loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

التفكير بصوت مسموع

أزمة فكر أم تفكير في الفكر الإسلامي... أبو حنيفة والشافعي والبخاري نموذجا (5)


لم يكن الغرب بريئا وهو يتعامل مع الأمة الإسلامية، بل سعى مع استعماره، أن يحمل حقيبة أفكاره ويبثها داخل أوصال الأمة، وأن يكون له مثقفون وعلماء ومفكرون يأتمرون بأمره، ويمضون لتحقيق فكره الذي يراد منه شل الأمة، وقطعها عن تراثها ودينها.
كان من هؤلاء مثلا يوسف شخت المستشرق الذي تكلم عن الفقه الإسلامي، وادعى أنه فقه ليس فيه أصالة ولا يحمل أي بصمة من بصمات الأمة المسلمة ولا دينها، وكذلك باتريشيا كرون، وغيرهم انظر مثلا (فؤاد حلاق- مقالات في الفقه- ت د. فهد الحمودي -الشبكة العربية للأبحاث- وكذلك مجلة الاجتهاد م. س).
كان الغرض من الاستعمار نهب الثروات، واضعاف الأمة وتخديرها بانفصالها عن دينها، ومن ذلك شاعت قضايا النص والعقل والرأي، وتلقف بعض مثقفينا أقوال المستشرقين كقضايا مسلمة لا نقاش فيها ولا جدال، وانتشرت هذه الأقوال على نطاق واسع في مفكري الأمة ومثقفيها. ونحن سنحاول أن نتبين الحقيقة التاريخية التي خالفها هؤلاء وتبنوا عكسها تماما. هل قام المذهب الحنفي على رفض النص، وابدال الرأي به؟ هل لأبي حنيفة دخل في هذا؟
أم أن القضية بحاجة إلى تفصيل أكثر؟
وما الرأي الذي يذكر دائما في مثل هذه القضايا؟ وأين الرأي من التفكير الحر، ومن القياس؟
وهل انفرد أبو حنيفة في ذلك، أم شاركه أئمة آخرون؟
هذه الأسئلة وأمثالها، سنحاول الإجابة عنها في هذه المقالات المتتابعة.
المذهب الحنفي والرأي:
اتهم المذهب الحنفي قديما، وبخاصة من قبل المحدثين، بالاعتماد على الرأي، وتقديمه على النص الشرعي، أو الأخذ بالرأي والقياس في غالب أحكامهم، وهي مسألة مبسوطة كثيرا في الكتب، وبخاصة أصحاب المذهب الحنفي، لأنهم تناولوها بالرد والبطلان.
أولا: لابد من بيان أمر مهم جدا في مثل هذه القضايا الشائكة والعويصة، وهي أن العالم، ليس من الشرط أن يحوي كل شيء، وأن يعرف في كل أمر، فقد يبرع في أمر ويخفق أو يضعف في آخر، إلا قلة اصطفاهم الله بالجمع بين الأمور العامة والخاصة، وذلك فضل الله يعطيه من يشاء.
ثانيا: لا ينقص من فضل العالم ولا ينقض علمه ولا قوله ولا فتواه، جهله في علم من العلوم، وإلا لهدرنا كثيرا من أقوال أهل العلم، فقد رأيت في ترجمات بعض القراء المشهورين، ضعفا في الحديث أو في الفقه أو في غيرها من العلوم، ولكنهم حفظوا القراءات القرآنية، وعلموها للغير، وهكذا بقية العلوم.
ثالثاً: يراعي في ذلك البيئة التي عاشها هذا العالم أو الفقيه، فلربما كان لها التأثير الكبير على فهمه وتحصيله العلمي في علم ما أو فقه ما.
من هنا نقول إن أبا حنيفة، قد اختلف فيه توثيق وتضعيف في الحديث، فضعفه جهابذة علم الحديث، مثل الإمام البخاري، ووثقه آخرون، ولا يزال الرجل في عصرنا مثار حوارات ونقاشات لم تنته بعد، ولا أظن نتمكن من البت فيها بتا قاطعا، ولكننا نقول أن الرجل فقيه عالم وإن أخذت عليه في الحديث مآخذ.
بل إن له منهجاً خاصاً بالأخذ بالحديث قد يخالف فيه مدرسة علم الحديث، وهذا قد يكون صنيعا لم يرتضه أهل الحديث، ورأوا أن قواعده باطلة في عرضها على الأصول الحديثة المعتبرة، أما من حيث اعتداد أبي حنيفة بالحديث فلا غبار عليه ولا مغمز ولا مطعن.
نعم.. قد أخذ عليه بعض الأقوال، ولكنها لا ينبغي تضخيمها ولا تنقيصه، وكل يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا يقول ابن عبد البر
(في التمهيد (12|219) عن حديث «المتبايعان بالخيار»: وتحدث عن رد الإمام مالك الحديث، لأنه آحاد يخالف عمل واجماع أهل المدينة الذي هو أصل عنده، ثم قال «وقد روي عن أبي حنيفة أنه كان يرد هذا الخبر، باعتباره إياه على أصوله، كسائر فعله في أخبار الآحاد: كان يعرضها على الأصول المجتمع عليها عنده، ويجتهد في قبولها أو ردها. فهذا أصله في أخبار الآحاد. وروي عنه أنه كان يقول في رد هذا الحديث: «أرأيت إن كانا في سفينة؟ أرأيت إن كانا في سجن أو قيد؟ كيف يفترقان؟ إذن فلا يصح بين هؤلاء بيع أبداً».
وهذا مما عيب به أبو حنيفة. وهو أكبر عيوبه وأشد ذنوبه عند أهل الحديث الناقلين لمثالبه، باعتراضه الآثار الصحاح، ورده لها برأيه.. لم يشتغل أهل الحديث من نقل مثالبه ورواية سقطاته مثل ما اشتغلوا به من مثالب أبي حنيفة. والعلة في ذلك ما ذكرت لك. وذلك ما وجدوا له من ترك السنن وردها برأيه، أعني السنن المنقولة بأخبار العدول الآحاد الثقات... ».
وهنا يكمن الفرق، فأبوحنيفة تكلم عقليا وبرأيه، فرفض الحديث، واعتمد مالك على عمل أهل المدينة، فتكلم في أبي حنيفة ولم يتكلم في مالك، رحمهما الله وغفر لهما.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد