loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

التفكير بصوت مسموع

أزمة فكر أم تفكير في الفكر الإسلامي؟... أبو حنيفة والشافعي والبخاري نموذجاً (4)


سنتناول أول شخصية دار حولها الجدل كثيرا، وقام المستشرقون، والكتاب المتأثرون بالطرح الاستشراقي بجعله الشخصية المعتمدة في استخدام العقل أو الاعتماد على الرأي دون النص، وفي رفض العمل بالسنة على وجه العموم، وأعني الإمام «أبا حنيفة» رحمه الله تعالى.
تشكلت مدرستان في عهد التابعين، بعد عهد الصحابة تقريبا، إحداهما بالحجاز وتعتمد على الحديث النبوي اعتمادا كبيرا، والأخرى تسمى مدرسة «أهل الرأي» أو (القياس)، وهي في الكوفة، التي نشأ فيها أبو حنيفة.
هناك ملاحظة حاولت تتبعها، لماذا كان فقهاء الكوفة، أو العراق عموما يعتمدون على العقل والرأي أكثر من غيرهم، مع اعتمادهم على حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
العراق مبدأ الحضارات والتفاعل الحضاري الفكري:
للعراق في الثقافة والتيارات الفكرية موقع مميز، فالعراق -كما يقال- منشأ الحضارات الأولى التي انطلقت منه إلى العالم الشرقي ثم الغربي، مثل الآشورية والسومرية وغيرها، وكان به إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وهو أبو الحوار والجدال بحق، وكذلك العراق محط الكثير من الفرق والجماعات بل والأديان(1)، وكذلك كان مجمع الديانات (الغنوصية) و(التوحيدية) (2)، بل إن(العراق أُسس على مدنيات قديمة لها علم مأثور، فكان طبيعيًّا أن ينهض أهله بعد ثورة الفتح فيستعيدون حضارتهم القديمة وعلمهم الموروث، كان السريانيون منتشرين في أرض العراق قبل الفتح، ولهم مدارس يدرسون فيها الآداب اليونانية، وكانت في العراق مذاهب نصرانية تتجادل في كثير من العقائد.
وكان في الحيرة يونان مثقفون من أسارى الحروب الفارسية اليونانية، فكان لا بد أن تتخلف من هذا جميعه آراء وأفكار خمدت أثناء الحروب، ثم استيقظت بعد أن قرت سياسة البلاد، وكان كثير من أهل العراق دخل في الإسلام، فأخذت هذه الآراء تصطبغ بالصبغة الإسلامية، يزهر منها ما يتفق والإسلام، ويذبل منها ما يُخالفه.» (3)، فالعراق بالفعل (كان موطن الفرق المختلفة، والنحل المتباينة، ففي ربوعه كان الشيعة ومعتدلوهم وغلاتهم، وفيه كان المعتزلة والجهمية والقدرية والمرجئة، وغيرهم..) (4).
وأكثر من ذلك، فقد توصل الباحثون إلى أن (الزندقة) ممثلة بـ «المانوية» كانت في العراق، فقد ترجمت كتابات «ماني» إلى اللغة العربية في وقت مبكر، (5)، بل قد يكون أن الإسلام قد احتك بالتعاليم الغنوصية في العراق، (6).
إذن العراق بيئة غنية بالأفكار، والأديان، فلا غرو أن ينشأ الاحتكاك بين هذه التيارات والأفكار والأديان شيء من الحوارات والنزاعات، والانتصار كل لدينه وفكره، عقليا وواقعيا، ولم يبتعد الفقهاء المسلمون عن هذا الخط، لهذا تشكلت النواة الأولى للاعتماد على الرأي والنظر في هذه المنطقة، لأن المسلمين واجهوا فرقا وتيارات قد لا تؤمن بالنص الديني أصلا، أو تؤوله تأويلا باطنيا، فضلا عن نكرانه والنظر إليه كنص بشري بحت.
من هنا نقول لا شك بتأثر مدرسة الفقه في العراق بهذا الأثر الواضح، فكان له تأثيره في فهم النص، والتعامل بين العقل والنص، وكان اعتماد هذه المدرسة على الرأي واضحا جليا للبيئة المعاصرة لتلك التيارات. أما موطن هذا الفقه ونعني به «الكوفة» فله مقالة أخرى قادمة.
الهوامش:
1- ذكر ذلك الشهرستاني في الملل والنحل الجزء الأول.
2- ذكر ذلك د. خزعل الماجدي في (تاريخ العراق بين سقوط بابل وظهور الإسلام) على شبكة الانترنت، وانظر: رشيد خيون، الأديان والمذاهب في العراق.
3- أحمد أمين ي فجر الإسلام، 182 وما بعدها.
4- د. محمد أبو زهرة -كتاب أبوحنيفة حياته وعصره آراؤوه الفقهية.ص94
5- جيووايد نغرين- كتاب الزندقة- ماني والمانوية نقله للعربية سهيل زكار.
هايتس هالم- الغنوصية في الإسلام - منشورات الجميل ص5.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد