loader

إضاءات

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

من «محمد علي رود» إلى «فالنتينو» «الراكور»

حمى البحث عن الغلط في دراما رمضان


لماذا يأخذنا الحنين الى «درب الزلق» و«تترات» مسلسلا «آرابيسك» و«ليالي الحلمية»؟ لماذا يتذكر المشاهد العربي مسلسل «الجوارح» أو «أفراح القبة» وينسى مئات الأعمال التي تقدم سنويا؟! هل المسألة مجرد حنين الى الماضي أيام كانت الأعمال قليلة جدا ولا يوجد غيرها؟
يحق للمشاهد الكويتي والعربي أن يقول في الليلة الظلماء يفتقد عبد الحسين عبد الرضا ونور الشريف وسعاد حسني.
نفتقد كمشاهدين المواهب الكبيرة، والحضور، نفتقد روح الاتقان، حيث كانت الامكانيات الشحيحة وقتها، تفرض على الممثل أن يحفظ جيدا ما يقوله، ويتعمقه ويتعشقه، فنسمع خلجات الصوت لا مجرد الصوت.
الآن في زمن الوفرة الانتاجية ومئات القنوات، واتساع السوق، باتت معظم الأعمال تنتج بمنطق «سلق البيض». فلا الكاتب يعي معنى النص الدرامي، ولا الممثل يمسك روح الشخصية، ولا المخرج مدرك أدواته! انه منطق الكم لا الكيف. ويمكن ببساطة اختزال عدم الجودة، والتسرع في كلمة مشهورة اسمها الراكور Racor انه جهاز يقيس تواضع المستوى لأي عمل فني. وتعريفه ببساطة يعني الدقة والالتزام بالمنطق الدرامي، وثبات الحالة المرئية واتصالها. فمثلا اذا استيقظت الممثلة من النوم بملابس بيضاء، لا يصح في اللقطة التالية لها مباشرة، أن يصبح لون الملابس وردية رغم أنها مازالت في السرير، فهذا «راكور ملابس»، وأشهر أمثلته في الأعمال التاريخية والتراثية، حيث تظهر ماركات الأحذية وحقائب اليد النسائية والساعات الفخمة.
هناك أنواع لا تحصى للراكور، منها ما يتعلق بالحركة الخاصة بالممثل، أو الكاميرا، ومنها ما يتعلق بتكوين المشهد، مثل مشهد لفرقة غناء شعبي في عمل تراثي، يظهر فيه أحد الفنيين بكاميرا محمولة! ومنها ما يتعلق بأداء الممثل وانفعالاته غير المتسقة مع المشهد. ومنها ما يتعلق بالاضاءة وزاويتها ودرجة سطوعها، كأن يكون المشهد في غرفة نوم، ويضيئ الممثل مصباحا جانبيا، دون أن يتغير أي شيء في درجة الضوء! لذلك كل حرفة في صناعة الدراما يخصص لها فنانون وفنيون، من المفترض أنهم على أعلى مستوى من الخبرة والموهبة، لأنه غلطة شخص واحد قد تكون فضيحة للعمل كله، وخسارة انتاجية ضخمة.
هناك أسباب كثيرة للراكور منها ضعف الكلفة الانتاجية، الاستعجال، الاستسهال، الاستعانة بفنانين وفنيين متواضعي المستوى، عدم وضع خطة زمنية وانتاجية محكمة، تدخل الرقابة أحيانا فقد تؤدي الى حذف مشاهد تفسد اتصال وتسلسل مشاهد أخرى، اضافة الى تصوير «المشهد» نفسه على مراحل وفي أيام مختلفة، فقد تتغير ملابس الممثل أو تسريحة شعر الممثلة. أيضا من الضروري الاشارة الى أنه لا يخلو عمل تقريبا من هفوة «راكور»، لأنه في النهاية جهد بشري، محكوم بالنقص والغفلة. وربما ينتبه صناعه للغلطة، لكن يصعب تعديلها، أو اعادة تصوير المشهد.
تقريبا أشهر غلطة راكور في دراما رمضان هذا العام كانت من نصيب مسلسل «محمد علي رود» وترتب عليها اعتذار وزارة الاعلام للمشاهدين، نتيجة خلط الممثلة بين أسماء الأنبياء، كما اعتذر المخرج نفسه، وهي غلطة يتقاسمها الكاتب أولا، ثم الممثلة والمخرج بطبيعة الحال، لأنه واضح ان الجميع لم يدقق في كل مراحل العمل، خصوصا اذا ما تعلق الأمر بعبارات ذات صبغة دينية. في مسلسل «أم هارون» ذي الطابع التراثي ظهرت كاميرا محمولة!
في مسلسل محمد رمضان «البرنس»، يأتيه زبون لاصلاح سيارة، وبعد أن يقوم بذلك، نراه يسلمه سيارة مختلفة!
أما دينا الشربيني في «لعبة النسيان» فظهرت تحمل مولودها للتو، رغم أن عمره لا يقل عن أشهر، وهي غلطة «راكور» كلاسيكية ومعتادة في الدراما العربية. ومع انطلاق ماراثون رمضان تعرضت الممثلة ياسمين صبري لموجة سخرية على السوشيال ميديا، عندما ظهرت في مسلسل «فرصة ثانية»، وهي تخرج من غرفة العمليات بمكياج مبالغ فيه! وفي مسلسل «اللعبة» ظهرت الممثلة مي كساب في لقطتين في قسم الشرطة، مرة بحذاء أحمر ومرة بـ «شبشب»! كما انتبه جمهور مسلسل «فالنتينو» لعادل امام الى غلظة ظهور علم مصر بشكل خطأ! وهناك غلطات «راكور» مهمة متعلقة بالسياق الزمني للأحداث، وهي آفة معظم الدراما العربية، فمثلا في «أم هارون» نسمع بث الراديو عادي واعلان قيام اسرائيل عام 1948، رغم أن الراديو لم يكن متاحا في الكويت آنذاك، بهذه السهولة، ولم يوجد رسميا بعد! وفي مسلسل «الساحر» لعابد فهد تعود الأحداث الى بضعة سنوات خلت، ومع ذلك نسمع أغنية «بنت الجيران» التي لم تظهر سوى قبل أشهر! وفي المسلسل السوري «سوق الحرير» ورغم الاشارة الى صيف عام 1945 يظهر بوستر فيلم «فاطمة» لأم كلثوم، رغم أنه عرض عام 1947. وبالمناسبة تتحمل أم كلثوم أخطاء نصف الراكورات الصوتية في الدراما العربية، نتيجة توظيف أغانيها بشكل عشوائي، دون انتباه جدي لتاريخ كل أغنية. هذه مجرد عينات مما دار في السوشيال ميديا حول راكوارت دراما رمضان 2020، ولاشك أن هذه الغلطات كانت موجودة دائما وستظل.. لكن الملاحظ أنها زادت للأسباب التي تطرقنا اليها من ناحية، ولأن السوشيال ميديا والتطورات التقنية الرهيبة، وفرت منصات سريعة الانتشار، وبث مقاطع الفيديو والصور، وربما ينطوي الأمر على شيء من الدعاية السلبية وضرب تحت الحزام بين صناع الأعمال أنفسهم. ونتيجة لذلك كله أصبحت هناك ما يسمى «حمى البحث عن الراكور» كأنها هواية لدى المشاهدين، الذين لا يهتمون بأي أفكار تقال، أو أي أداء مذهل.. انه فقط الفضول والتصيد لأي غلطة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد