جريدة النهار :: طباعة :: السينما المصرية تواصل التراجع.. ونزيف خسائرها ما زال مستمراً
العدد 1207 - 30/03/2011
تاريخ الطباعة: 8/9/2020

السينما المصرية تواصل التراجع.. ونزيف خسائرها ما زال مستمراً
القاهرة - أحمد الجندي
رغم أن الحياة في مصر بدأت تعود تدريجياً إلى طبيعتها بعد ثورة يناير المباركة والناجحة، إلا أن الحال ليس هكذا على ساحة السينما المصرية التي ما زالت الصورة والمشهد بها ضبابياً بعد الخسائر الهائلة التي تكبدتها خلال الفترة الماضية مثل العديد من قطاعات أخرى في الدولة ولا يزال نزيف خسائر السينما مستمراً حتى الآن نتيجة التراجع المفزع الذي وصل إلى ما يشبه التوقف في إيرادات الأفلام، وأيضاً التراجع والتوقف الذي أصاب عجلة الإنتاج.

ورغم سعادة السينمائيين في مصر وفرحتهم بالثورة ونجاحها وانتصار إرادة الشعب على الفساد والديكتاتورية، مثل كل أبناء الشعب المصري، إلا أن صناع السينما بدأوا الآن في رصد خسائر السينما وما طالها من توقف وتراجع، وهنا بدأت الأسئلة تطرح نفسها عن حجم هذه الخسائر ومدى تأثيرها على السينما المصرية كصناعة؟، وأيضاً ماذا عن مستقبل السينما المصرية على المستويين الفني والصناعي بعد ثورة يناير؟

يقول المنتج محمد ياسين: لا أحد يستطيع الآن أن يحدد بدقة كاملة حجم خسائر السينما فكل الأرقام التي تم تداولها تقديرية ومهما كان من ضخامة هذه الأرقام التي تعد بالملايين فإنها قد لا تعبر عن الواقع الحقيقي للكارثة التي أصبحت بالفعل تهدد السينما في مصر كصناعة قبل أن تكون فناً، فرغم أن الحياة بدأت تعود لطبيعتها بشكل متواتر ومرحلي إلا أن الحال في السينما ليس على هذا المستوى، فالإقبال من جانب الناس على السينما ومشاهدة الأفلام ضعيف بل أقل من «ضعيف» والإيرادات المتحصلة لا تذكر ولا تعد إيرادات إذا ما تمت مقارنتها بما كان عليه الحال قبل 25 يناير.

وأضاف: لكن رغم هذا الكارثة التي نعيشها كعاملين في صناعة السينما إلا أننا جميعاً كسينمائيين وفنانين سعداء بالثورة ونجاحها، فنحن مع الشعب في مركب واحد نتحمل الخسائر مثلما نجني المكاسب التي حققتها الثورة على كل المستويات، ولهذا فإنني رغم كل ما يحدث متفائل بما هو مقبل وبداخلي ثقة بأن المستقبل المقبل للسينما المصرية سيكون أفضل على مستوى موضوعاتها وأفلامها، فنحن في بداية عصر ومرحلة جديدة في كل شيء وبالتأكيد ستعايش السينما المصرية هذه المرحلة وستنجح معها وستنتج أفلاماً ستعد من أهم أفلامها فلا أحد ينكر أن السينما المصرية ونتيجة لتردي الأوضاع السياسية والاجتماعية في مصر كانت هي الأخرى تعاني على المستوى الفني وتبحث عن هويتها وخصوصيتها التي أعتقد أن الثورة وما أحدثته من تغييرات سوف تعيد للسينما المصرية هذه الهوية.

ومن أجل نظرة سريعة نستعرض خلالها جانباً من خسائر السينما المصرية يقول عبد الجليل حسن أحد مسؤولي الشركة العربية التي تمثل واحدة من أقطاب صناعة السينما في مصر: خسائر الشركة ما زالت تتوالي ولا يمكن حصرها بدقة الآن، لكن الأرقام المبدئية تشير إلى أن خسائرنا تجاوزت الـ 20 مليون جنيه، ويكفي أن أشير إلى جانب واحد من جوانب هذه الخسائر وهو فيلم «365 يوم سعادة» بطولة أحمد عز ودنيا سمير غانم، وهو الفيلم الذي كانت تعول عليه الشركة كأهم أفلامها في موسم منتصف العام الدراسي، هذا الفيلم قضي عليه تماماً لأنه تزامن مع أحداث الثورة.

وضع ثوري

ويضيف: الفيلم بدأ عرضه يوم 24 يناير أي قبل انطلاق الثورة بيوم واحد وحقق هذا اليوم 760 ألف جنيه، بعدها أغلقت دور العرض ولم تفتح أبوابها إلا منذ أسابيع قليلة، وخلال هذه الأسابيع القليلة لم تتجاوز الإيرادات 200 ألف جنيه يومياً في أفضل الأحوال، وبالطبع هذا الرقم يتراجع الآن وهو الوضع الطبيعي مع أي فيلم، وهذا يعد خسارة فادحة لفيلم تجاوزت ميزانيته 10 ملايين جنيه وكان المفروض أن تكون إيراداته مقاربة لضعف هذا الرقم حتى يغطي ميزانيته ويحقق هامش ربح للشركة، وما يزيد من حجم الكارثة أنه تمت سرقة الفيلم عبر الإنترنت خلال الفوضى التي عشناها في الفترة الماضية، وهذا بكل تأكيد سيقلل من الإيرادات التي هي أقل من قليلة من الأصل.

ويواصل عبد الجليل قائلاً: الآن نشاط الشركة متوقف تماماً فقد تم تأجيل كل الأفلام التي تم تحضيرها خلال الفترة ما قبل ثورة يناير وكنا على وشك البدء في تصويرها والتأجيل تم إلى أجل غير مسمى، كما تم تأجيل الأفلام الأخرى التي كانت مدرجة بخطة العرض خلال هذا الموسم ولا أحد الآن يمكنه التنبؤ بما ستسفر عنه الأيام المقبلة، هذا غير أربعة دور عرض تملكها الشركة في الأقاليم تعرضت للتلفيات وتخريب كامل أثناء الاحتجاجات الثورية وهذا أيضاً جانب يضاف إلى قائمة وفاتورة الخسائر.

أما القطب الآخر في السينما المصرية والمتمثل في «الشركة الثلاثية» والتي تعد مع الشركة العربية أكبر شركتين للإنتاج والتوزيع ودور العرض السينمائي والتي تضم تحالف شركات «النصر وأوسكار والماسة» فإن خسائرها ربما تكون أسوأ على حد تعبير أحد أصحابها «المنتج والموزع السينمائي» محمد حسن رمزي الذي أكد أن الشركة خسرت في الفترة الماضية 40 مليون جنيه وما زال نزيف الخسائر مستمراً.

وقال: قبل الثورة بأسبوع واحد بدأت الشركة عرض واحد من أضخم أفلامها وهو فيلم «فاصل ونعود» بطولة كريم عبد العزيز والذي تجاوزت تكلفته الإنتاجية 20 مليون جنيه، ولم يحقق الفيلم إيرادات سوى 4 ملايين تقريباً خلال الفترة الماضية، أما الآن فما يحدث هو كارثة بكل المقاييس، حيث لم تتجاوز الإيرادات مليون جنيه في الأسبوع رغم أن الحياة الطبيعية بدأت تعود في مصر وهذا لا يعد خسارة بل هو كارثة.

وأضاف: كما طرحت الشركة أيضاً قبل الثورة بأيام فيلم «ميكروفون» الحاصل على جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الأخير، ولم يحقق الفيلم أي إيرادات تذكر بسبب الأحداث التي وقعت، وقد سبق هذين الفيلمين فيلما «الوتر» لمصطفى شعبان وغادة عادل و«678» للمخرج محمد دياب ولم يحققا أيضاً إيرادات تغطي ولو جزءاً من ميزانية الإنتاج.

وأشار رمزي إلى أن كل ما حدث أصابني بالصدمة وهو ما جعلني مضطراً لتأجيل عرض الأفلام التي كانت قد حجزت موقعها في العرض مع نهاية يناير الماضي وبدأنا حملتها الإعلانية بالفعل مثل «إذاعة حب» و»كف القمر» وهما من الأفلام ذات الميزانيات والتكلفة المرتفعة وهنا تكتمل أركان الكارثة التي أضيف إليها تعرض عدد من دور العرض التي تمتلكها الشركة للتلف والتخريب وكل هذا يعد خسائر بالملايين، إلى جانب توقف كل خطط الإنتاج خلال المرحلة الحالية وربما المقبلة.

انتهى ما قاله مسؤولو أكبر شركتين للإنتاج والتوزيع السينمائي في مصر وباقي أن نشير إلى ما قاله فتحي السيد مدير غرفة صناعة السينما الذي يتولى حصر الخسائر: حتى هذه اللحظة لا يمكن أن نؤكد بشكل قاطع على حجم ما خسرته السينما المصرية منذ نهاية شهر يناير وحتى الآن، لكن المؤشرات الأولية تؤكد أن الخسائر تجاوزت 100 مليون جنيه بخلاف الدمار والتخريب الذي طال عدداً كبيراً من دور العرض السينمائي في القاهرة وعدداً من المحافظات المصرية، إلى جانب الخسائر التي طالت موزعي الأفلام الأجنبية في مصر والتي تقدر بـعشرات الملايين من الجنيهات.

خسائر كبيرة

ويرى المنتج فاروق صبري أن جزءاً كبيراً من خسائر السينما المصرية لا يتوقف على التراجع المخيف للإيرادات وتوقف عرض وإنتاج الأفلام، بل هناك أيضاً دور العرض التي تعرضت للتخريب والنهب والسرقة وهي عددها كبير وتحتاج إلى ملايين كثيرة من أجل إعادة إصلاحه لتعود مرة أخرى للعمل.

وأضاف: أنا شخصياً تعرضت إحدى دور العرض التي أملكها بمنطقة الهرم إلى التدمير الكامل وكانت تحوي أكثر من صالة عرض ولم يكتفى اللصوص والبلطجية الذي دمروها بحرقها فقط بل قبل ذلك نهبوها تماماً فسرقوا ماكينات دور العرض ومخزن ضخم لإكسسوارات الأفلام وكل محتويات الدار وهذا ما سيكلفني ملايين الجنيهات من أجل إصلاحها، لكن ورغم كل هذا أنا سعيد للغاية بالثورة وما أحدثته، وما ستحدثه من تغيرات إيجابية في مصر، وأؤكد هنا أن الثوار الشرفاء أبرياء تماماً من أي عمليات نهب وتخريب فكل هذه الأحداث وراءها لصوص وبلطجية استغلوا الثورة وارتكبوا هذه الأحداث المخجلة.

وقال فاروق صبري رغم كل هذه الخسائر فإن السينما المصرية لن تسقط بل على العكس أنا متفائل بأن المقبل أفضل وأن مصر التي تمتلك صناعة سينما عريقة عمرها يتجاوز المائة عام قادرة على أن تنطلق وتتجاوز خسائرها والظرف الصعب الذي تمر به الآن والدليل على ما أقوله أن السينما المصرية طوال تاريخها وحتى في الأوقات العادية مرت بأزمات عديدة لكنها دائماً ما تتجاوز أزماتها وتنهض بفضل شجاعة صناع هذه السينما وبفضل جمهورها الذي لن يتخلى عنها.

وعن رؤيته للسينما المصرية وما تمر به الآن وهل سيتغير شكلها بعد ثورة 25 يناير؟، قال المخرج الكبير داود عبد السيد: السينما المصرية مثلها مثل أي صناعة أو هيئة مصرية تعرضت لخسائر في الفترة الأخيرة وهذا طبيعي ويحدث في كل الدنيا عقب الثورات الإصلاحية أو حركات التحرر الوطني، لكننا جميعاً كسينمائيين وكمصريين ورغم كل الخسائر في كل القطاعات سعداء بالثورة وفخورون بها للغاية، ولا أتوقع على الإطلاق أن تستمر هذه الكبوة والخسائر التي تعرضت لها السينما طويلاً، فعندما تهدأ الأحوال بشكل أكثر من الآن سوف تستعيد السينما المصرية عافيتها ويعود الجمهور إلى دور العرض ومشاهدة الأفلام وتعود عجلة الإنتاج للدوران.

وأضاف: أما عن تغير شكل السينما فالتغيير سيحدث بكل تأكيد شكلاً ومضموناً، فقد كان لدينا مجتمع يهتم أفراده بشؤونهم الضيقة وتفاصيل حياتهم اليومية فحسب، فجأة وجد هؤلاء الأفراد أنفسهم متورطين في الشأن العام يتظاهرون ويعتصمون ويشاركون بالدعم والتأييد والمعارضة، وسيظل هؤلاء الناس الذين هم جمهور السينما ومتلقوها متورطين في هذا الشأن العام لمدة طويلة بفعل ما أحدثته الثورة فيهم ومعهم.

ويواصل عبد السيد: إذن هل نتوقع نحن كسينمائيين أن هذا الجمهور الذي تغير للأفضل أن يشاهد نفس نوعية الأفلام التي كان يشاهدها قبل أن يحدث له هذا التغيير؟!، بالنسبة لي أتصور أنه سيطلب رؤية أفلام مختلفة وقضايا وموضوعات أخرى غير التي اعتادها، موضوعات تناسب رؤيته الجديدة لحياته ولبلده.

ويضيف: أتصور أيضاً بل أكاد أجزم أن المنتج السينمائي سيختلف والرقابة على المصنفات الفنية ودورها سيختلف، فقانون الرقابة الموجود الآن هو قانون بربري يعود إلى بدايات القرن العشرين تاريخياً، وحتى إذا لم يتغير هذا القانون فلن يستطيع الرقيب أن يطبق نفس المحاذير التي كان يطبقها من قبل فمثلاً لن تظل صورة ضابط الشرطة هي صورة هذا الملاك المدافع عن الوطن وحامي حماه كما كنا نشاهده دائماً في أفلامنا، وهذا ملمح بسيط جداً يشير إلى تغيرات هائلة ستشهدها السينما المصرية في المستقبل شكلاً ومضموناً.


جريدة النهار الكويتيّة