loader

علم ومعرفة

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

سيرة الحياة والكتابة

ليلى العثمان تنفض الغبار.. بين التسامح والانتقام


«انفض عني الغبار» سيرة ليلى العثمان الصادرة عن دار العين، في نحو مائتين وخمسين صفحة. في تقديمها قالت د. نجمة ادريس: لو تسنى لك أن تدخل الى بيت ليلى العثمان في زيارة ما، فسوف تطالعك أول ما تطالعك صورة مكبرة لأبيها تكاد تقترب من الحجم الطبيعي، وهو مشتمل (بشته) وعقاله، جالس تلك الجلسة المطمئنة، مشع بوسامة ومهابة لا تنال منها السنوات».
اذن تنبع الدراما، والحافز الخفي وراء تلك السيرة الطويلة للكاتبة، في تلك «الصورة» العملاقة للأب.
الأب عبد الله عبد اللطيف العثمان، أحد كبار تجار الكويت ومؤسسي نهضتها وعمارتها، رجل البر والخير، وأيضا الشاعر والمثقف. هو حجر الزاوية في السيرة، احتفظت له الابنة «ليلى» بصورة زاهية بكامل أناقته وحضوره، وكأنها تستبقيه بالقرب منها الى الأبد، فهي كما ذكرت «مازالت تعيش من خيره».
في الوقت نفسه كأنها تريه أن «البنت» التي ولدت في مجتمع لم يكن يحفل بانجاب البنات ولا تعليمهن، هي الآن ملء السمع والبصر، نسجت لنفسها سيرة نجاح موازية لسيرة الأب نفسه، ولم تتف بالعيش في ظل اسمه وماله. هي من حملت اسمه، ربما أكثر من أي أحد آخر من أبنائه، من زيجات عدة.
ومصداقا لمقولة: ليس الفتى من يقول كان أبي.. وانما من قال ها أنا ذا» أرادت أن تستحضره لتقول له ان البنت أيضا تقدر أن تقول «ها أنا ذا».
هذا الأب المهيب بالغ الثراء، لا يعني بالضرورة أن المعلقة الذهبية كانت في فمها دائما.. بل كانت طفولة قسوة وحرمان لأربع بنات من أم جرى تطليقها، لتجد الشقيقات الأربع نفسهن بائسات بين قسوة زوجة أب، وكراهية زوج أم!
يكفي فقط الاشارة الى السطر الأول من تلك السيرة الشجية: «انفتح الباب أمامي، لم أكن أعلم أنه باب جهنم، حتى سقطت أنا وشقيقاتي الثلاث في جحيمه».
ذاقت ليلى ابنة الأكابر مرارة الجوع، وألم الخوف، كما في مفارقات أفلام الأبيض والأسود القديمة، بكل ميلودراميتها. بكت حين قتلت احدى قريباتها قطتها، كي تبقى لليوم لا تعرف كيف تتخلص من تلك الذكرى الأليمة.
وبكل شجاعة، مثلما في كتابتها عموما، كشفت جانبا مظلما من جوانب لا يراها الآخرون وراء أسوار بيوت العز. ليس بغرض التشفي، ولا الانتقام، بل التصالح مع الزمن وقسوة أحداثه الأولى.
اختارت ليلى متأثرة بثقافتها وموهبتها التسامي بالمعنى الفرويدي، فلن يفيدها في شيء المعارك مع أناس، هم في نهاية المطاف من دمها، وسبب وجودها في الحياة.
تصالحت شيئا فشيئا مع الأب، الذي انتبه متأخرا لآلام بناته، وسعى الى تعويضهن، كما دفعهن الى التعليم.. وبفضله كونت ليلى شخصيتها الأدبية، وان كان هو نفسه الأب الذي حرمها من مواصلة تعليمها، فاختارت الطريق الأصعب أن تعلم نفسها بنفسها، وتعوض عدم استكمال دراستها، عبر نهم القراءة.. اختارت أن تكون كاتبة «عصامية».
هو نفسه الأب الذي سعى الى تزويجها من أحد أقاربها، وفقا لنسق مجتمعها، لكنها تمردت وفضلت العنوسة، الى أن أقنعتها احدى زوجات أبيها، بقبول الزواج من طبيب فلسطيني يكبرها سنا، باعتباره نافذة تحقيق أحلامها بعيدا عن سطوة الأب.
كان هذا الزوج الآتي من ثقافة مغايرة، جسرا مهما لتحقيق ذاتها والتعبير عن موهبتها، التي ورثتها عن أبيها الشاعر أيضا والذي رفض أن تكتب وتنشر باسمها في بداية حياتها الأدبية.
ان جوهر سيرة ليلى في شقها الانساني هي سيرة مع الأب وشبحه، وصورته المعلقة في بيتها. سيرة شهدت محطات تعيسة في البدايات ومحطات ثراء وسياحة في مصر وربوع الشام، ورؤية أصدقاء الأب من كبار الفنانين والمثقفين العرب الذين كانوا يترددون على قصوره. والطريف أن ليلى في هذا الجانب أيضا، سارت على خطى أبيها، حيث أصبح بيتها كعبة لمشاهير المبدعين العرب.
عقب وفاة زوجها الأول، خفق قلبها للزوج الآخر في حياتها، وهو مثقف فلسطيني أيضا، شكلا معا شراكة ممتدة قبل أن تفرق بينهما تبعات احتلال صدام للكويت. وكأن حبها للزعتر الفلسطيني الذي تعرفت عليه في مدرستها من زميلاتها الفلسطينيات، ربط قلبها الى الأبد بفلسطين.
ومثلما حرصت ليلى على القتال من أجل اثبات اسمها في المشهد الأدبي الكويتي والعربي، حرصت بالضراوة نفسها على تربية أبنائها وأن يبقوا في حضنها وفي ذاكرتها البعيدة مشاهد طفولتها القاسية، لا تريد لها أن تتكرر معهم.
وجه آخر لـ «التسامي» أو التسامح الايجابي مع الحياة، بدلا من الانتقام.. انها ببساطة أرادت أن تعوض أولادها، عما عانته هي نفسها. فجعلت المواعيد الأسرية مقدسة في أجندتها الى اليوم.
يصعب تلخيص سيرة نابضة بالشجن والشجاعة، تعطي دروسا مهمة لكل انسان. فالطفلة التي عانت من افتقاد أبسط مقومات النظافة والاهتمام بآدميتها، حرصت دوما على «شياكتها» وأناقتها التي لا تعترف بعمر ولا تهزمها شيخوخة. فدائما اطلالة ليلى العثمان زاهية الألوان ومبهجة ومحبة للحياة.
وبالتوازي مع سطور تحولاتها الانسانية، لامست السيرة مسارها الأدبي، فكشف سياق كل نص كتبته، أين ومتى وكيف وماذا ولماذا كُتب.. مما يوفر مادة مهمة للقراء والباحثين، لرصد علاقة تجربتها الأدبية بتجربتها الانسانية، واشتباك أدبها مع واقعها وسياق عصرها.
تحدثت في فصول السيرة عن أعمالها المعروفة: المرأة والقطة، وسمية تخرج من البحر، العصعص، صمت الفراشات، حكاية صفية. وغيرها. وأدخلت القارئ برشاقة الى مكتبها، ساعات القراءة وطقوس الكتابة. كما عرجت به الى ظروف محاكمتها وكيد جهات متشددة لها. عاشت ليلى محبة لوطنها الكويت، فلم تتأخر يوما في تلبية ندائه، الى درجة أنها وظفت براعتها في الخياطة ابان محنة الغزو، اضافة الى نشاطها الأدبي والاعلامي.. كما عاشت وراء أحلام القومية العربية بزعامة عبد الناصر، الأب الآخر الحاضر ظله في Aعاشت محاربة للتيارات المتشددة، مشجعة للشباب الكويتي الذين أرادت لهم بداية أفضل من بداياتها، عبر جائزة من مالها خصصتها لهم. وضعت ليلى الطفلة خطة لتحويل معاناة الطفولة، الى طاقة ذهبية مانحة للأبناء والشباب ومنتجة للأدب والمعرفة. قبل أن تصل قرب نهاية السيرة الى فصل «من أنا؟». وقد استوقفني أنها لم تبدأ السيرة بهذا السؤال الكينوني، بل جعلته قرب النهاية. كأنها أرادت أن تقول ان «الأنا» ليست جوهرا راسخا يولد معنا، بل «الأنا» صيرورة وتحولات، نتيجة نحصل عليها عند نهاية الرحلة، وليس ورقة تمنح لنا في بدايتها.. فهي ليست مجرد بيانات في بطاقة الهوية، بل كينونة تشكلت بمرور سبعين عاما.
ومثلما حاولت الاجابة عن سؤال الهوية، وسؤال الحياة، طرحت على نفسها سؤال «الموت» باعتباره القوس الذي يغلق رحل كل انسان. وما يرتبط به من أمراض وشيخوخة. وربما لهذا السبب رأت أنه قد حانت اللحظة لنفض الغبار عن سيرتها، لترينا تلك الطفلة أنها لم تولد بملعقة ذهبية، ولم تنتظر فتى الأحلام الذي سوف يلتقط فردة حذائها، كما في قصة سندريلا الشهيرة.. بل صنعت حذاءها بنفسها، وفاضت سطورها وقلبها، بقيم الحب والجمال.
انها سندريللا التي لم تنتظر الخلاص من شقاء الطفولة، عبر آخرين، بل صنعت خلاصها بقوة عزيمتها، وطاقة الحب في داخلها.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت