جريدة النهار :: طباعة :: شجن الأبيض والأسود في مجموعة بلاك & وايت
العدد 213 - 05/04/2008
تاريخ الطباعة: 11/16/2018

شجن الأبيض والأسود في مجموعة بلاك & وايت
مهاب نصر
الخير والشر رسما في مخيلتنا بالأسود والأبيض، وكأنهما دليلان على التناقض المجرد، يختزن أحدهما الليل والصمت ويغص الآخر بالوضوح والثرثرة، غير أنهما أيضا صارا مؤشرا على نوع من الحنين للماضي، فهما بحسب أحد الفنانين يجردان الواقع، لكنهما أيضا يكسبانه مسحة من الشجن، حيث تتحول اللحظة الحاضرة إلى ماض اعتمادا على الشبه بالصور الفوتوغرافية القديمة. تقنية استخدمت في التصوير الضوئي والسينمائي على السواء لتضع مسافة بيننا وبين صورنا الآنية وكانها صارت تنتمي للماضي، هذا ربما ما يوحي به معرض مجموعة بلاك & وايت الذي افتتح يوم 30 مارس في بيت لوذان وقام بافتتاحه الشيخ دعيج الخليفة. 48 لوحة جمعت بين مستويات مختلفة في التعامل مع الأبيض والأسود متراوحة بين التصوير الفوتوغرافي والرسم بالفحم والرصاص. منظما المعرض إبراهيم العطية ويعقوب الجيران الأستاذان بمعهد الفنون التشكيلية قالا عن تشكيل جماعة «بلاك & وايت» أنهما جمعا عددا من طلابهما المتميزين إضافة إلى عدد من الفنانين لتشكيلها، وليكون ذلك المعرض الأول للجماعة. وحول اختيار الأبيض والأسود قالا إن ذلك لن يمثل اتجاها دائما، لكن البداية به جاءت انسجاما مع اسم الجماعة، وقالا: في المرات القادمة ربما نقيم معرضا سورياليا أو تأثيريا.. الخ وتوجها بالشكر إلى بيت لوذان على توفير مكان العرض وللشيخ دعيج الخليفة على تشريفه وافتتاحه للمعرض.

قدم يعقوب الجيران في لوحات بالفحم لحظات حميمية اقترب بعضها من البورتريه في لوحة

«لحظة صمت» وبعضها من الأداء التعبيري مثل لوحة انكسار، وفي حين يذكرنا بعضها في دقته بالتصوير الفوتوغرافي فإن لوحة «انكسار» تنتمي أكثر لعالم التشكيل. أما إبراهيم العطية فاستخدم الرصاص في بورتريهات لمشاهير مثل الأميرة ديانا والشيخ محمد بن راشد والشيخة أمثال الأحمد الصباح وهي لوحات تتضح فيها الحرفية مع المحافظة على روح تسجيلية.

هدى عبدالهادي الفائزة في مهرجان القرين بجائزة عيسى صقر للإبداع ترسم بالفحم وتفضله كما تقول، على رغم أنها ترسم بأساليب أخرى. وعن سر إيثارها لهذا اللون قالت: إنه يقربني من الفن الواقعي وأعني بذلك قربه من التسجيلية. لوحاتها جميعها لنساء في لحظات حزن وانطواء أو تخف ماعدا لوحة «سفيرة الهند». تقول عن ذلك: أحب رسم المرأة في حالاتها المختلفة، خاصة ما يدل على المعاناة. وحين سألتها عما إذا كانت تستخدم التصوير الفوتوغرافي قالت إنها تعمل مصورة جنائية غير أنها تفضل التشكيل. الفنان علي سيد مختار قدم لوحات وكأنها تحكي في لغة أسطورية إما تجسيدا لنماذج مثل لوحة «خضراء الدمن» وهو تعبير مستقى من حديث نبوي أو لوحة «الشيطان» وإما تجسيدا لمعاني مثل «السيطرة» و«التضحية» ويرتبط التجسيد بإضفاء روح أسطورية ورمزية. ففي لوحة «سيطرة» نرى شخصا يشبه المسيح يلفه ثعبان يخرج من رأسه وجه امرأة. الفنان أحمد ماضي قدم صورا فوتوغرافية تتميز بقربها من التشكيل، وقال عن استخدامه التصوير بالأبيض والأسود انه ينحو بالموضوع نحو التجريد فلا نرى إلا الفكرة والهدف من الصورة. اعتمد ماضي على كسر رتابة اللوحة من خلال الإبقاء على عنصر ملون داخل الصورة، وقال إنه يلتقط الصور بالألوان في الأصل ثم يقوم بتحويرها إلى تجريد. إحدى الصور تبرز لقطة لمجموعة من البرادات ملتقطة من سوق المباركية وفيها حس تشكيلي. يقول ماضي: لدي موضوعات أثيرة مثل التصوير التجريدي لأنه قريب جدا من الفن التشكيلي. الصور المطبوعة على الـ «كانفس» تعطي بالفعل ملمس التلوين بالفرشاة. يقول ماضي: أعتبر العالم قماشتي والكاميرا فرشاتي.

الفنان نواف الحملي استخدم الألوان المائية في لوحات مستوحاة من التراث خاصة التراث البحري المميز للكويت مثل «على السيف» و«انعكاس من الماضي» وتميزت لوحاته بالإتقان، بالإضافة إلى عدد من البورتريهات إحداها للأمير الراحل الشيخ جابر بعنوان «عندما بكت كويتنا». الفنانة حصة آل بن علي قدمت لوحات بسيطة وبورتريهات باستخدام الفحم ولها طابع تقليدي. وكذلك جاءت أعمال الفنانة فجر الصقعبي التي اشتملت على بورتريهات لأم كلثوم وألفيس برسلي نجم الغناء الأميركي وهي أقرب إلى التمرين التشكيلي وربما كانت إحدى اللوحات التي تمثل ما يشبه أنشوطة ووعاء وتفاصيل أخرى تقربها من الفكرة التشكيلية خصوصا الطبيعة الصامتة. قدم خالد العلي لوحاته بالرصاص والفحم حيث يقترب بعضها من التسجيل الفوتوغرافي متلاعبا بدقة أحيانا بالضوء والظلال. أما الفنانة هنوف المرجان فقدمت لوحتان تميزت منهما «نظرة مستقبلية » لعينين تتطلعان إلى رقعة شطرنج كأنهما تبحثان عن النقلة التالية في حيرة وذهول. وقدم الفنان أحمد الأيوب لوحتين باستخدام مواد مختلفة مستوحيا أجواء التراث العربي حيث تصور إحداهما امرأة بثياب عربية تقليدية تشبه القيان وفي يدها مزهر. أما سارة ملك فلم تقدم غير لوحة واحدة من الفحم لحصان يعدو ومن الصعب أن نستخلص منها اتجاها بعيدا عن التسجيل.

رغم تفاوت الأداء فإن التجربة الفنية لابد من دعمها ومواصلة الطريق فيها لأنها في النهاية لشباب أرادوا أن ينقلوا حياتنا إلى صورتها الأولى إلى الأبيض والأسود اللذين ليسا من دخان الحروب ولا من رمادها لكنهما من تفاصيل الحياة الإنسانية وانعكاس خلجاتها.


جريدة النهار الكويتيّة