loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كل أربعاء

الهواء والغذاء والتعليم


عندما صاح عميد الأدب العربي د. طه حسين في اربعينيات القرن الماضي بأن التعليم كالماء والهواء، استجابت له الدنيا، فأصبح التعليم في بلاد التنوير العربية، ومراكز الاشعاع الاقليمية متاحاً لكل طالب علم، ولكل قاصد كريم، ولكل فاعل خير، اصبح التعليم هو منصة التجلي عندما يمر بالأمة مكروه وحين يصيب وعيها المنشود صداع من العيار الثقيل. «العميد» ادرك في المهد طبيعة الدنيا، ولم يبخل بقول حميد يعالج فيه صغائر قوم وقضايا امة، ولم ينحني للظروف، لكي لا يقال علينا بأنا شعوباً معرضةً للخسوف.
قبل ايام وفي عدة احاديث على طريقة التباعد، والتعاضد والانضباط، تطرقت في معرض اجاباتي على الصحافة وأجهزة الاعلام الى التعليم، ليس لأنه واجب قومي او عمل وطني او طريق ممهد نحو وظيفة، او ممر قريب من الرزق توفيراً لوسائل مثلى للحياة والاعاشة، لكنه كحجر اساس لبناء الوعي الجمعي للوطن وتأسيس صنوانه المستقبلي ليبقى في ذاكرة المجتمع اداة للبناء ووسيلة للنهوض ومعولاً للفضيلة. كأنه الهواء النقي الذي نتنفس به صعداء النمو، وكأنه الغذاء الروحي الذي يمكننا من الحياة الكريمة وأي حياة. انه التعليم على المرأى والمسمع والصراط القويم، ضمانة حقيقية لمستقبل وطن، وجهاز تنفس طبيعي مغموساً في رحيق التلقي ومرتبطاً بتروس الآلة ومشتبكاً على الدوام مع نفوس المؤمنين بالعمل الدؤوب والجهد المضني والصفاء الذهني.
هي الفكرة، وهي اليقين ان نتعلم، وهي الضمير الحي بأن نؤمن ونخطط ونضع من الاستراتيجيات المرحلية وطويلة المدى ما يجعلنا قادرين على ان نصوب مسارات نمائنا ونصحح ابجديات رؤانا، انها العمر القصير جداً لكي ننجز فيه ما لم ننجزه ونحن لا ندري. الكلام كثير، والتحدي كبير، العالم يبحث، يجاهد، يجتهد، يتعامل مع المعرفة على انها واجب وحق ودور، كونها طريقاً يؤدي الى حقائق العصر وكل عصر.
كورونا داهمتنا ومراكز البحوث لم تنم لكننا نمنا قريري العين مطمئنين النفس، مرتاحين الضمير والوعي والخاطر وكأننا لا نبالي او كأن شيئاً لا يهم، جائحة نعم لكنها لا تخص فقط الا المصابين بها والا المرعوبين من آثارها والا المنضويين تحت لوائها كأننا شيء والعالم شيء آخر. أين التعليم يا جماعة الخير اذا؟ ما هو موقعنا من الاعراب يا عرابوا الأندلس المحترمين، ويا احفاد الخوارزمي المبجلين وأبناء عمومة ابن سيناء وجابر ابن حيان والحسن ابن الهيثم وغيرهم؟ أين حواراتنا؟جدارتنا، دورنا، وضعنا بين الأمم، فكرتنا عن الناس، سمعتنا بينهم،عن الاحساس بالآخر، عن الايمان به والقبول بشعائره ومشاعره وعقائده ومخرجاته، هو التعليم الذي يرتقي، وهو كلمة السر التي تعين، وهو اللوغاريتم المففكة رموزه لكي يعطي وهو في البداية والنهاية الاستثمار الذي يقود الى ضفة ابعد، ثم الى نتائج مذهلة على طريق بناء الأمم المتحضرة.
جاءت «كورونا» وسوف تذهب مع الريح، ونحن ننتظر صديقا يقدم لنا العون، يتكرم علينا بفكرة، يجيء الينا بمشروع لقاح او علاج او حتى مصل مهيض الجناح، لم نتقدم بشيء، لم نأت بمشروع، لم نجازف بتجربة، لماذا؟ لأننا مازلنا غير مؤمنين بأن التعليم كالهواء والغذاء، كالماء والكرامة والاباء، لأننا مازلنا ننظر الى الاستثمار في العلم على انه ضيف ثقيل، والى ضخ الثروات فيه على انها رفاهية، كمالية وليست ضرورة حتمية، ترفاً وليست املاً في غد افضل.
افتحوا الاستثمار في التعليم، تعالوا الى كلمة سواء، كونوا على قلب رجل واحد، رجال اعمال ومستثمرين، اكاديميين ومفكرين، رجال دولة وعمالقة من كل حدب وصوب وكل دين، اجلسوا معنا فكروا بأدمغتنا، تحدثوا بألسنتنا، قولوا لنا كلمة حق لا يراد بها سوى الحق. احموا الاستثمارات الوافدة من قرارات فجائية جائرة، اصدروا من القوانين واللوائح ما يكفي لصون هذه الاستثمارات، «هارفارد» لم تكن سوى جامعة اميركية خاصة وصلت بالوطن الى عنان السماء، و«ستانفورد» ما هي ايضاً الا كذلك لتضع بلادها على منصات التفوق والتألق والمكانة المرموقة، ومعها «MIT» ما هو الا منصة علمية بتمويل شخصي وضع الولايات المتحدة الأميركية على قمم التفوق العلمي والاداري المستحيلة.
بلادنا بخير، وفكرنا مستنير وقادتنا يدركون ان التعليم هو مستقبلنا، وأن العلم هو صنواننا وأن الاستثمار فكرة وجودية ومكانة حياتية، وأن من يحيد عنه فان الثمن لن يدفعه غير الوطن.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد