جريدة النهار :: طباعة :: الإسلام ليس سبباً لتخلف المسلمين
العدد 386 - 25/09/2008
تاريخ الطباعة: 8/16/2022

الإسلام ليس سبباً لتخلف المسلمين
هل الإسلام مسؤول عن تخلف المسلمين؟ وهل يرفض الاسلام حرية الاعتقاد؟

- حقائق التاريخ تبين بما لا يدع مجالا للشك ان الاسلام قد استطاع بعد فترة زمنية قصيرة من ظهوه ان يقيم حضارة رائعة كانت من أطول الحضارات عمرا في التاريخ. ولا تزال الشواهد على ذلك ماثلة للعيان فيما خلفه المسلمون من علم غزير في شتى مجالات العلوم والفنون، وتضم مكتبات العالم آلافا مؤلفة من المخطوطات العربية الاسلامية تبرهن على مدى ما وصل اليه المسلمون من حضارة عريقة. يضاف الى ذلك الآثار الاسلامية المنتشرة في كل العالم الاسلامي والتي تشهد على عظمة ما وصلت اليه الفنون الاسلامية.

وحضارة المسلمين في الاندلس وما تبقى من معالمها حتى يومنا هذا شاهد على ذلك في أوروبا نفسها. وقد قامت أوروبا بحركة ترجمة نشطة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر لعلوم المسلمين. وكان ذلك هو الأساس الذي بنت عليه أوروبا حضارتها الحديثة.

- يشتمل القرآن الكريم على تقدير كبير للعلم والعلماء وحث على النظر في الكون ودراسته وعمارة الأرض. والآيات الخمس الأولى التي نزلت من الوحي الالهي تنبه الى أهمية العلم والقراءة والتأمل. وهذا أمر كانت له دلالة مهمة انتبه اليها المسلمون منذ البداية. وهكذا فان انفتاح الاسلام على التطور الحضاري بمفهومه الشامل للناحيتين المادية والمعنوية لا يحتاج الى دليل.

- أما تخلف المسلمين اليوم فان الاسلام لا يتحمل وزره، لان الاسلام ضد كل أشكال التخلف. وعندما تخلف المسلمون عن ادراك المعاني الحقيقية للاسلام تخلفوا في ميدان الحياة. ويعبر مالك بن بني المفكر الجزائري الراحل عن ذلك تعبيرا صادقا حين يقول: «ان التخلف الذي يعاني منه المسلمون اليوم ليس سببه الاسلام، وانما هو عقوبة مستحقة من الاسلام على المسلمين لتخليهم عنه لا لتمسكهم به كما يظن بعض الجاهلين». فليست هناك صلة بين الاسلام وتخلف المسلمين.

- لا يزال الاسلام وسيظل منفتحا على كل تطور حضاري يشتمل على خير الانسان. وعندما يفتش المسلمون عن الأسباب الحقيقية لتخلفهم فلن يجدوا الاسلام من بين هذه الأسباب، فهناك أسباب خارجية ترجع في جانب كبير منها الى مخلفات عهود الاستعمار التي أعاقت البلاد الاسلامية عن الحركة الايجابية، وهذا بدوره بالاضافة الى بعض الأسباب الداخلية أدى أيضا الى نسيان المسلمين للعناصر الايجابية الدافعة لحركة الحياة في الاسلام.

- لا يجوز الخلط بين الاسلام والواقع المتدني للعالم الاسلامي المعاصر. فالتخلف الذي يعاني منه المسلمون يُعد مرحلة في تاريخهم، ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال انهم سيظلون كذلك الى نهاية التاريخ. ولا يجوز اتهام الاسلام بانه وراء هذا التخلف، كما لا يجوز اتهام المسيحية بانها وراء تخلف دول أمريكا اللاتينية.

ان الأمانة العلمية تقتضي ان يكون الحكم على موقف الاسلام من الحضارة مبنيّا على دراسة موضوعية منصفة لأصول الاسلام وليس على أساس اشاعات واتهامات وأحكام مسبقة لا صلة لها بالحقيقة.

اما بالنسبة لحرية الاعتقاد فقد كفل الاسلام للانسان حرية الاعتقاد. وجاء ذلك في وضوح تام في القرآن الكريم: (لا اكراه في الدين ). فلا يجوز ارغام أحد على ترك دينه واعتناق دين آخر. فحرية الانسان في اختيار دينه هي أساس الاعتقاد. ومن هنا كان تأكيد القرآن على ذلك تأكيدا لا يقبل التأويل في قوله: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ).

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم الحرية الدينية في أول دستور للمدينة حينما اعترف لليهود بأنهم يشكلون مع المسلمين أمة واحدة.

ومن منطلق الحرية الدينية التي يضمنها الاسلام كان اعطاء الخليفة الثاني عمر بن الخطاب للمسيحيين من سكان القدس الأمان «على حياتهم وكنائسهم وصلبانهم، لا يضار أحد منهم ولا يرغم بسبب دينه».

لقد كفل الاسلام أيضا حرية المناقشات الدينية على أساس موضوعي بعيداً عن المهاترات أو السخرية من الآخرين. وفي ذلك يقول القرآن: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ). وعلى أساس من هذه المبادئ السمحة ينبغي أن يكون الحوار بين المسلمين وغير المسلمين، وقد وجه القرآن هذه الدعوة الى الحوار الى أهل الكتاب فقال: (قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)، ومعنى هذا أن الحوار اذا لم يصل الى نتيجة فلكل دينه الذي يقتنع به. وهذا ما عبرت عنه أيضا الآية الأخيرة من سورة (الكافرون) التي ختمت بقوله تعالى للمشركين على لسان محمد صلى الله عليه وسلم: «لكم دينكم ولي دين».

الاقتناع هو أساس الاعتقاد: فالعقيدة الحقيقية هي التي تقوم على الاقناع واليقين، وليس على مجرد التقليد أو الارغام. وكل فرد حر في أن يعتقد ما يشاء وأن يتبنى لنفسه من الأفكار ما يريد، حتى ولو كان ما يعتقده أفكارا أحادية. فلا يستطيع أحد أن يمنعه من ذلك طالما أنه يحتفظ بهذه الأفكار لنفسه ولا يؤذي بها أحدا من الناس. أما اذا حاول نشر هذه الأفكار التي تتناقض مع معتقدات الناس، وتتعارض مع قيمهم التي يدينون لها بالولاء، فانه بذلك يكون قد اعتدى على النظام العام للدولة باثارة الفتنة والشكوك في نفوس الناس. وأي انسان يعتدي على النظام العام للدولة في أي أمة من الأمم يتعرض للعقاب، وقد يصل الأمر في ذلك الى حد تهمة الخيانة العظمى التي تعاقب عليها معظم الدول بالقتل. فقتل المرتد في الشريعة الاسلامية ليس لأنه ارتد فقط ولكن لاثارته الفتنة والبلبلة وتعكير النظام العام في الدولة الاسلامية. أما اذا ارتد بينه وبين نفسه دون أن ينشر ذلك بين الناس ويثير الشكوك في نفوسهم فلا يستطيع أحد أن يتعرض له بسوء، فالله وحده هو المطلع على ماتخفي الصدور. وقد ذهب بعض العلماء المحدثين الى أن عقاب المرتد ليس في الدنيا وانما في الآخرة، وأن ما حدث من قتل للمرتدين في الاسلام بناء على بعض الأحاديث النبوية فانه لم يكن بسبب الارتداد وحده، وانما بسبب محاربة هؤلاء المرتدين للاسلام والمسلمين.


جريدة النهار الكويتيّة