آخر أيام الملكية في مصر تركت وراءها كنوزاً من الأسرار المتعلقة بالملك وأسرته وعلاقاته ومراسلاته وبقاياه.
الزميل الكبير الأستاذ محمود صلاح رئيس تحرير مجلة الحوادث المصرية الشهيرة، يؤرخ ويدوّن ويبدع في تقليب صفحات الأيام الأخيرة للعهد الملكي في مصر التي لها في قلب وضمير كل عربي وفي تاريخنا البشري والإنساني الكثير من البصمات والمؤثرات في الثقافة والفكر والحراك السياسي والرياضي والفني بالطبع.
«النهار» تنشر بمعدل أربعة أيام في الأسبوع (الاثنين، الاربعاء، الجمعة والسبت) ما لم يقرأ من قبل وما لم يكتب بالأسلوب المبدع الذي يتميز به الكاتب الكبير محمود صلاح.
يوم رحيل أي إنسان عن الدنيا هو النقطة الأخيرة بعد الجملة الأخيرة في الفصل الأخير من كتاب قصة حياته.
وما بين الفصل الأول والكلمة الأولى في كتاب حياة الملك فاروق آخر ملوك مصر من سلالة أسرة محمد علي سطر تاريخ هذا الملك الذي اختلف حوله المصريون فصولاً تمتلئ بالإثارة والأحداث العنيفة التي انتهت بثورة يوليو 1952 وطرده من مصر، وحياته في المنفى في إيطاليا حتى ليلة العشاء الأخيرة مع صديقته الإيطالية الحسناء، هذا العشاء الدسم من المحار واللحوم والفواكه الذي انتهى بتوقف قلبه المثقل عن النبض ووفاته المفاجئة وهو في قمة الصحة على منضدة العشاء في المطعم الإيطالي!
ولقد كان والده الملك الراحل فؤاد هو الذي أعطاه وأعطى شقيقاته الأسماء التي تبدأ بحرف الفاء فاسماه «فاروق» وأعطى لشقيقاته أسماء «فوزية» و«فايقة» و«فتحية» و«فايزة» أما السبب فقد روى عن الملك فؤاد أنه التقى ذات يوم «أيضا في إيطاليا» بأحد المنجمين المعروفين، وتنبأ له هذا المنجم بأن حرف «الفاء» هو حرف سعده وتعويذته السحرية مع الحظ السعيد، فأعطى الملك فؤاد لابنه وبناته هذه الأسماء التي تبدأ بحرف «الفاء»، والذي تحول فيما بعد إلى «حرف ملكي» يطبع على كل ما يخص ابنه الملك فاروق الذي ورث عنه عرش مصر على الأعلام والأوراق وحتى أدوات المائدة!
وجلس فاروق على عرشه ولم يزل شاباً صغيراً، وفى بداية حكمه كان كثير من المصريين يتحمسون له ويؤيدونه بحماسة، فقد كان الملك الشاب يظهر بوجه آخر غير وجه والده المتغطرس العنيد وكان يظهر في كثير من الأحيان مع العامة وبسطاء الناس في صلاة الجمعة في بعض مساجد القاهرة الكبيرة!
لكن هذا الحب وتلك الحماسة لم يكن لهما دوام طويل، فقد انخرط الملك فاروق سريعاً في دوامات السياسة ومؤامرات القصور، ثم بدأ المصريون يتناقلون عنه قصص الحاشية الفاسدة التي عاش في أحضانها وحكايات سهراته ومغامراته ونزواته.
وأغلب الظن أن الملك فاروق ظل حتى اللحظة الأخيرة لوجوده على عرش مصر، يعيش في عالم آخر غير واقع بلده المتردي ومراجل الغضب والثورة التي كانت تفور في حواري وبيوت القاهرة والتي كانت قد احترقت واندلعت ألسنة اللهب في قلبها، في حين كان الملك فاروق يقيم مأدبة عسكرية في حديقة قصر عابدين، احتفالاً بمولد ولي عهده الأمير أحمد فؤاد!
قامت ثورة يوليو 1952 بعد منتصف الليلة الثانية والعشرين من ذلك الشهر، وبعد ثلاثة أيام أحاطت الدبابات وضباط الثورة بقصر رأس التين في الإسكندرية حيث كان الملك فاروق أخيراً قد استوعب أن هناك ثورة وأن عليه أن يترك أخيراً عرش أسرة محمد علي، بل أن يترك مصر كلها إلى المنفى الذي اختار أن يكون في إيطاليا، تماما كما فعل جده الخديوي اسماعيل الذي اختار لنفسه المنفى ذاته!
غادر الملك فاروق مصر إلى الأبد على ظهر اليخت الملكي « المحروسة»، مع زوجته الثانية الملكة « ناريمان» وطفلها الأمير الوليد أحمد فؤاد وبناته الصغيرات الأميرات «فريال» و«فوزية» و«فادية»، وقيل أيامها الكثير حول ثروة مزعومة كان الملك فاروق قد قام بتهريبها إلى خارج مصر قبل رحيله عنها وهناك من زعم أن فاروق قام بتهريب 250 مليون دولار وآخرون أكدوا أن ثروة فاروق في الخارج لم تزد عن ثلاثة ملايين دولار!
على أن فاروق الملك المطرود حاول أن يبدو في سنوات منفاه الأولى في إيطاليا، كما لو أنه مازال يعيش حياة الملوك المرفهة فظل يرتدي الملابس الفاخرة ويتردد على أشهر النوادي والملاهي الإيطالية.
لكن المؤكد أن سنوات المنفى حملت له الكثير من المتاعب، فقد ساءت في البداية العلاقة بينه وبين الملكة ناريمان، وانتهت المشاكل بينهما بالطلاق، وعادت «ناريمان» إلى مصر، في حين طلب الملك فاروق من صديقه «رينيه» أمير موناكو وزوجته الممثلة الحسناء جريس كيلي الإشراف على رعاية وتربية الأمير الصغير أحمد فؤاد الذي اختارت له جريس كيلي أن يدرس في سويسرا.
وهكذا انغمس فاروق أكثر في حياة الليل في علب وملاهي روما، وبدأت الصحف تتناقل أخبار مغامراته العاطفية مع حسناوات روما، وكانت اشهر هذه القصص بطلتها « ايرما كابتشي» الحسناء الإيطالية ذات الثلاثة والثلاثين عاماً.
كان فاروق قد شاهد إيرما لأول مرة في أحد ملاهي روما الليلية وشعر بالانجذاب نحو هذه الفتاة الإيطالية التي كانت تحلم بأن تكون مطربة شهيرة. وتوثقت العلاقة بين الملك المخلوع والإيطالية الطموح.
وكان فاروق يقول لـ «ايرما» أنه مؤمن بأنها موهوبة بالفعل وأن صوتها ساحر، حتى أنه تمكن من أن يدير لها حفلا موسيقياً دعا إليه بعض النقاد الفنيين في مدينة نابولي، لكن هؤلاء لم يقتنعوا بموهبة عشيقة الملك الجميلة. ورغم شائعات زعمت بعد ذلك أن فاروق سوف يتزوج «إيرما» إلا أن العلاقة بينهما انقطعت فجأة، وذهبت «ايرما» إلى حال سبيلها، في حين عثر الملك على صديقة إيطالية أخرى ساحرة الجمال أيضاً هي «آنا ماريا جاتي»، والتي ظلت معه حتى آخر نفس له في الحياة!
في مساء يوم الخميس التاسع عشر من شهر مارس عام 1963 دق جرس التليفون في منزل «آنا ماريا». كان الملك فاروق على الناحية الأخرى يدعوها لقضاء السهرة معه في مطعم « آبل دوفرانس» الذي يعد من أفخر مطاعم روما وافقت «آنا ماريا» على الفور.
وقبل أن تمر ساعة كان فاروق قد ذهب لاصطحابها من بيتها إلى المطعم، الذي كان الملك أحد الوجوه المعروفة بين رواده، وما أن وصل الاثنان حتى جلسا إلى المائدة التي كانت محجوزة باسم الملك والذي كان يبدو بشهية مفتوحة تماماً في تلك الليلة واختار العشاء بنفسه من المحار واللحوم والفواكه. تناول فاروق بشراهة كميات كبيرة من الطعام، رغم تحذيرات أطبائه الذين كانوا يقولون له ان إفراطه في كل شيء سوف يصيبه يوماً ما بأزمة قلبية قد تنهي حياته!
كان فاروق يتحدث في حماسة إلى «آنا ماريا» عندما توقف فجأة عن الكلام واصفر لون وجهه. ثم سرعان ما راح في غيبوبة وسقط بنصف جسده الأعلى إلى مائدة الطعام!
وأسرع مسؤولو المطعم والعاملون فيه يحاولون إنقاذ الملك. لكنه ظل في الغيبوبة نفسها، أسرعوا بنقله في سيارة إسعاف إلى أحد المستشفيات. ولم يبدأ الأطباء عملهم إلا واكتشفوا أن الملك فاروق قد رحل عن الدنيا إلى الأبد! وفى الليلة نفسها رقد جثمان الملك فاروق في المستشفى وعثر في جيوبه وملابسه على كمية من الدولارات الأميركية والليرات الإيطالية. وعلى نظارته وعلبة دواء من الذهب وساعة يده ومسدسه الشخصي!
وفى الليلة نفسها.. عادت صديقته «آنا ماريا» التي رافقته من المطعم إلى المستشفى. عادت بعد أن تأكدت من وفاته إلى بيتها في سيارة تاكسي!
نقلت وكالات الأنباء خبر وفاة الملك فاروق آخر ملوك مصر. وفى اليوم التالي بدأ أفراد أسرته يتجمعون من بلاد متفرقة في مطار روما للمشاركة في تشييع جنازته، زوجته الأولى «الملكة فريدة» حضرت من بيروت حيث كانت تقيم في ذلك الوقت، شقيقاته الأميرات فريال وفوزية وفادية وزوجها الروسي «بيير أورلوف» حضرت في لوذان في سويسرا، حتى الملكة ناريمان استعدت للطيران من القاهرة إلى روما لتشارك في الجنازة ولترى ابنها الصبي الأمير أحمد فؤاد. الذي كان قد حضر مع أخواته الأميرات الثلاث.
كانت جنازة بسيطة لكنها مؤثرة!
تقدم الأمير الصغير أحمد فؤاد المشيعين الذين لم يزيدوا عن العشرات. لم تظهر الملكة نازلي أم الملك الراحل. فقد كانت تعيش وقتها في الولايات المتحدة الأميركية. تم دفن جثمان الملك الذي صنع نعشه من خشب الجوز في مدافن فيرانو في روما. وقيل ان فاروق قد أوصى بأن يدفن جثمانه في المملكة العربية السعودية. لكن الجثمان استقر بعد سنوات في المقابر الملكية لأسرة محمد علي في مسجد «الرفاعي» الكبير في القلعة إلى جوار آبائه وأجداده الذين حكموا مصر سنوات وسنوات.