loader

ثقافة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

في دراسة حديثة عن الشرق الأدنى القديم

الرؤية الاستشراقية طمست حضارة العرب


كشفت دراسة حديثة أن غياب العرب عن كتابة تاريخ منطقة الشرق الأوسط والأدنى أسهم في تغلب الرؤية الاستعمارية على تاريخ المنطقة ، ما أسهم في تضخيم دور شعوب غير مؤثرة في تاريخ الحضارة والإجحاف بحق شعوب أخرى تستحق أن تأخذ مكانتها على خارطة الحضارة، وأثبتت الدراسة أن شبه الجزيرة العربية كان من الممكن أن تكون محورا تاريخيا وحضاريا للشرق الأدنى القديم ، لولا كتابة التاريخ من منظور غربي ، الأمر الذي أثر بالسلب على المنطقة.. جاءت الدراسة بعنوان «الشرق الأدنى القديم.. رؤية عربية « وصادرة عن دار «رؤية للتوزيع والنشر» بالقاهرة للدكتور محمد خليفة حسن الرئيس الأسبق لقسم الدراسات الشرقية بكلية الآداب جامعة القاهرة.
ولفتت الدراسة إلى أن مجال تاريخ الشرق الأدنى القديم وحضارته يعاني من قلة المتخصصين فيه في العالم العربي والإسلامي.. ولذلك سيطر مؤرخون وعلماء الحضارات في الغرب سيطرة تامة للتأريخ لشعوب الشرق الأدنى القديم والكتابة التاريخية والحضارة التي تتناول حضارات المنطقة وتاريخ شعبها.
وفي ظل غياب نظرية أو رؤية عربية تفسر تاريخ المنطقة وحضارتها ظهرت عدة نظريات غربية تفسر التاريخ من منظور غربي خالص. وقد عكست هذه النظريات عدة خلفيات دينية وأيديولوجية. فمنها نظريات مسيحية تقسم التاريخ العام للبشرية إلى ما قبل المسيح وما بعده، أو في تعبير آخر ما قبل الميلاد وما بعده. واعتبرت المسيحية فاصلا بين عهدين في التاريخ البشرية. أما النظرية اليهودية الصهيونية فهي النظرية الغالبة والمهيمنة في مجال كتابة تاريخ الشرق الأدنى. فمنذ ظهور الحركة الصهيونية. تفرغ المؤرخون اليهود الصهاينة لعملية إعادة كتابة تاريخ المنطقة. ثم إعادة كتابة تاريخ فلسطين على وجه الخصوص.
وأضافت الدراسة، أن النظريات الغربية تشويه لتاريخ هذه المنطقة وحضارتها. وجعلها تسير في فلك الرؤية الغربية للتاريخ وفلسفته من ناحية. وتخضع للعديد من التفسيرات التي ربطت تاريخ المنطقة بمصلحة بشرية. مثل ربط التاريخ بالمصلحة القومية كما فعل المؤرخون اليهود. وكذلك ربطها بالرؤية المسيحية لدي المؤرخين الكنسيين. أيضا ربطها بالأيدلوجية والتفسيرات العلمانية والشيوعية والمادية التاريخية عند العلمانيين. وكانت النتيجة تشويه تاريخ الشرق الأدنى القديم. والبعد به عن فلسفته الحقيقية ورؤيته للكون والوجود. و لذلك إهمال الشعوب الفاعلة في هذا التاريخ. والرفع من القيمة التاريخية لجماعات لم يكن لها تأثير تاريخي يذكر في المنطقة. وقد عملت الجهود البحثية التاريخية والأثرية لدعم هذه النظريات. وتوالت الدراسات المشوهة لفكر الشرق الأدنى. والمزيفة للحقائق التاريخية والمعبرة عن رؤى متأثرة بالدين والأيدلوجية.
غياب رؤية عربية إسلامية لتاريخ الشرق الأدنى
وأعربت الدراسة عن أسفها لعدم تبلور رؤية عربية إسلامية لتاريخ للشرق الأدنى وحضارته للآن. والمحاولات القليلة التي تمت في هذا الخصوص. إما محاولات جزئية لا تعطي رؤية شمولية للتاريخ. أو أنها رؤية غير علمية تنقصها الأدلة التاريخية والحضارية، والتي تثبت عروبة تاريخ الشرق الأدنى القديم، وانتظام مراحله التاريخية العربية. وتوجه حركته تجاه تحقيق مصلحة الأمة العربية في الماضي والحاضر. وتبرز استقلالية الأمة من ناحية وفضلها على تاريخ الشرق وعلى التاريخ الإنساني العام من ناحية.
وكشفت الدراسة عن غياب الرؤية العربية الإسلامية لتاريخ الشرق الأدنى بأسباب عدة. منها انقطاع الاستمرارية في الوعي العربي للتاريخ وعدم القدرة على الربط بين بالماضي. الفشل في إيجاد وتحديد العلاقة التاريخية والحضارية الرابطة بين تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده. ولهذا بدا تاريخا ممزقا ومقسما إلي عدة عصور مرتبة ترتيبا تاريخيا عشوائيا لا يوجد ربط حقيقي من صميم التاريخ يشد بعضه إلي بعض ليعطي في النهاية تاريخا شاملا وكاملا للمنطقة العربية. فالتقسيمات الحالية لا تعطي تصورا شموليا للتاريخ، وهي في أحسن أحوالها مجرد وسيلة لفهم طبيعة كل مرحلة مستقلة عن السابقة عليها واللاحقة بها، بالإضافة إلي القيمة التعليمية لهذه التعليمات التاريخية، إذ أن الهدف منها تيسير عملية دراسة التاريخ وتدريسه في صورة تخدم الغرض التعليمي من قسمة المنهج الواحد إلي عدة أقسام توزع على عدة سنوات تعليمية، ما رسّخ في الأذهان أن التاريخ العربي والإسلامي ليس تاريخا واحدا ولكنه عدة تواريخ .
وأكدت الدراسة على أن الاستشراق عمل من خلال الاستعمار على تقوية النزاعات الإقليمية من خلال القيام بكتابة تواريخ مستقلة للشعوب العربية وتشجيع المؤرخون العرب على تناول تاريخها تناولا محليا إقليميا وقد عمل المؤرخون من المستشرقين على تدعيم النزاعات الإقليمية من خلال تفسير التاريخ العربي تفسيرا يقوي انفصال الشعوب العربية عن بعضها البعض، ويفتت أصول وحدتها في القديم ويدحض دواعي هذه الوحدة في الحاضر، ومن المعروف أن الاستشراق كحركة فكرية ارتبط بالاستعمار كحركة سياسية عسكرية اقتصادية.
التخلف العلمي ودوره في إهمال الدراسة
واعتبرت الدراسة أن من ضمن عدم وجود رؤية لتاريخ الشرق الأدنى القديم أيضا، التخلف العلمي ودوره في إهمال الدراسة في هذا الشأن، حيث أصاب المسلمين خلال القرون الماضية تخلف علمي، أدي إلى عدم الاهتمام بل والعجز في تتبع آثار التاريخ القديم، فلم تتوفر المادة العلمية الكافية لإثبات أحداث التاريخ العربي القديم، والبرهنة على أصالة هذا التاريخ، وإمكانية كتابته في شكل متكامل يوضح الصلات العضوية الرابطة لشعوب المنطقة العربية قديما وحديثا، في الوقت الذي تقدم فيه علم التاريخ وعلم الآثار في القرنين الماضيين على المستوي الأوربي، إلا أن ثمار هذين العلمين لم تستخدم لخدمة كتابة التاريخ العربي، فقد احتكر علماء الغرب وسائل هذين العلمين ، واهتموا بالتنقيب على الآثار والبحث في المادة التاريخية في المناطق التي هدفوا إلى نزعها وفصلها عن تاريخها، وعن مركز الجاذبية الأساسي والمحور التاريخي لشعوب المنطقة قديما وحديثا وهو شبة الجزيرة العربية والتي لم تشهد الحركة الدائبة في التنقيب على الآثار كما حدث في مصر وسورية والعراق.
وكشفت الدراسة أن الهدف من عدم وضع شبه الجزيرة العربية في مكانها في التاريخ القديم، هو إثبات عزلها وانقطاع الصلة بينها وبين بقية شعوب الشرق الأدنى، وإبعاد الأنظار عنها كمركز محور أساسي لهذه الشعوب ، وقد نجح علماء التاريخ والآثار في الغرب في التعتيم على أخبار وآثار شبه الجزيرة العربية، وعلى علاقاتها بالشعوب المحيطة بها من أجل فصلها تاريخيا وحضاريا عن الشعوب. ويتطلب الأمر أن تتضافر الجهود العلمية العربية في سبيل الكشف عن آثار شبه الجزيرة العربية، وبقية المناطق المجهولة في المنطقة العربية القديمة. و من الضروري أن يتم توجيه الأبحاث التاريخية والعلمية المختلفة لخدمة هذا الهدف، وتنشئة جيل جديد من الباحثين المتخصصين في علمي الآثار والتاريخ، والمدربين على التكنولوجيا الجديدة في علم الآثار من أجل الاستعانة بهم في التنقيب عن الآثار في المنطقة العربية.
نقد الرؤية الغربية في كتابة التاريخ
وضعت الدراسة عدد من النقاط النقدية في رؤية الغرب في كتابة تاريخ الشرق الأدنى من أهمها، عزل تاريخ العرب عن تاريخ الشرق الأدنى القديم. حيث نجد معظم الكتابات الخاصة بتاريخ الشرق مستقلة عن عملية دراسة التاريخ العربي، وكأن شبه الجزيرة العربية لا تمثل جزء من تاريخ الشرق الأدنى. أيضا التركيز الخاطئ على تاريخ الإمبراطوريات في الشرق الأدنى ، حيث ركزت المؤرخون على التاريخ السياسي وبالتالي لا تتناول دراساتهم إلا شعوب بلاد النهرين ومصر القديمة والنتيجة هي خروج شبه الجزيرة العربية من دائرة الاهتمام التاريخي والحضاري. كذلك تأثير الفكر الاستعماري على عقلية مؤرخي الشرق الأدنى القديم ودارسي حضارته في الغرب ، فكما اهتمام المؤرخين بالتاريخ الحديث للعرب والمسلمين كان موجها وجهة سياسية تخدم البلاد المستعمرة التي ينتمون إليها فكذلك أيضا كان اهتمامهم بالتاريخ يخدم النظر الاستعمارية ، حيث حاولوا إثبات عدم وجود وحدة قومية حقيقية تجمع شعوب المنطقة العربية.
وشددت الدراسة على أننا بحاجة ماسة إلى إعادة كتابة تاريخ الشرق الأدنى وحضارته من منظور عربي يركز على إبراز الأصول العربية لشعوب الشرق الأدنى ودور العرب في تشكيل العقلية العربية. وتوضيح التأثير الثقافي للعرب في بيئتهم الكبرى داخل الشرق وخارجه. والهدف من هذا مواجهة النظريات الغربية التي ركزت على استبعاد العرب وإهمال دورهم في تاريخ الشرق الأدنى. وتركيز الأنظار على شعوب أخرى داخل المنطقة واعتبارها مركزا ومحورا لتاريخ المنطقة وحضارتها وقد برزت عدة نظريات في هذا الاتجاه منها النظرية البابلية التي تربط التاريخ والحضارة في الشرق الأدنى القديم بالثقافة البابلية باعتبار أنهم من أهم قوى في مجالات السياسية وأن لهم أثرا واضحا في مسيرة الشرق الأدنى وهذا غير مقبول علميا. وأردفت الدراسة أن الشعب العربي في شبه الجزيرة هو الشعب الوحيد الذي تتوافر فيه المواصفات المطلوبة للشعب المحوري تاريخيا وحضاريا فبدون العرب لا تقوم للساميين قائمة ولذلك فمن الخطأ استخدام مصطلح «سامية « ومن الأولي أن نقول مصطلح «عروبة» حيث يبرز العرب في تاريخ الشرق الأدنى بكونهم الشعب الأصلي الأول الذي لم يسبقه شعب آخر في شبه الجزيرة العربية، فهو غير وافد إلى المنطقة. بينما تعتبر بقية شعوب المنطقة شعوبا غير أصلية ووافدة ومقرها الرئيسي الذي أتت منه هو شبه الجزيرة العربية. لذلك يعود إلى عرب الجزيرة العربية تكوين الشعوب «السامية» وتكوين اللغات العربية «السامية» وأيضا تكوين العقلية العربية «السامية» كعقلية متميزة عن العقليات الأخرى في العالم القديم مثل العقلية المصرية القديمة، والعقلية اليونانية القديمة.
لم تسمح أوضاعها بالوقوع تحت تأثير ثقافي
وتضيف الدراسة، بجانب كل هذا أن شبه الجزيرة العربية تمثل بحكم موقعها الجغرافي قلب الشرق الأدنى القديم، فهي بالفعل مركزه الجغرافي، والبحث عن محور لشعوب الشرق الأدنى لا يجب يتجه إلى الخارج ، أو يتجه إلي الشعوب التي تعيش على أطراف أو حدود الشرق الأدنى ، و هذه بالتأكيد تحتمل الوقوع تحت التأثير الثقافي الأجنبي والواقع على حدودها ، والذي يؤثر عليها دائما وينتقص من أصالتها، كما حدث ذلك مع بلاد النهرين والمنطقة السورية وكذلك الحضارة المصرية، بينما لم تسمح أوضاع شبه الجزيرة العربية بوقوع العرب تحت أي تأثير ثقافي أجنبي. لصعوبة تضاريسها وجغرافيتها والتي حالت دون تعرضها لغزو عسكري من القوي الكبرى في المنطقة، كما أن صعوبة الوصول إلى قلب شبه الجزيرة حافظ على نقاوة سكانها. فلم يختلطوا بغيرهم ولم تتغير قيمهم عبر العصور القديمة. وقالت الدراسة « كل هذه العوامل السابقة تجعل من شبه الجزيرة العربية المحور الأساسي لشعوب الشرق الأدنى القديم. فأهلها الأصل الأول لكل سكان الشرق في منطقته الداخلية ، ولهم تأثير واضح على أطراف الشرق الأدنى وعلى مناطق خارجة على حدوده مثل الساحل الشرقي لأفريقيا ، وقد تغيير الجميع من حولهم وبفعلهم وظلوا في قلب شبه الجزيرة العربية على ما كانوا عليه منذ الأزل مثالا للإنسان العربي الأول ، وبقيت لغتهم شاهدا على اللغة العربية الأم واستمرت قيمهم تكوّن المقوّم الأصلي والأساسي في الثقافة العربية القديمة».


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد