقد قال الشاعر ذو الرمة وهو من اشتهر بوصف مثل هذه المواقف في القفار، وتحدث عن آثار الأمطار والرياح:
لا، بل هو الشوق من دار تخونها
مرا سحاب، ومرا بارح ترب
أنه الشوق الذي أثارته دار غيرها تبدل الأجواء التي تمر عليها من سحب وأمطار مرة، ومن رياح البارح مرة أخرى.
وهذه الرياح الشديدة الحارة التي تسيطر على أجوائنا في هذه الأيام (خلال شهر يونيه) حيث اكتب هذا.. هي رياح البوارح التي عرفها العرب من قبلنا وذكروها في أشعارهم ومن هؤلاء الشعراء ذو الرمة الذي قال البيت الذي ذكرناه، وقال أيضاً:
حدا بارح الجوزاء أعراف موره
بها وعجاج العقرب المتناوح
بقول: ساق بارح الجوزاء أوائل الغبار المكون من التراب الناعم، مختلطاً بعجاج العقرب، أي برياح الصيف التي تأتي مع نجم العقرب. وسوف نرى فيما بعد ما يقوله المرزوقي الذي ذكرناه في البداية عن النجوم المرتبطة بالبوارح، والنجوم لا ترتبط بالبوارح فقط بل بالأمطار، والنوء النجم عند ظهوره وجمعها أنواء وفي فترة من فترات بزوغه تأتي الأمطار وفي فترة أخرى تهب السمائم والبوارح، غير اننا نهينا ان نقول مطرنا بهذا النجم (أي بنوء كذا) ولكن نقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، وهذا ما أوصانا به رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
يقول المرزوقي:
«واعلم أنه كما أن لكل نجم نوءاً، فله بارح أيضاً، والبوارح الرياح، والعرب تقول: فعلنا كذا أيام البوارح، وهي رياح النجم والدبران، والجوزاء، والشعرى والعقرب».
واستدل على بارح الجوزاء بالبيت الذي نقله عن الأصمعي، وهو:
أيا بارح الجوزاء ما لك لا ترى
عيالك قد أمسوا مراميل جوعا
ولم يترك المرزوقي حديثه عن البوارح حتى أضاف إليه ما يلي:
«قال ابو زيد» البارح الشمالي الحار، يكون في الصيف، وقال الفراء: البوارح: الرياح الصيفية، وسميت بذلك لأنها هي السموم التي تأتي من الشمال، وأنشد لذي الرمة الشاعر:
نلوث على معارفنا وترمي
محاجرنا شآمية سموم
(نطوي عمائمنا على رؤوسنا، ونضع منها لثاما لوجوهنا، والمحاجر: ما حول العين، شآمية: ريح شمالية هي السموم)
وقال يزيد بن القحيف: «البارح: شدة الريح في الحر، وقال مرار في صحة كل ذلك:
تراها تدور لغيرانها
ويهجمها بارح ذو عما
يهجم عليها ريح البارج الحار فيجعلها تدور بحثا عن غيرانها، والبارح يلاحقها وقد وصفه بأنه أعمى لأن الريح لا يهتم - بطبعه - بما هو فاعل بهذه الهاربة منه.
***
البارح معروف عندنا بهذا الفظ، وفي حالة الجمع نقول: «البوارح»، وموعده في الصيف خلال شهري يونيه ويوليه، وبالتحديد من أوائل شهر يونية إلى أيام من شهر يوليه لمدة من الشهرين تصل إلى أربعين يوما، وذلك ما أبلغني به الدكتور الفلكي صالح محمد العجيري.
ويربط الناس بين البارح وبين بعض أنواع الإنتاج الزراعي، فهم يربطون بين هذا الموسم وموسم وصول بعض الثمار إلى أسواق الكويت من الخارج. ولقد كان من المعروف قديما أن المشمش يرد إلى بلادنا خلال هذا الوقت، ويرى الأهالي أن البارح هو الذي أسرع في نضجه، ولذا سموا هذا الجزء من أيام البارح: بارح المشمش.
وقد أزعج الحر الشديد أحد الشعراء المحليين، وحين حاول أحد أصحابه أن يهون عليه الأمر ذاكرا له بأن هذا الجو الحار هو الذي يأتي لنا بالمشمش اللذيذ.
رد عليه بقوله:
يا صاحبي هبت علينا البوارح
عقب السكون ولفعتنا بالغبار
الجو فيها زايد الحر جارح
والكل محروق على لاهب النار
ذاك ايتشكى به وهذا ايْصايح
الماي تحرق لمسته والهوا حار
قالوا لنا المشمش بالأسواق طايح
الحر عجل به وبأسواقنا دار
إحنا نبي نسنا سنا في البرايح
ما نبغي المشمش ولو صار ما صار
وهو محق في ذلك لأن المشمش الذي كان يرد إلينا في ذلك الوقت كان من النوع الرديء، صغير الحجم، قليل الحلاوة، على عكس ما يأتينا ألان من مختلف البلدان على مدار السنة.
ومع ذلك فإن الشاعر قد وجد من يرد عليه بأبيات أخرى يذكر فيها هذه الفاكهة ويمتدحها، فيقول:
ياما حلا البارح إذا جاك حادي
وشفت الهوا ينفخ ابزايد هبوبه
غير حياتك من عقب ما انت هادي
ونشف لنا عقب الهبوب الرطوبة
ألقى ابوسط السوق غاية مرادي
من كل ميوه شكلها في اعجوبه
ولا تنسى المشمش وهو فيه بادي
يدعيك بَشْكَاله إذا جيت صوبه
واستمرارا لاستشهادنا بالشعر فيما يتعلق بالبارح والبوارح نذكر أن المفضل الضبي أورد في مجموعته المسماه بالمفضليات قصيدة قالها الشاعر المخبل السعدي، واسمه ربيع بن مالك وهو من بني تميم. ومطلع القصدة قوله:
ذكر الرباب وذكرها سقم
فصبا ليس لمن صبا حلم
وإذا ألم خيالها طرفت
عيني فماء شؤونها سجم
(الشؤون: مجاري الدمع، سجم: سائلة).
وقد ذكرنا هذا الشاعر وقصيدته فيما مضى لأنه ذكر فيها موضعا من المواضع الكويتية هو «السيدان» الذي نسميه اليوم: «السادة».
وفي هذا يقول:
وارى لها دارا بأغدرة الـــ
سيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا دفعت
عنه الرياح خوالد سحم
وبقية النؤى الذي رفعت
أعضاده فثوى له جذم
فكأن ما أبقى البوارح وإلا
أمطار من عَرَصاتها الوسم
أغدره: جمع غدير، وهو معروف في لهجتنا. لم يدرس: لم يَزُل عن مكانه، رسم: أثر.
ثم يقول: إن تلك الدار وقد درس ما فيها لم يبق من إثرها إلا الرماد الخامد، وقد جمعته الحجارة التي تنصب للقدور.
وقوله: خوالد: بواق، وصفها بأنها ذات لون يميل إلى السواد. وتخلف فيها- أيضا- ما بقي من الحاجز الذي يوضع حول الخيمة للحماية من السيول، وهو النؤى واعضاده: جوانبه، والجذم: البقية.
أما الأمطار والبوارح فلم تبقِ من ساحات (عرصاتها) تلك الدار إلا ما يشبه الوشم، والوشم ايضا معروف في لهجتنا. وجاء في كتاب حماسة أبي تمام ابيات شرحها المرزوقي في كتابه: «شرح ديوان الحماسة» الذي حققه شيخنا الأستاذ عبدالسلام محمد هارون بمشاركة الدكتور أحمد أمين. وفي هذه الأبيات ذكر للبارح، وقد قالها شخص لم يذكر أبو تمام اسمه، وقد قيل -كما ورد في هامش النسخة المطبوعة- أنه قد يكون: الأقرع بن معاذ القشيري.
وهو يتحدث عن ابنه ممتدحاً له، فيقول:
إذا كان أولاد الرجال حزازة
فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
لنا جانب منه دميث وجانب
إذا رامه الأعداء ممتنع صعب
وتأخذه عند المكارم هزة
كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب
يقول:
إذا كان الأولا يخلفون لآبائهم تقطيعاً في الصدور، وتحزيزا في القلوب، وذلك لعقوقهم وجفائهم فإن ولدي في سلوكه معي كالعسل الحلو المشوب بالماء البارد العذب.
(والحزازة وجع في القلب، يحز في النفس)
ويضيف:
لنا منه الجانب اللين (دميث) وهو جانب البر والخلق الكريم، وللأعداء منه ما يرونه من امتناعه وصعوبته عليهم.
وهو ينتعش للقيام بالمكارم، ويسعى إليها، ولذا فإنك تراه كأنه - في انتشائه - الغصن الذي يهتز في شجرته تحت ريح البارح.
وقال المرزوقي عن البارح ينسب إلى النجوم، وقد قال الشاعر:
أيا بارح الجوزاء مالك لا ترى
عيالك قد أمسوا مراميل جوعاً
وقد سبق لنا ذكر هذا البيت نقلاً عن المرزوقي في كتابه: «الأزمنة والأمكنة» الذي عرضناه هنا.
وليس ما أوردناه هنا من شعر هو كل ما ذكر فيه البارح من كلام العرب، ولكننا انتقينا ما تقدم انتقاء، ولم نحاول الاحاطة بكل ما قيل في هذا الشأن.
***
كتاب «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي كتاب كبير الحجم، ويكفينا لتقدير حجمه أن نذكر أنه جاء في جزأين، يضمان ستا وستين وخمسمائة صفحة، وأن هذين الجزأين يتكونان من أبواب عددها ثلاثة وستون باباً، وكل باب منها يختص بموضوع معين، وينفصل إلى فصول بحسب عناصر موضوع الكتاب.
ولهذا الكتاب مقدمة طويلة، تحدث فيها - كثيراً - عن الأمم الماضية، وعن اهتمامه بمراجعة الكتاب الذي أخذت منه مراجعته وقتاً طويلاً، وبذل فيها من جهده ما بذل، دون أن يقتنع بما وصل إليه، إلى أن هداه الله فاستعان بأحد العلماء، وقد ذكره في المقدمة باسمه مقروناً بالتقدير والتبجيل، فأدى به ذلك إلى الوصول إلى ما يرتجى.
ثم تحدث عن الكتاب فقال:
«هذا كتاب الأزمنة والأمكنة، وفيه بيان ما يختلف من أحوالها، ويتفق من أسمائها وصفاتها وأطرفاها... ومتعلقات الكواكب منها في صعودها وهبوطها، وطلوعها وجمع ما يُؤخَذُ أخذَها أو يُعَدُّ معها، أو ما لا ينفك من الوقوع والاستمرار منها، أو متسبب بضرب من ضروب التشابه، أو قسم التشارك إلى الدخول في أثنائها.
ثم انتقل إلى وصف عمله من حيث الأسلوب وطريقة الكتابة، والاستدلال على ما يذكره بكل ما يقوي أفكاره الخاصة بأحوال الأزمنة والأمكنة. فقال إن عمله هذا جاء:
«موشحاً بما يصاحبه من أشعارهم وأمثالهم (وهو هنا يعني بهم العرب القدماء)، وأسجاعهم ومقامات وقوفهم ومنافراتهم جادين وهازلين. ومن كلام روادهم وورادهم وكتابهم في ظعنهم وإقامتهم، وتتبعهم مساقط الغيث وبوارح الريح، وعندما يقيمون في الجدب والخصب والسلم والحرب وقرى الضيف في الصيف والشتاء، وأعيادهم، وحجهم، ووجوه معايشهم، ومكاسبهم، وآدابهم».
وهذا الذي ذكرنا من أقوال المرزوقي في مقدمته يعطينا دليلاً على فحوى الكتاب بكامله، فهو لم يترك أمراً من الأمور التي كتب عنها في كتابه الذي هو بين أيدينا دون أن يذكره إجمالاً في هذه الكلمات القليلة. ولكننا حين نتصفح الكتاب بكامله فإننا سوف نجد بحراً زاخراً بالمعلومات المتفرعة عن كل ما قدمه بإيجاز شديد في مقدمته التي أشرنا إليها، وسوف نقوم بتبيين ذلك.
وتمضي أبواب الكتاب وفصوله، فينتقل إلى أسماء الأوقات الواقعة في الليل والنهار، والرياح بأنواعها وأسماء أنواع المطر وصفاته وأجناسه، والسحاب وأسمائه ونزول المطر متحلباً منه. ثم في الرعد والبرق والصواعق وأسمائها وأحوالها كل ذلك في تفصيل جلي وأمثلة ذات دلالة.
ولم ينس أن يتحدث عن قوس قزح وعن الدارة حول القمر وعن البرد المتساقط مع الأمطار.
أما وقد انتهى من ذلك كله فقد بدأ حديثاً جديداً عن المياه والنبات والأماكن الخصبة والمجدبة والحاضرة والبادية. وأحوال أهل البادية والحاضرة. وتنقلهم من مكان إلى آخر مع بيان تصرف الزمان بهم.
ومنهم الرواد الذين يبحثون لأهلهم عن مواقع المياه والأعشاب فيدلونهم عليها. والواردون الذين يردون المياه ويعرفون أماكنها من أجل سقاية مواشيهم. وتحدث عن هذا الأخير بحديث متصل عن الاستسقاء وورود المياه.
وترك ذلك لكي يذكر أسواق العرب، ثم انتقل - فجأة - إلى الحديث عن تناسل المواشي.
وينتقل نقلة أخرى إلى الحديث عن النجوم ومقدرة العرب على الاستدلال بها وحديث المرزوقي فيما يتعلق بموضوعات كتابه حديث واسع بدأه بالقرآن الكريم، فقال إنه كلام الله عز وجل، وأن هذا الكتاب من نعم الله تعالى على خلقه، واتسع في هذا المجال حتى ذكر معتقدات العرب بالنجوم من حيث دلالتها على الأمطار وعلى الأهوية وتغير الأجواء. وذكر مسائل أخرى تتعلق بكتاب الله عز وجل مبيناً المحكم والمتشابه منه، وذكر صفات الله تعالى واسماءه.
ثم انتقل إلى ذكر اسماء الزمان والمكان، وبين الليل والنهار، وابتداء الزمان. وقسمة الأزمنة والأمكنة واختلاف الأمم فيها.
وذكر تحديد السنين عند العرب والفرس والروم وبين أوقات فصول السنة عند هذه الأمم.
وذكر ما يهمنا في مقالنا هذا وهو البوارح والأمطار، وقد قسمها على الفصول والبروج. وانتقل من هذا إلى ذكر الأعياد والأشهر الحرم، والألفاظ المتعلقة بالأزمنة. وبين أسماء الأيام على اختلاف اللغات، واسماء الشهور على اختلاف اللغات كذلك.
وبين بعد ذلك اشتقاق اسماء المنازل والبروج وما جرى مجراها، واسماء الكواكب والفلك والبروج. وفي شدة الأيام ورخائها، وخصبها وجدبها وما يتصل بذلك.
وفي أسماء الشمس وصفاتها وما يتعلق بها، وأسماء القمر وصفاته وأسماء الهلال منذ أول الشهر إلى آخره.
وذكر المرزوقي فيما يتعلق بالليل ظلامه، واستحكام هذا الظلام ووصف طول الليل والنهار وقصرهما. وبين أحوال السراب والبروق اللوامع، وما يتخيله المرء في سَيِْرِه من مناظر.
أما هنا فهو يتحدث عن الزمان الطيب الذي يذكر بين الناس بما ألفوا فيه من خير ومن أنس، وعن الحنين إلى من يألفون من الأصحاب والخلان والأهل. وكذلك الأشواق إلى الأوطان.
ومع كل هذا فإنه لم ينس أن يذكر أنواع الظل واسماءه وأن يبين صفاته.
ولكنه بعد ما قدم ذلك انتقل إلى موضوع جديد هو التاريخ والسبب الموجب له هو ضبط ذكر الأحداث التي تمر بالناس على مدى السنوات الطوال وكان العرب في حاجة إلى التاريخ من أجل تحديد الأوقات التي تحدث خلالها الحوادث، وتحديد تواريخ المواليد وأوضح بعد ذلك أن طبائع الأزمنة قد تتغير فلا يبقى منها زمن على حاله التي نشأ عليها لأنَّ التغيرات في الأزمان مشهودة كل يرى أثرها على الجماد وعلى الإنسان. ومن ذلك ما يعرض لأهل الزمان من كوارث وأمراض، وما يعرض لبلادهم من جدب بعد خصب إضافة إلى الأحداث الكبرى التي تلم بهم، مما يكون أثره واضحا في مجرى حياتهم، ويؤثر على استقرارهم وهنائهم.
وفي نهاية الكتاب نرى استدراكات لبعض المسائل المتعلقة بأحوال الأزمنة والأمكنة أوردها المرزوقي باختصار شديد ولكنه لم يغادر منها شيئا، ونحن ندرجها هنا على عجل:
1- ذكر الكواكب اليمانية والشامية.
2- ذكر الفجر والشفق والزوال، وبيان القبلة بواسطة الكواكب.
3- أيام العرب في الجاهلية.
4- أفعال الرياح وخواصها وهبوبها وصنوفها.
5 ذكر الأيام المحمودة عند العرب القدماء، وما يتطيرون منه.
6- الاستدلال بالبرق والحمرة في الافق على المطر.
7- الكواكب الخنس المذكورة في القرآن الكريم.
8- في هلال شهر رمضان.
9- في ذكر مشاهير الكواكب.
وبعد هذا العرض لمحتويات كتاب «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي نستطيع أن نقول إننا قد ألمحنا إلى كل ما فيه من فروع المعرفة التي تتعلق بالتاريخ وأحوال العرب القدماء والفلك، وما تتعرض له مظاهر الحياة من تغير بتغير الزمان، وما يطرأ على الأمكنة من خصب وجدب، ونماء وازدهار يقابلها في بعض الأحيان تراجع يؤثر في حياة الناس اجمعين.
*-----------------،*، --------------*
عندما تقترب رياح البوارح الحاملة للحرارة والأتربة، فإننا نتلقى كثيرا من التحذيرات ممن يهمهم الأمر تنبهنا إلى ما هو قادم حتى نأخذ حذرنا، ولعل من أهم التحذيرات تلك التي توجه إلى صيادي الأسماك وهواة الإبحار، لأن الخطورة المتوقعة عليهم في أثناء رحلاتهم هذه تكون كبيرة جدا وتعرضهم إلى فقدان توازنهم وتوازن قواربهم كما يحدث في أيام السرايات تماما.
وفي المدينة تتاثر وسائل المواصلات بسبب شدة الرياح واحتجاب الرؤية، وليس هذا خاصا بوسائل النقل التي تحمل الأشخاص بين المدينة وغيرها، بل إن ذلك يشكل خطورة على كافة وسائل النقل البرية والبحرية والجوية.
وتحمل هذه الرياح عند هبوبها العنيف كميات من التراب الناعم والغبار مما يتسبب بالأذى فيتلف الزراعات، ويملأ الطرق بالرمال مع تعريض الناس لأمراض الحساسية. وعلى كل حال فإن رياح البارح لا تهدأ حتى تترك وراءها خسارة كبيرة تبدو في اكتظاظ المستشفيات بمرض ضيق التنفس، وتلف المزارع ودمار هياكل المباني التي تحتاج بعد توقف العواصف إلى صيانة ذات تكلفة كبيرة، وتحتاج إلى وقت طويل حتى تعود كما كانت.
ولقد تحدث المختصون عن اسباب حدوث رياح البوارح، وكان هذا الحديث متصفا بالصفة العلمية المحضة المذيلة بالاستدلال على مشيئة الله سبحانه وتعالى في ترتيب الحياة وفق توازن الحرارة والبرودة في الأجواء على وجه الأرض كلها.
ومما قيل في ذلك:
الضغط الجوي عنصر مهم من العناصر التي تؤثر على كافة الأجواء. فهو الذي يحرك الرياح من المنطقة التي تشهد ضغطا مرتفعا إلى تلك التي يبقى ضغطها منخفضا، وبحسب الضغط الجوي من حيث تدرجه يتم انتقاله من مكان منخفض إلى آخر مرتفع ونتيجة لذلك فإن سرعة الرياح تأخذ في الازدياد.
وبشكل عام فإن منخفض الهند الموسمي الذي نرى تأثيره منذ نهاية فصل الربيع، وهو كتلة هوائية حارة تسيطر على غرب الهند وبعض أجزاء من بحر العرب وخليج عمان، وهو متسبب عن تعامد الشمس على هذه المناطق.
وهناك مرتفع جوي آخر فيه كتلة هوائية معتدلة، وهو واقع فوق شرقي البحر الأبيض المتوسط الذي تنطلق رياحه إلى حيث ينطلق منخفض الهند، وقد ذكر أن هذا الانتقال إنما تم من أجل تعويض النقص في هواء المنخفض الهندي وذكر أن هذا تدبير إلهي تتوزع بموجبه الحرارة والبرودة على وجه الأرض قاطبة.
أما موعد انصرام رياح البوارح عنا، ومتى يتم انعتاقنا من عنائها وشدتها فإن ذلك مرتبط -أيضاً- بالشمس وكما رأينا أن بدأه يكون عند تعامد الشمس على المناطق المبتلاة به، فإن تلاشيه لا يتم إلا بانصراف الشمس عن مكانها الذي تَعَامدت فيه مع المناطق المذكورة.
وفي هذا الشأن وردت العبارات التالية:
«وتبدأ رياح البوارح بالضعف والتلاشي عندما تنصرف الشمس من تعامدها على مدار السرطان بعدة أسابيع، حيث تبدأ درجة الحرارة بالارتفاع وتتسع دائرة منخفض الهند الموسمي شمالاً، فيتحد مع منخفض أفريقي فوق الحبشة عبر الجزيرة العربية ليتشكل -بذلك- منخفض جوي واحد واسع وعريض فوق الوطن العربي، الأمر الذي يؤدي إلى تغيير اتجاه الرياح».
وهذا موجز لابد من تقديمه حتى نستكمل المعلومات عن البارح.
والآن فإن من الأفضل لنا أن نذكر خصائص رياح البوارح، ونحن مضطرون إلى معرفة كل شيء عنها لأنها من لوازم تقلبات الطقس عندنا، ولأنها ذات تأثير على أعمالنا وحياتنا بصورة عامة.
ومن خصائص هذه الرياح:
أ - أنها تنشط قبل انتصاف النهار، وتخف -غالباً- عند منتصف الليل.
ب - تترسب العوالق الترابية التي تحملها الرياح إلى حد ما.
ج - نرى السماء خالية من النجوم وذلك لأن الرياح تثير الغبار الذي يشكل ساترا يمنع رؤيتنا للأجرام السماوية، وهذا هو سر خلو السماء من النجوم.
د - الرياح سريعة جداً في حركتها ولذلك فإنها تؤثر على وتيرة الحياة في البلاد، ويكفينا أن نعرف أن سرعتها قد تصل إلى ستين كيلومتراً في الساعة.
هـ - تتركز الرياح حول الخليج العربي، وتتسبب في انخفاض رطوبة الجو، كما تتسبب بإثارة أمواج بحرية عالية.
***
تحدث الفلكيون كثيراً عن رياح البوارح، وذكروا منشأها، ووصفها عندما تهب، وآثارها، وتحدثوا عن أنواعها وعن منخفض الهند الذي تبين أنه هو المسبب الأساسي لها، وقد ذكروا أن البوارح تأتي على ثلاث فترات وهي من بداية اليوم السابع من شهر يونيه حتى اليوم الخامس عشر من شهر يوليه. وتبدأ الرياح ظهراً، وفيها غبار يترسب في الليل. ويزداد هبوب رياح السموم في وسط هذه الفترة ثم يكون هدوء البوارح ابتداء من اليوم الثالث من شهر يوليه حتى اليوم الخامس عشر من شهر يوليه نفسه. وهذا اليوم الأخير هو الذي يشهد نهاية البوارح السنوية.
***
ختاماً لما تقدم فإن المعلومات التي وردت في هذا المقال إنما تعتمد على مراجع مهمة، وأي خلل قد يرى فيها فإنه من مسؤولية صاحب المرجع، ومع ذلك فإن من رجعت إليهم يتمتعون بالمعرفة والإحاطة بموضوع الفلك.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت

معدل التحويل

تاريخ:

قاعدة دينار كويتي

معدل التحويل


KWD

EUR

GBP

JPY

CAD

AUD

RON

RUB

محول العملات