loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

التفكير بصوت مسموع

البناء الحضاري في الأمة الإسلامية (2)


تعددت مفاهيم الحضارة فمن معرف لها من خلال الماديات والعمران، ومن معرف لها من خلال الضد، الحضارة ضد البداوة، وهكذا تتعدد الرؤي والمعاني، ولكنها لا تختلف في أنها سلوك إنساني الغرض منه تعمير الأرض، وبناؤها، والاستفادة للإنسان من خلال هذا البناء.
البناء الحضاري عند الأنبياء: الإسلام هو الحضارة، بما يحمل من قيم ومقومات ومبادئ، لأنه الدين الذي يبني الإنسان ليكون ذا فاعلية في الأرض، ويكون امرأ عاملا وفاعلا لإعمار الأرض، وفي نفس الوقت يحمل القيم والمبادئ والقيم ذاتها.
ولهذا كان الأنبياء عليهم السلام هم بناة الحضارات، وهم القدوات في بناء الإنسان الصالح لإعمار هذه الأرض الواسعة.
نوح عليه السلام:
يأتي نبي الله نوح عليه السلام، أول رسول إلى الناس، وقد كان بعد آدم عليه السلام بألف سنة، كما يروى ذلك عن ابن عباس، رضي الله عنهما.
أتى هذا الرسول، والناس مضطربة في المعبود، ليس لها تصورات صحيحة حول الكون والخالق والطبيعة، ومن المعلوم، أنه كلما كانت هذه التصورات صحيحة، كلما كان البناء محكما وقويا، ويناسب فطرة البشر ولا يحيد عن الناس، بل يجعلهم يتسقون مع البيئة والكون، ومع بعضهم بعضاً.
تشكلت تصورات قوم نوح عليه السلام، من خلال توارث البشر، لصناعة أصنام بأسماء رجال صالحين ماتوا، كما ذكر ذلك ابن عباس رضي الله عنهما، فأراد نوح عليه السلام أن يصحح لهم هذا التصور، ويهدمه من أصله، ويبني لهم تصورا صحيحا يتناسب مع الفطرة، ومع العقل ومع نواميس الكون، حتى يتسق التفكير الصحيح مع هذه النواميس ولا تتعارض، فيكون البلاء الكبير على بني الإنسان، كما حدث في كثير من الأمم، عندما صاغوا مناهجهم وتصوراتهم وتفكيرهم، وأصول بنائهم على هذه التصورات، فكان التصادم مع الفطرة والمجتمع والنواميس.
ويذكر القرآن في كثير من الآيات الحوار الذي كان بين نوح عليه السلام، وبين قومه حول هذه القضية، جاء في سورة هود: جاءت مقدمة السورة هكذا:
« الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ»
نلاحظ بداية السورة تتعرض لعدد من القضايا الكبرى في حياة الإنسان الذي هو مركز القرآن:
1- عبادة الله وحده لا شريك له
2- النبوة والرسالة التي يحتاجها بنو الإنسان جميعا، لحاجتهم لهم في سعادة الدنيا والآخرة، ومن خلالها تستوعب الحياة والدين والعمل للآخرة.
3- من هذه العبودية ينطلق الفعل الواجب وهو الاستغفار والتوبة والإذعان له وحده سبحانه.
4- النتيجة من كل هذا الاستمتاع في الحياة دون نكد ولا شقاء، والجنة في الآخرة.
5- من يتولى عن ذلك تكون عاقبته وخيمة.
تلك هي الأساسيات التي يريدها القرآن للناس، إبان حياتهم وتعمير الأرض، وبناء مدنياتهم وحضاراتهم.
وقال تعالى في (نوح):
((فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا-يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا-وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا.........وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا لتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا»... المطلوب من البشر عمارة الأرض بما يتوافق مع السنن القرآنية والكونية والتاريخية، وفوق ذلك مع عبودية الله تعالى وحده، وهذا يقتضي الشكر والاستغفار، لتجديد العمل لبناء حضارة الإنسان الكبرى.
ونلاحظ هنا وجود أساسيات الحياة، الماء «يرسل السماء»، ثم المال، ثم التكاثر والاستمرار وبقاء النوع «ويمددكم بأموال وبنين»، ثم لا بد من أن تكون هناك زروع وثمار وجنات، الزروع والثمار وغيرها للأكل والاستمرار في الحياة الرغيدة، والجنات للمنظر، ويتمتع الإنسان بالنظر فيها، «حدائق ذات بهجة»، فهي حياة خصيبة راغدة، بتلك الشروط المذكورة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد