loader

إضاءات

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

مع تجدّد أزمة كل عام جنون

رامز جلال.. أسباب الضحك والغضب


منذ تسعة مواسم يقدم الممثل المصري رامز جلال برنامج مقالب يحمل اسمه، متجاوزًا نجوم الكاميرا الخفية الذين بدأوا تلك الرحلة دون استخدام اسمهم كأيقونة إشهارية وأولهم فؤاد المهندس صاحب تسمية «الكاميرا الخفية»، ثم تلاه آخرون أبرزهم إبراهيم نصر في عقد التسعينيات الذي اشتهر بشخصية «زكية زكريا» النسائية غريبة الأطوار. كما اشتهر برنامج «أديني عقلك» لسنوات. فقط حسين الإمام اعتمد اسمه في مقالب «حسين على الهوا» والذي تحولت فكرته كما هي تقريبًا إلى «حيلهم بينهم» مع عمرو رمزي.
إلى جانب تكريس رامز لاسمه وهو تحت الأرض، وفي الجو، وفي الشلال، ويلعب بالنار، وصولًا إلى نسخة «رامز مجنون رسمي»، فهو طور فكرة استضافة الفنانين السابقة عليه، بالبعد عن الاستديو الذي يوحي أكثر بالفبركة والتواطؤ، مفضلًا أن يأخذ ضيوفه في مغامرات نوعية.
هناك ملمح ثالث، فالكاميرا الخفية بدأت بالناس البسطاء ومفارقات الحياة معهم، وهو ما كان موضع انتقاد آنذاك، بأنها تسخر من الصعايدة أو الفلاحين، أو تستهزأ بالفقراء.. بينما رامز فضل أن يعتمد في جميع نسخه على الفنانين والمشاهير.
عمليًا لم يأت برنامجه بأي جديد، فهو استفاد من كل ملامح التجارب السابقة، ربما فقط أضاف إليها أجواء الأكشن وسرعة الإيقاع، مع الكلفة الإنتاجية العالية جدًا، فلم يعد الأمر قاصرًا على وضع كاميرا في الشارع أو مطعم.
وفي الوقت نفسه اختلفت تجربة في كونها لا تعتمد التصور الكلاسيكي للضحك الناتج عن مفارقات الحياة، وتباين رد فعل البشر إزاء المواقف الغريبة، بل على ملمح الرعب والعنف.
فهو لا يأتي بضيفه من المشاهير كي يضحك الجمهور، بل يأتي به كي يرعبه فيسقطه من طائرة، أو يتركه أمام أسد، أو يضعه على كرسي كهربائي.
بطبيعة الضحك، إنه لا يولد من مواقف عنيفة، بل من مبالغات مرحة، كأن يرتدي الممثل البدلة ويخرج من دون بنطلون، على طريقة شارلي شابلن، لكن الضحك الذي يقدمه رامز يولد من منطقة أخرى. أعني منطقة الإرعاب.
هذا عن طبيعة التغير الذي أجراه رامز على «الكاميرا الخفية» فماذا عن الجمهور؟
لاشك أن الجمهور نفسه تغير منذ عام 2011 في العالم العربي كله، وما شهدته بلدان عدة من فوضى وكوارث وثورات وإرهاب، ومجازر داعش.. كل ذلك جعل «الرعب» مألوفًا، كالخبز وماء الحياة. فثمة أجيال من الأطفال ولدوا ـ بكل أسف ـ في عالم عنيف مجنون.. يأتيهم عبر الشاشات وألعاب الفيديو، مثلما يأتيهم من حروب وكوارث الواقع.
هذا الجيل الذي نشأ وكبر مع البرنامج، ربما لن يجد فيه شيئًا وحشيًا، لأن الألفة مع العنف في حياتهم، حوله إلى موضوع هزلي.
لم يعد من الوارد أن يثير العنف في داخلنا الغضب والرفض والتعاطف مع الضحايا..بل على الأرجح يثير الضحك.
يُضاف إلى ذلك سبب نفسي يتعلق بأن العنف عمومًا له جانب تطهري بالمعنى الذي طرحه أرسطو، فعلى الأقل يقول المشاهد لنفسه إنني بخير مقارنة بما يحدث لضيوف البرنامج، وفي وضع أفضل منهم، وأضحك عليهم.
وثمة سبب طبقي آخر؛ فها هو الجمهور الذي يعافر ويكابد الحياة لتوفير قوت يومه، يجد ما يشبه الانتقام ـ وإن كان الأمر مجرد تمثيلية ـ من هؤلاء الفنانين المترفين الذين يربحون الملايين.
إنها علاقة منفعة تبادلية بين الطرفين، المشاهد وجد انتقامًا صوريًا ممن هم أفضل حظًا منه.. والمشاهير بدورهم قبلوا هذه اللعبة الصورية المهينة لهم، ولمكانتهم (هل كانت أم كلثوم أو عبد الوهاب يقبلان المشاركة في هكذا برنامج؟!) وطبعا سبب القبول الوحيد هو الأجر المغري جدًا جدًا.
من يعترض على طاقة العنف التي يكرسها البرنامج (حتى لو كان تمثيلا متفقًا عليه) لديهم كل الحق في الاعتراض، لأنه بالفعل يكرس لدى جمهوره وعيًا عنفيًا خطرًا.
ومن يرحب بالبرنامج ـ تحت زعم حرية التعبير أو حرية الريموت كنترول في القبول والرفض ـ ينطلق أساسا من منطق تسليع أي شيء، فطالما المشاهير قبلوا اللعبة والدعاية وآلاف الدولارات، وطالما نسب المشاهدة عالية جدًا، والإعلانات بالملايين.. وطالما الجمهور وجد شيئًا يضحكه ويشفي غليله. فيفترض أن يشعر الجميع بأنهم سعداء.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد