loader

علم ومعرفة

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كيف عبرت عنها النصوص الأدبية؟

«الأوبئة» بين آلام الماضي والرعب من المستقبل


تبدو البشرية مدينة في تطورها لعاملين مدمرين هما: الأوبئة، والحروب. فبفضلهما اكتشفت الأدوية وتطور العلم إلى آفاق غير مسبوقة.
فلا ينطبق المثل القائل «رب ضارة نافعة» على شيء، مثلما ينطبق على تلك المخاطر التي دفعت العقل البشري دائمًا للبحث عن حلول، لأن «الحاجة أم الاختراع».
هذا عن العلماء، أما الأدباء وكتاب الروايات، فسعوا بحساسيتهم الفائقة إلى توثيق هذا العالم القاتم الذي تخلفه الأوبئة والحروب وراءها، لذلك ليس غريبًا أن تكون أعظم وأهم الروايات عبر قرنين من الزمان تدور في هذين الفضائين، من «الحرب والسلام» لتولستوي إلى «وداعًا للسلاح» ليهمنغواي.
كما فتحت الرواية العالمية أفقًا يستشرف المستقبل الأكثر قتامة، في حال انتشار فيروس غامض مدمر، أو حرب نووية لا تُبقي ولا تذر.. لتخلف الأرض رمادًا وخرابًا.
وكثيرًا ما اتخذ فضاء الحروب، وانتشار الأوبئة كمجرد خلفية للتأكيد على قصص الحب الرومانسية ولعل أشهر نموذج لذلك رواية «الحب في زمن الكوليرا» للكاتب الحائز على نوبل غارثيا ماركيز.
والرواية ترصد قصة العاشق «فلورنتينو» الذي ظل قلبه معلقًا بالمرأة ذاتها لنصف قرن، رغم غرامياته المتعددة، وخلال هذه الحقبة لا تشير الرواية إلى وباء الكوليرا فقط،بل أيضًا إلى الحروب والتغيرات القاسية التي شهدتها أميركا اللاتينية عمومًا.
يقول إليوت في قصيدته الشهيرة «الأرض الخراب»:
«يا مدينة الوهم
تحت الضباب الداكن فجر شتاء
تدفق حشد فوق جسر لندن، حشد غفير
لم أتصور أن الموت قد طوى كل هؤلاء!»
كان إليوت تحت وطأة انهيار روحي خاص به، بينما كان روديارد كبلنج تحت وطأة الفزع من وباء الكوليرا عندما كتب قصيدته «معسكر الكوليرا». وكأن الألم الخاص يتماهى مع الألم العام.
وفي هذه الأيام تعيش البشرية أيامًا تذكر بتاريخ طويل من الآلام، تذكر بالحصبة والانفلونزا الإسبانية.. بأراوح الملايين التي فتكت بها فيروسات غامضة.
في روايته «الطاعون» لإلبير كامو الحائز على جائزة نوبل في الأدب، نتابع قصة عمال في المجال الطبي يتآزرون في زمن الطاعون في وهران الجزائرية. وترصد الرواية رد فعل شخصيات من طبقات اجتماعية مختلفة من الطبيب إلى المطلوب للعدالة، إزاء الوباء.
وشهدت الرواية تأويلات رمزية تتجاوز المستوى الواقعي لـ «الطاعون» إلى كل تهديد للبشرية كما «النازية» خصوصًا أنها قد كتبت عقب الحرب العالمية الثانية.
والطريف أن مبيعات الرواية تضاعفت عقب انتشار «كورونا» والأمر نفسه حدث مع رواية «العمى» لكاتب آخر حائز أيضًا على نوبل هو ساراماغو، وإن كانت روايته لا تتعامل مع وباء محدد مثل الكوليرا والطاعون، بل عن حالة عمى غامضة ومعدية، رغم أن آفة العمى أساسًا ليس من الأمراض المعدية.
وعلى عادة ساراماغو البارع في رسم عوالم متخيلة ذات طبيعة رمزية، برع في وضع مدينة تحت وطأة الهلع من العدوى مستعرضًا تبدل السلوك والمواقف بين أبطال قصته، وفاضحًا تناقضات الناس والسلطة.
وما بين روايات ترصد واقعًا حقيقياً مع إمكانية ترميزه، أو تؤسس عالمًا متخيلًا يتظاهر بالواقعية، ثمة مسار ثالث سعى لاستشراف المستقبل البشري القاتم، والمهدد بعوالم فنائه، كالقنابل النووية مثلا.
ومن هذه الروايات «حكاية خادمة» لمارغريت آتوود التي تأخذنا إلى عالم ما بعد كارثة نووية، وارتفاع معدلات العقم.
وكذلك رواية «الطريق» لكورماك مكارثي، التي تبدأ أحداثها بعد كوارث نهاية العالم، من خلال قصة أب وابنه يعبران بلدًا محترقًا يصعب التعرف عليه، حيث الطقس بارد وليس ثمة أسباب للحياة، فيما يتجه الأب والابن نحو الساحل، على أمل العثور على أي شخص يمنحهم الأمل.. مع تصوير رائع للفوضى والخراب من حولهم، وقد تحولت الرواية إلى فيلم عام 2009 من إخراج جون هيلكوت.
ولا تبدو الرواية العربية بعيدة سواء عن رصد الأوبئة التي عاشها الآباء وكافحوها، أو استشراف المستقبل المظلم. فعلى سبيل المثال قدم الكاتب المصري الراحل روايته «يوتوبيا» ـ والعنوان ساخر هنا ـ محاولا استشراف مستقبل المدينة في مصر خلال السنوات القادمة، حيث ستكون محاطة بسور ويحرسها جنود المارينز في الساحل الشمالي، مقابل مدينة أخرى في فقر مدقع وعشوائيات وقتال من أجل الطعام. وتتشابه مع الرواية الشهيرة «ألعاب الجوع» في قيام شاب من يوتوبيا بمغامرة لكسر ملل الحياة ورتابتها من خلال صيد إنسان فقير من سكان المدينة الفقيرة وقتله والاحتفاظ بجثته على سبيل الفخر.
أما الكاتب السوداني أمير تاج السر فلم يهرب لاستشراف المستقبل، بل فضل تأمل الواقع المثقل بوباء الأيبولا الذي ضرب القارة السمراء من خلال روايته «إيبولا 76» ولعلها من أهم الروايات العربية وأكثرها مصداقية في رصد الواقع المتردي تحت وطأة الفيروس القاتل. ومثلما قدم تاج السر نصًا إبداعيًا حول فيروس قاتل لم يحظ للاسف بما يكفي من الاهتمام العالمي، فلن نعدم أن يكون هناك من يكتب عن أيام البشرية تحت وطأة الهلع من «كورونا».
الملاحظة الجوهرية أن معظم الروايات العالمية التي عالجت الحروب أو الأوبئة تحولت إلى أفلام شهيرة، بينما ظلت الروايات العربية حبيسة الكتب ولم تحظ بالظهور على شاشة السينما، ولا حتى التلفزيون.
ورغم الرؤى المأساوية والمتشائمة لبعض هذه الأعمال، أو الاكتفاء بالتوثيق، لكن تظل الغلبة للأصوات التي تمنح البشرية الأمل والحب، والقدرة على تجاوز هذه المحن.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد