جريدة النهار :: طباعة :: إطلالة أخرى من الداخل على كوريا الشمالية: العلاقات مع العرب
العدد 945 - 14/05/2010
تاريخ الطباعة: 8/18/2019

إطلالة أخرى من الداخل على كوريا الشمالية: العلاقات مع العرب
د. محمد السيد سليم
في المقال السابق تحدثنا عن رؤية كوريا الشمالية للملف النووي في شبه الجزيرة الكورية من واقع مناقشاتنا مع المسؤولين الكوريين في بيونغ يانغ. وفي هذا المقال أود ان أتناول علاقات كوريا الشمالية مع الدول العربية وملاحظاتنا عن مستقبل تلك العلاقات.

ما موقف العرب من الملف النووي الكوري؟ وهل هناك علاقة بين الملف النووي الكوري والملف النووي في الشرق الأوسط؟ وماهو حجم العلاقات الاقتصادية العربية - الكورية الشمالية؟ وهل هناك استثمارات عربية في تلك الدولة ذات الاقتصاد الاشتراكي المركزي المغلق نسبيا؟ وهل للكويت وجود اقتصادي في كوريا الشمالية؟ هذه هي الأسئلة التي نود الاجابة عليها في هذا المقال؟

(1)

ظلت كوريا الشمالية منذ عهد الرئيس كيم ايل سونغ تؤيد العرب مجال الصراع العربي الاسرائيلي.ومازال هذا التأييد قائما حتى الآن.وامتد هذا التأييد ليشمل الدعم العسكري لمصر وسورية قبيل حرب اكتوبر سنة 1973 حيث أسهم الطيارون الكوريون الشماليون في حماية سماء مصر وسورية ضد الطيران الاسرائيلي في الوقت الذي كانت فيه تلك السماء مفتوحة بفضل طائرات الفانتوم الأميركية لاسرئيل. كما أسهمت في دعم الصناعة الحربية المصرية.ويفسر ذلك زيارتي الرئيس حسني مبارك لكوريا الشمالية عام 1983، 1990 اذ انه يعرف جيدا حجم الدعم الكوري الشمالي لسلاح الطيران المصري ابان عمله قائدا للقوات الجوية.لكن كوريا الشمالية، شأنها شأن الولايات المتحدة، دعمت العراق وايران عسكريا وفي آن واحد ابان الحرب العراقية - الايرانية بمبيعات السلاح.كما انها استمرت بعد نهاية الحرب الباردة في دعم ايران وسورية ومصر في مجال تكنولوجيا الصواريخ لمساعدتها في تضييق الفجوة مع اسرائيل في هذا المجال، وهي الفجوة التي أسهمت الولايات المتحدة بقوة في وجودها. فقد أشارت الصحف الأميركية في سنة 1996 الى ان كوريا الشمالية زودت مصر بصواريخ «سكود-سي» ولكي توجه الولايات المتحدة ضربة الى هذا التعاون (الذي انكرته تلك الدول) فقد قامت بتهريب السفيرالكوري الشمالي في مصر اليها نظرا لمعرفته الوثيقة بحجم التعاون بين بلاده ودول الشرق الأوسط، وهو مايبدو على انه أثر على حجم التعاون المصري مع كوريا الشمالية. كذلك فان اسرائيل زعمت ان الغارة التي شنتها على موقع في دير الزورفي 6 سبتمبر سنة 2007 كانت في الواقع ضد منشأة نووية تبنيها سورية بمساعدة من كوريا الشمالية وان 10 خبراء كوريين شماليين قد قتلوا في تلك الغارة.

(2)

لجأت الدول الغربية الى مد سياسة الحصار على جمهورية كوريا الشمالية الى الدول العربية وايران. فقد سعت تلك الدول الى تضمين قرارات مجلس الأمن ضد كوريا الشمالية ببنود تلزمها بعدم تصدير الأسلحة وتلزم الدول الأخرى بعدم استيراد تلك الأسلحة. والمقصود بالطبع هنا الدول العربية وايران. فاذا نظرنا الى قرارات مجلس الأمن الثلاثة الصادرة منذ سنة 2006 بفرض العقوبات ضد كوريا الشمالية سنجد انها تجاوزت البرنامج النووي الكوري الشمالي وتحدثت عن وقف شامل أي تعاملات عسكرية كورية شمالية مع كل دول العالم بما فيها الدول العربية، بطبيعة الحال لم تنص القرارات على تلك الدول بالاسم ولكن تلك الدول هي الأكثر استيردا للأسلحة الكورية الشمالية، تحدث القرار رقم 1695 الصادر في سنة 2006 عن ضرورة وقف يطالب كوريا الشمالية كل انشطتها المتعلقة بالصواريخ الباليستية بعد اجرائها تجارب على ستة صواريخ من طراز «تابونغ-2» بعيد المدى.

والغريب انه رغم ان القرار كان بخصوص التجارب الصاروخية الكورية الشمالية الا انه شمل موضوعات لاعلاقة لها بتلك التجارب أهمها الفقرة الرابعة التي طلبت من الدول عدم استيراد أي صواريخ أومواد تدخل في صناعتها من كوريا الشمالية، فيماعد اشارة الى ايران وسورية. لم تعبأ كوريا الشمالية بالقرار ففي 9 أكتوبر سنة 2006 أعلنت انها قد أجرت أول اختبار لرأس نووي حربي. وبالتالي ردت الولايات المتحدة باستصدار قرار في الشهر ذاته برقم 1718 في 14 أكتوبر سنة 2006 يقضي بوقف تصدير الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الى كوريا الشمالية للأسلحة التقليدية، كالدبابات والمدرعات والمدفعية والطائرات والسفن والصواريخ وأي مواد تدخل في تصنيع أسلحة الدمار الشامل، ووقف كوريا الشمالية تصدير تلك المواد، ووقف الدول الأعضاء استيراد تلك المواد منها. جاء ذلك ردا على اعلان كوريا الشمالية انها قد أجرت تجربة نووية، بعد ان كانت قد انسحبت من معاهدة منع الانتشار النووي. وفي 12 يونيو سنة 2009 أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1874 بعد اعلان كوريا الشمالية اجراء تجربة نووية ثانية. ويقضي القرار بتفتيش السفن الكورية الشمالية التي تحمل تلك الأسلحة ومصادرة الأسلحة التي تحملها ومنع تقديم أي خدمات لتلك السفن، كما مد نطاق الحظر الى الأسلحة الصغيرة، والى المساعدة الاقتصادية لكوريا الشمالية بما في ذلك التدريب الفني. والغريب ان القرار طلب من كوريا الشمالية ان تنضم الى معاهدة وقف التجارب النووية رغم ان بعض الدول التي قدمت مشروع القرار مثل الولايات المتحدة ليست عضوا في تلك المعاهدة، أي انها تطلب من كوريا الشمالية الالتزام بمعاهدة ترفض هي الالتزام بها. كما ان كوريا الشمالية من حقها بموجب معاهدة الانتشار النووي الانسحاب منها ولكن قرارات مجلس الأمن تريد الزامها بالعودة اليها في الوقت الذي لا يدعو فيه أي من مستصدري تلك القرارات اسرائيل للانضمام الى المعاهدة. كما لا ينضمون الى الاتفاقات التي يطالبون كوريا الشمالية بالانضمام اليها.

فبعد يومين فقط من التجربة الكورية الشمالية قامت اسرائيل باجراء تجربة على اطلاق صاروخ من طراز «حيتس آرو» المضاد للصواريخ وهو صاروخ تم تطويره بدعم أميركي. لم يتحرك مجلس الأمن لادانة التجربة الصاروخية الاسرائيلية أو دعوة اسرائيل عن وقف برامجها الصاروخية وبدا ان الدول العربية ذاتها غير مكترثة أصلا بالقضية. كذلك فان مجلس الأمن دعا كوريا الشمالية الى العودة الى اتفاقية منع الانتشارالنووي في الوقت الذي لم يناقش فيه أصلا توجيه دعوة مماثلة الى اسرائيل للانضمام الى الاتفاقية ذاتها.

لا توجد في بيونغ يانغ سوى خمس سفارات عربية هي مصر، واليمن، وفلسطين، وسورية، والجزائر. وهناك سفارات لدول اسلامية هي باكستان وايران وماليزيا. ولا يوجد أي تمثيل دبلوماسي خليجي في بيونغ يانغ ولكن توجد سفارات كورية شمالية في الكويت، ومصر، وسورية، ولبنان، واليمن. كذلك، فالتبادل التجاري بين العرب وكوريا الشمالية محدود. فقد بلغ اجمالي صادرات كوريا الشمالية للعرب 37 مليون دولار (3.9 في المئة من صادرات كوريا الشمالية) مقابل 109 مليون دولار واردات كورية شمالية من العرب(5.3 في المئة من واردات كوريا الشمالية). ورغم ان مناخ الاستثمار في كوريا الشمالية غير موات للاستثمار الأجنبي الا اننا لاحظنا وجود استثمارات مصرية في هذا البلد. وقد بلغت الاستثمارات المباشرة لمجموعة شركة «أوراسكوم» المصرية في كوريا الشمالية حوالي خمسمئة مليون دولار، وهي أعلى استثمارات في تلك الدولة. فقد تم انشاء مشروع مشترك بنظام «المشروع المشترك» بين شركة «أوراسكوم» للصناعات البنائية وشركة بيونغ يانغ - ميونغ دانغ لتجارة من أجل تحديث وتطوير واعادة تأهيل مصنع سانغ - ون للأسمنت.وطبقا للعقد المبرم بين الطرفين تم ضخ مبلغ 115 مليون دولار من جانب الشركة المصرية.كما بدأت شركة «أوراسكوم تيليكوم» المصرية بانشاء أول شركة وشبكة لخدمات التلفون المحمول بنظام «المشروع المشترك» مع شريكها وزارة البريد والاتصالات الكورية من خلال شركة تشيو وبتكلفة مبدئية 400 مليون دولار. هذا الى جانب دخول شركة «أوراسكوم» المصرية كشريك رئيسي في مشروع استكمال وانهاء تشطيبات فندق ريوجيونغ في بيونغ يانغ ومن ثم ادارته فيما بعد وأتصور ان هناك فرصا استثمارية مهمة في كوريا الشمالية لما تتميز به الدولة من تنوع جغرافيتها ونظافة بيئتها. وعلى حكومة كوريا الشمالية ان تشجع المزيد من المستثمرين العرب على الدخول في أسواقها. كذلك، فالصندوق الكويتي للتنمية قام باقراض كوريا الشمالية قرضين بقيمة اجمالية حوالي 13 مليون دينار لضبط توزيع المياه وتحسن مستوى الصرف الصحي في بيونغ يانغ.ويقدر الكوريون الشماليون تلك المساهمة في شكل نصب تذكاري.

ولكن الدول العربية مختلفة حول التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروعات القرارات التي تندد بحقوق الانسان في كوريا الشمالية. ففي الدورة رقم 62 للجمعية العامة(2007-2008) صدر القراررقم 167 بصدد حقوق الانسان في كوريا الشمالية وقد صوتت مع القرار البحرين والسعودية، والعراق، والأردن، ولبنان، والمغرب، واعترضت عمان، ومصر، والجزائر والصومال، وليبيا، وسورية، وامتنعت الكويت، وقطر، والامارات، واليمن عن التصويت علما بان كوريا الشمالية تصوت مع الدول العربية في كل القضايا المتعلقة بالصراع العربي الاسرائيلي كما انها ترفض اقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل.وفي هذا الاطار لاحظنا ان محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية قد التقى مع كيم يونغ نام، نائب الرئيس الكوري الشمالي، أثناء زيارته لبكين في 1 مايو الحالي وسلمه رسالة الى الكوري الشمالي قال فيها «ان الشعب الفلسطيني يعتبر الكوريين الشماليين من أقرب الأصدقاء».

(3)

على الدول العربية ان تنظر بجدية الى مايحدث في شبه الجزيرة الكورية وعلاقته بما يحدث في المنطقة العربية على عدة مستويات. أولها ان اصرار كوريا الشمالية على امتلاك السلاح النووي نابع من رؤيتها لضرورة الردع.يقول الكوريون الشماليون انه لولا هذا السلاح لغزت الولايات المتحدة بلادهم.وثانيها انه في اطارات الحوارات العربية مع كوريا الجنوبية (المنتدى العربي الكوري، والمنتدى الناشئ بين كوريا الجنوبية ومنظمة المؤتمر الاسلامي) يجب ان يكون موضوع أسلحة الدمار الشامل في شبه الجزيرة الكورية وفي الشرق الأوسط جزءاً من صفقة استراتيجية عربية - كورية متكاملة.فنزع تلك الأسلحة يجب ان يشمل الجميع في المنطقتين. كيف يمكن للعرب ان يؤيدوا كوريا الجنوبية في مطلبها نزع السلاح النووي الكوري الشمالي في الوقت الذي لا تؤيد فيه كوريا الجنوبية العرب في مطلبهم بنزع السلاح النووي الاسرائيلي؟ وثالثها السعي لدى حكومة كوريا الجنوبية لاعادة تبني سياسة «الشمس المشرقة» التي بدأها الرئيس الكوري الجنوبي السابق كيم داي جونغ سنة 1997 وانهاها الرئيس الأميركي جورج بوش. فالحوار وليس المواجهة هو الطريق للسلام في شبه الجزيرة. هذا بالاضافة الى تعهد كل الدول بتنفيذ التزاماتها تجاه الأمن في شبه الجزيرة الكورية. فألحق ان التوتر الحالي ناشئ عن عدم احترام التكتل الشرق آسيوي لالتزاماته بموجب أي اتفاق بما في ذلك «الاتفاق الاطاري» لسنة 1994 واتفاق سنة 2007 وكلاهما بخصوص البرنامج النووي الكوري الشمالي. وبالتالي فان احترام كوريا الشمالية لقرارات مجلس الأمن يجب ان يصحبه احترام من تلك الدول للاتفاقات التي وقعت عليها، مع النظر الى الموضوع النووي في اطار ما هو موجود في كل شبه الجزيرة الكورية وليس ما هو موجود لدى كوريا الشمالية وحدها. وقد لاحظنا انه في أثناء انعقاد مؤتمر المراجعة الدورية لاتفاقية منع الانتشار النووي ان مندوب مصر عبر عن سياسة تجاه الملف النووي الكوري تقترب من السياسة الكورية الشمالية اذ قال «نحض كوريا على الوفاء بالالتزامات في اطار المحادثات السداسية، بما في ذلك نزع السلاح النووي الكامل ويكمن التحقق منه في شبه الجزيرة الكورية وفقا لبيان سبتمبر سنة 2005 المشترك. ونؤكد من جديد دعمنا الثابت للمحادثات السداسية. ونحن لانزال مصممين على تحقيق حل مرض لتلك الملفات من خلال الوسائل الدبلوماسية». وأخيرا، فرغم ماقد يبدو من بعد جغرافي بين الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية فان دورا عربيا في الوساطة للتهدئة بين الكوريتين هي مسألة ستحسب ان تمت للنظام العربي خاصة ان احتمالات المواجهة بين الكوريتين تزداد مع حادث اغراق السفينة الحربية الكورية الجنوبية شيونان في البحر الأصفر والذي تتهم كوريا الجنوبية جارتها الشمالية بتدبيره ولكن الأخيرة نفت ذلك الاتهام.


جريدة النهار الكويتيّة