loader

الأزمنة و الأمكنة

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

رجال لن ينساهم الوطن: يوسف محمد الشايجي


عرفت الكويت ابنها يوسف الشايجي منذ كان طالباً في القاهرة، ضمن البعثة الطلابية الكويتية التي تتلقّى علومها هناك، وأنهى فيها دراسة المرحلة الثانوية، ثم واصل التحصيل العلمي في الجامعة حتى تخرَّج.
وكان خلال ذلك الوقت من دراسته تحت إشراف بيت الكويت في القاهرة، وكان مع زملائه من أبناء الوطن يعيشون في هذا البيت، ويحظون بالعناية التي يلقونها من إدارته الحصيفة التي كانت تسعى إلى تكوينهم تكويناً يفيدهم في الجانب الثقافي والاجتماعي، ويعرِّفهم ببلادهم وأهل بلادهم، إضافة إلى ما يحصلون عليه من العلوم عن طريق الجهات العلميّة التي يدرسون فيها.
كان يوسف محمد الشايجي عضواً نشطاً ضمن أعضاء البعثة الطلابيّة، وكان لا يتأخّر عن مشاركة زملائه في كل ما يقومون به من أعمال تتطلّبها توجيهات إدارة البيت، ومن أجل ذلك فإننا نجد ذكره يتردّد كثيراً في مجلة البعثة التي تصدر باسم الكويت، وتمثّل أبناءها الدارسين في مصر، وكان تردد اسمه في أكثر من خمسين مرة ضمن أعدادها التي استغرق صدورها ثماني سنوات، وقد بدأ نشاطه الذي دلت عليه المجلة منذ السنة الأولى لصدورها، وهي سنة 1946م.
وكان ما ورد عن نشاطه طوال هذه الفترة على جانبين:
الجانب الأول منهما: هو تدرُّج دراسته منذ بدأها.
والجانب الثاني: هو إسهامه بالكتابة في البعثة في مختلف سنوات صدورها عدا السنة السابعة التي لم نجد له مشاركة في أي عدد من أعدادها.
تمنيتُ أنْ أذكرَ هنا السيرة الذاتيّة الخاصة بالأخ يوسف الشايجي، ولكنني -للأسف الشديد- لم أتمكَّن من العثور عليها من كل المظانِّ الشفهيّة والمكتوبة التي رجعتُ إليها، وأكثر من هذا، فإن جوّاً من التعتيم قد غطَّى على ذكره منذ تقاعد، فلم يعدْ أحد يبحث في شأن حياته وعمله واستعداده الجيّد للكتابة، وخدمة الوطن معاً.
كل ما أستطيع أن أذكر أنه ابن الأستاذ محمد إبراهيم الشايجي، الذي سوف أتحدثُ عنه لاحقاً، وأنّه انتقل من أجل الدراسة في مصر، وكان في السنة الرابعة الثانوية بالمدرسة السَّعِيديَّة، خلال السنة الدراسية 1947- 1948م وأنّه نال شهادة التوجيهية بعد ذلك، وواصل دراسته في الجامعة المصرية جامعة القاهرة فيما بعد وقد صار طالباً في هذه الجامعة في السنة الدراسية 1949- 1950م وذلك في كلية الآداب، وفي السنة ذاتها، انتقل من السكن في بيت الكويت بالقاهرة، واتخذ سكناً مستأجراً في خارج هذا البيت.
وقد تخرّج فيما بعد، وعاد إلى الوطن ليوالي العمل الذي أعدَّ نفسه له، واختاره الأستاذ عبدالعزيز الدوسري مدير عام بنك التسليف والإدخار لكي يكون عوناً له في عمله، ثم تقدَّم في هذا المجال، وصار نائباً للمدير العام، وعندما تقاعد الأستاذ الدوسري رشَّح يوسف الشايجي لكي يكون هو المدير، وقد تَّم ذلك، وأمضى مدَّة لا بأس بها في هذا العمل، وقد وجدنا له خلال هذا الوقت أعمالاً طيَّبة، ودأباً وإخلاصاً.
إلى أن وجد أن الوقت قد حان لتقاعده، فتقدَّم لذلك طالباً الراحة بعد طول العمل.
والآن نتحدَّث عن الوالد:
درَّسني الشيخ محمد إبراهيم الشايجي القرآن الكريم في المدرسة الأحمدية وكان رجلاً تقيّاً صالحاً، يهتم بتحفيظنا -أنا وزملائي- ما هو مقرَّر علينا من كتاب الله الكريم، ويحاول أن يشرح لنا بعض ما يحتاج إلى شرح منه.
الشيخ محمد إبراهيم الشايجي من مواليد سنة 1901م في الكويت، وقد نشأ محباً للعلم، حريصاً على الدراسة، فصار مداوماً على اكتساب العلم، وتلقَّاه على أيدي عدد من العلماء منهم في الكويت الشيخ عبدالله الخلف الدحيان. بدأ عمله بالتدريس في المدارس الأهلية، ثم انتقل إلى المدارس النظاميّة اعتباراً من سنة 1936م، فكان مدرِّساً للتربيِّة الإسلامية بما في ذلك القرآن الكريم، وبدأ عمله بالتدريس بالمدرسة المباركية ثم المدرسة الأحمدية، والمدرسة القبلية، ثم مدرسة صلاح الدين، وقد أمضى مدَّة طويلة في مهنة التدريس، وكان له عدد كبير من الطلاب الذين لا يزالون يذكرونه بكل خير، ويدعون له بالرحمة.
وبعد فترة أمضاها في هذا العمل، طلب إحالته على التقاعد، فتمَّ له ما أراد، فتفرَّغ للقيام بعدد من أعمال الخير في الكويت وفي خارجها، واهتمَّ في خلال هذه الفترة بتقديم النُّصح لكل من يستشيره في أمر من الأمور الاجتماعية، والدينية، وكان يساعد ذوي المشكلات في حل مشكلاتهم، وإضافة إلى ذلك فإنه قام بدعم من بعض التجار الكويتيين ببناء عدد من المساجد، كان بعضها في خارج البلاد.
ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى في سنة 1971م، تاركاً ذكراً حسناً تدلُّ عليه أعماله التي ذكرناها، وقد أطلق اسمه على إحدى المدارس التابعة لوزارة التربية.
***
كان يوسف محمد الشايجي غزير الإنتاج في مجال الكتابة والنشر في مجلة البعثة خاصة. ومنذ المجلد الأول وهو يوالي كتاباته دون توقُّف.
ومما جاء من أعماله هذه في هذا المجلد مقال، استعرض فيه كتاب الشيخ يوسف بن عيسى القناعي المعروف، وهو: صفحات من تاريخ الكويت، وقد كان هذا الكتاب قد صدر في ذلك الوقت عن طريق مطبعة مصرية، فاحتفى به بيت الكويت هناك، وكان من ضمن الاحتفاء هذا المقال، وشارك الشايجي زملاءه في ثلاث ندوات، تناولت كثيراً من الأمور المتعلِّقة بالكويت حاضراً ومستقبلاً، مع بيان النشاط الذي يقوم به المواطنون، وكانت هذه الندوات من أهم ما ينشر في المجلة بين وقت وآخر.
وشارك في كافة الأنشطة التي كانت تُقام في بيت الكويت، ومنها ما دلَّنا عليه المجلد الأول من مجلة البعثة، حيث جرى حفل خاص بذكرى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وقد كان يوسف الشايجي من ضمن المساهمين في هذا الحفل، حيث ألقى خطاباً شاملاً، تحدث فيه عن هذه الذكرى الكريمة.
ومن مقالاته في هذا المجلد مقال عن الغرور تكلم فيه عن هذه الصفة المعيبة، وحث على الابتعاد عنها.
وله في المجلد الثاني ثلاثة مقالات، أولَّهما بعنوان: جيل المستقبل، والثاني بعنوان: العدالة الاجتماعية، والثالث بعنوان: نداء الحرية، ونشر في هذا المجلد- أيضاً- قصة يبدو انها كانت أول ما كتب في هذا النوع من الكتابة، وشارك في ندوة من ندوات البعثة.
وعندما نتصفح المجلد الثالث من مجلة البعثة، وقد صدر أول عدد منه في سنة 1949م، فإننا سوف نجد فيه عدداً من المقالات هي:
- مسؤولية المجتمع.
- الأجانب في الكويت.
- حُلُم.
- مع الطبقة العاملة.
- الاستقرار.
وله في هذا المجلد- أيضاً - قصة قصيرة عنوانها هو: طعنة في القلب، ثم مجموعة من الخواطر جمع فيها شيئاً ممَّا خطر بباله، وفكّر فيه خلال ذلك الوقت.
وقدم في المجلد الرابع مقالاً عن مصر بعنوان اعجبني في مصر، ومقالاً بعنوان: السعادة المحرمة، ومقالاً عن الصحف في الكويت، ومقالا آخر عنوانه: كن متملقاً، ومقالا يتعلق بكيفية اختيار المرأة لزوجها.
وله في هذا المجلد تمثيليتان احداهما بعنوان الضريرة، والثانية بعنوان الثمن الفادح، وقد لاحظنا فيما مضى انه كان يقدم لقراء هذه المجلة بعض القصص، وهو هنا يقدم لهم تمثيليتين، ولعله اتجه الى هذا الاتجاه اسهاماً منه في النشاط الذي يقوم به زملاؤه في بعض المناسبات، حيث يجدون فيما يكتبه زميلهم ما يصلح للتمثيل.
أما المجلد الخامس، وقد صدر أول عدد منه سنة (1951م)، فقد ضم مجموعة من المقالات التي كتبها الشايجي، منها مقال ذو صبغة دينية بعنوان العظمة الخالدة، واخر عن الشيخ فهد السالم الصباح، ومقال عن النادي الذي انشئ في الكويت في ذلك الوقت، ومقال بعنوان: العدالة والعاطفة، ومع هذه المقالات قصتان قصيرتان هما عدالة، والقيد الحديدي.
وكانت مشاركته في المجلد السادس عبارة عن ادارة حوار مع مدير معارف الكويت القديم درويش المقدادي، ثم مشاركة في ندوة من ندوات مجلة البعثة كما كان يشارك من قبل.
ويبدو انه في هذه المرحلة قد وصل الى الفترة الأخيرة من سنيِّ دراسته في مصر. وأوشك على التخرج فانشغل بذلك عن الكتابة، ولذا فإننا لا نجد له مقالات في المجلد السابع بأكمله، ولم يكتب في هذه الفترة الى ان تخرَّج غير مقال واحد كان في المجلد الثامن الذي صدر أول عدد منه في سنة 1952م، وكان موضوع مقاله هذا عن الكويت والجامعة العربية، وهو موضوع سابق لأوانه، ولكن المراد تحقق بانضمام الكويت الى الجمع العربي في سنة 1961م.
وهكذا نرى الاستاذ يوسف محمد الشايجي، وقد أمضى وقت دراسته بمصر في عمل نافع، يتمثل في مشاركته زملاءه في بيت الكويت في انشطتهم، وفي كتاباته المتعددة الموضوعات، ولقد كانت كتابات كثيرة كما رأينا، ولم يتوقف عنها الا في نهايات وقت دراسته، لانه أراد أن يتفرغ لفترة التخرَّج.
ومن الملاحظ أنه لم يعد بعد تلك الفترة الى الكتابة العامة، لأنه انشغل بواجبات عمله، فصار همه في انجاز ما يتطلبه منه هذا العمل، ولكننا نجد له مقالاً وحيداً نشره في مجلة اسمها: إنماء الخليج، وهي تصدر في قبرص، وكان النشر في اليوم الأول من شهر يناير لسنة 1982م.
وكان يريد أن يوجه الأنظار الى ان الفعل ينبغي ان يوضع في موضع القول، وأن لا نكون مفرطين في أقوالنا، ومقصرين في أفعالنا إذا أردنا ان نحقق لوطننا تنمية اجتماعية حقيقية، تدفع بنا الى الأمام.
وكان عندما نشر مقاله هذا مديراً عاماً لـ بنك التسليف والادخار، وما يظهر من مقاله انه أراد ان يقدم فكرة عامة عن العمل الذي يضطلع به في البنك، مع التركيز على ضرورة ان نكون عمليين لا أرباب أقوال فقط.
وقد بدأ بسرد تاريخ العمل في مجال الائتمان في الكويت، ومدى عناية الحكومة بذلك، ثم واصل حديثه عن البنك فقال: في 27 أكتوبر عام1960م، وفي 22 أكتوبر عام 1960م، صدر القانون رقم 40 بإنشاء مؤسسة عامة تتولى تيسير الائتمان العقاري والصناعي والزراعي لمواطني دولة الكويت ولتقوم بتقديم القروض لموظفي الدولة.
وفي 8 يوليو عام 1965م، ونظراً لما حققه بنك الائتمان من نجاح فيما قدمه من انجازات، واستلهاما من الدولة لحكم المادة 23 من الدستور التي تقضي بتشجيع التعاون والادخار، واشراف الدولة على تنظيم الائتمان، صدر القانون رقم 30 بانشاء بنك التسليف والادخار ليحل محل بنك الائتمان مع التوسع في الأعمال والأهداف التي يسعى لتحقيقها، حيث أضيفتْ إلى أعماله مهمات تيسير الائتمان الاجتماعي، وتجميع المدخرات واستثمارها، ونشر الوعي الادخاري.
وبنك التسليف والادخار مؤسسة عامة ذات شخصية معنوية مستقلة تحت اشراف وزير المالية، يديره مجلس إدارة مكوّن من عشرة أعضاء، وَيُمثِّلٌه المدير العام في علاقاته مع الغير، وللبنك ميزانية مستقلة تشمل ايراداته ومصروفاته.
كان رأس مال البنك عند تأسيسه باسم بنك الائتمان 7?5 ملايين دينار وأصبح عند انشاء بنك التسليف والادخار 20 مليون دينار.
وقد عمدت الدولة إلى رفع رأس مال البنك عدة مرت تبعاً لما يحققه من انجازات إلى أن بلغ في عام 1980م خمسمائة مليون دينار، وينص قانون البنك على أن يكون مقره الرئيسي في مدينة الكويت، وله أن يفتح فروعاً داخل البلاد.
وقد بنى البنك مقراً رئيسياً وسط مدينة الكويت، كما بنى فرعاً في مدينة الاحمدي وهو يخطط لافتتاح فروع اخرى وفقاً لاحتياجات العمل هذا ويسعى بنك التسليف والادخار بالتعاون مع جهات الاختصاص الأخرى في الكويت إلى تحقيق الأغراض التي أسس أجلها:
ففي مجال الائتمان:
يقدّم البنك القروض العقارية للمواطنين للمساهمة في توفير السكن المناسب لمن لا يملكون سكناً خاصاً بهم، كما تقدم هذه القروض لتوسعة البيوت القائمة وإصلاحها وزيادة الانتفاع بها.
ثم واصل السيد يوسف محمد الشايجي حديثه هذا ذاكراً قيمة القرض العقاري الذي يمنحه بيت التمويل للمواطنين من أجل بناء أو شراء السكن الخاص، وبين ارتفاع المبالغ المدفوعة سنة بعد أخرى بحسب تغيّر الأحوال، وارتفاع أسعار العقارات ومواد البناء.
وذكر - أيضاً - القروض الاجتماعية والزراعية وغيرها، التي يقدِّمها بنك التسليف والادخار.
وأورد بياناً عن أنواع عمليات الادخار التي يقوم بها البنك، وهي ثلاثة:
1 - الادخار الممتاز، ويميزه حجم المبلغ المدَّخَر.
2 - الادخار المتحرك، وهو ادخار المبالغ الأقل.
3 - الودائع.
أمّا منجزات البنك، فقد أشار إليها في نهاية المقال، وقد تمثّلت في القروض، وارتفاع أعداد الحسابات المرتبطة بها نتيجة لإقبال الأهالي على ذلك، والمساهمة في المشروعات المختلفة.
وبذلك انتهى مقاله الذي أشرنا إليه.
ارتبط اسم السيد يوسف محمد الشايجي ببنك التسليف والادخار، وذلك لطول المدة التي عمل فيه خلالها، وتطور مركزه في العمل بحسب ما نراه في الجريدة الرسمية الكويت اليوم، وذلك في مرسومين، تم نشرهما في العدد رقم 538 الصادر في اليوم الأول من شهر أغسطس لسنة 1965م، ثم في العدد الصادر في شهر يونيه لسنة 1969م.
في العدد الذي أشرنا إليه أولاً جاء مرسوم تعيين الأستاذ عبدالعزيز سليمان الدوسري مديراً عاماً للبنك، وإلى جواره مرسوم آخر بتعيين الأستاذ يوسف محمد الشايجي نائباً للمدير.
وجرى العمل على هذا الأساس، فقام هذان الرجلان بكل إخلاص بأداء المهمة التي أُوكِلَتْ إليهما إلى أن تقدّم المدير العام سليمان الدوسري طالباً الإحالة إلى التقاعد، فكان أولى الناس بالحلول محلّه هو الأستاذ يوسف الشايجي، فصار مديراً عاماً بموجب المرسوم الأميري الذي أشرنا إليه آنفاً، وذلك في سنة 1969م، وثابر على العمل إلى أن تقاعد، وخلال عمله كان يبذل نشاطاً كبيراً تشهد به صحف الأمس التي كانت تتابع أعمال بنك التسليف والادخار باعتباره يؤدي خدمة كبرى لابناء الوطن في مجالات الإسكان والزراعة وغيرهما.
في الفترة التي تولي فيها يوسف الشايجي مهمة بنك التسليف والادخار بصفته مديراً عامَّاً له، كانت الحاجة إلى المساكن قد ازدادت، وكثر عدد المتقدمين بالطلبات إليها كما ازداد عدد طالبي القروض، وكان ينبغي على البنك وعلى إدارته الاهتمام بهذا التطور الاجتماعي الذي فرض نفسه بمرور الزمن، وقد اهتم المدير العام بأن يوضح هذه الظروف الجديدة، وأن يشير إلى ازدياد الطلب على السكن الخاص، وعدم استطاعة ميزانية البنك القائمة استيعاب كل ما هو مطلوب، وكانت الصحافة الكويتية تتابع هذه المسألة وتتساءل عن الحلول التي يفكر فيها بنك التسليف والادخار حتى لا تقع مشكلة اجتماعية خطيرة بسبب ذلك، وكان المدير العام يصل الليل بالنهار في سبيل وضع الحلول، ومدارستها مع جميع المختصين لديه، وكان إذا سئل عن هذا الأمر وما هو الموقف منه حالياً ومستقبلاً؟ يجيب إجابات واضحة نرى بعضها فيما يلي:
1 - رفع ميزانية البنك بحيث ترتفع إلى مستوى الحاجة إلى القروض المترتبة على الاحتياج إلى السكن الخاص.
2 - افتتاح فروع جديدة للبنك تسهل على المواطنين متابعة معاملاتهم من أماكن هي بالقرب من مواقع إقامتهم.
3 - زيادة رأسمال البنك حتى يغطي الاحتياجات المفاجئة، ويتناسب مع النمو في الأعمال.
4 - الحرص على تنظيم عملية الاقتراض منذ تقديم الطلبات إلى أن يتم بناء البيت موضع الطلب، وذلك بالتعاون مع بلدية الكويت التي هيّأت أماكن لتلاقي المواطنين في كل منطقة على حدة حتى ترسل مهندسيها معهم لإصدار الشهادات التي يحتاجها البنك لكي يواصل تقديم الدفعات المالية للمستحقين.
5 - ويكفي أن نقول إن مجموع الزيادة التي طرأت على القروض المقدّمة في سنة 1981م قد بلغت 94?5 مليون دينار، وهي ترفع قيمة القروض السابقة إلى حد كبير، وقد اتخذ هذا القرار لأن المبالغ المقررة سابقاً لم تعد تكفي.
6 - أكّد المدير العام أن اللوائح التي سوف تحكم الزيادات هي لوائح مرنة تكفل سرعة تنفيذها وعدم عرقلة أعمال المقترضين.
ومضت الصحف في نقل كل شيء عن أعمال بنك التسليف والادخار على لسان مديره العام، فصار كل شيء واضحاً أمام المواطنين المتعاملين في هذا الشأن.
***
ذكرنا أن السيد يوسف محمد الشايجي قد جرّب كتابة القصص القصيرة، وجرّب كتابة التمثيلية ذات الفصل الواحد، حين كتب تمثيليتين.
في عدد مجلة البعثة الصادر في شهر سبتمبر لسنة 1948م، نشر السيد يوسف الشايجي إحدى قصصه، وهي قصة قصيرة، ولكنها تعبّر عن روح إنسانية عالية، وعن مقدرة تُنبئ باستعداد جيد لكتابة القصص، وقد تميّزت بأسلوب عربي واضح سليم، يدلّ على تمكنه على الرغم من أنه كان -آنذاك- في البدايات، وتحكي هذه القصة مأساة أسرة فقدت إحدى نسائها في الوقت الذي كانت تضع فيه وليدها، وقد كتب الله عليها أن تموت في تلك الحالة هي والوليد معاً، وتحكي - أيضاً- حالة أم المرأة المتوفاة وما عانته من آلام فقد ابنتها على الرغم من أن أملها في النجاة كان أملاً قوياً.
تحدّث عن الأسرة، وعن نقل المتوفاة إلى مثواها الأخير، وصور الموقف الرهيب، والموكب الذي كان يحث الخطى إلى نهاية المرأة، والكاتب يتحدّث خلال تحرّك الحشد عن الحياة التي يكتنفها الفقر، وكيف تؤدي إلى ضيق النفوس وسوء الأحوال، وعلى سبيل المثال، فإن هذه الأسرة المنكوبة بابنتها نالت من الأذى ما لا يُطاق، وحلّت بها مشكلات كثيرة، كان منها ما أدَّى إلى وفاة بعض أفرادها قبل هذه المرأة، إضافة إلى مشكلات أخرى، ولقد سمّى الكاتب هذه الأسرة أسرة البؤس، ولعل هذه التسمية أن توحي لنا أنَّ يوسف الشايجي إنما كان يكتب قصة عرف أحداثها على الطبيعة سواء أكان ذلك بمعاصرتها أم بسماع ما جرى من أحداثها عن طريق بعض الثقاة، وهي على العموم من النوع الذي لم يكن مستبعداً حدوثه في ذلك الوقت.
أما القصة وهي بعنوان: رحمة من السماء، فهذه هي كاملة غير منقوصة لكي نتعرف من خلالها أسلوب الكاتب وطريقته في قص الحكايات، يقول:
إن العزلة يا صاحبي، وإن كانت مرهقة للنفس حيناً، إلا أنها مريحة للفكر والقلب أحياناً، سواء أكانت للراحة من عناء العمل، أو للتأمل في هذا الكون الغريب...
وإذا لم يُقَدّر لنا مشاركة بعض الناس مشاركة فعليّة في معيشتهم اليوميّة، فلا أقلّ من أن ننتقل إلى أجوائهم التي يعيشون فيها، لأننا في حاجة إلى نوع من الشفقة في هذا العصر العجيب... خلوة بنفسك تستريح فيها من متاعب الحياة، وتتجّه فيها بكل جوارحك إلى السماء، تحسّ بأنك تشغل فراغاً غير فراغنا هذا... فراغ تشعر في وحشته أو أنسه، على حد سواء، بأنّات البائسين تستحوذ على قلبك بعدما ذهب معظمها أدراج الرياح... فراغ تشعر فيه بآهات المعوزين تستقر في قرارة نفسك بعدما تلاشى جلّها وسط هذا الضجيج الصاخب.. فراغ تلمس فيه شكوى المظلومين تملك عليك أحاسيسك، بعدما صُمَّت دونها الأسماع.. فراغ تشعر فيه بالمرارة والحسرة من حالة أمثال هذه الكتل البشرية التي تعيش على هامش الحياة والتي تمرُّ مواكبُها أمام أعيننا في لمح البصر كأنّها لم توجد قط، أو وُجِدت من العدم لتعيشَ في العدم، وبجانب هذا الشعور المؤلم الذي يبعثه فينا أقوام قُدِّرت لهم حياة الكفاف والعفاف، يحسُّ الإنسانُ بشعور لا يقلُّ في إيلامه عن سابقه، يثيره فينا السخط الذي يبعثه أولئك الذين تربَّعوا على عروش الظلم والاستبداد، وأباحوا لأنفسهم ما حرّم الله...
ويقيني أنّك شاهدتَ موكباً من هذه المواكب يتحرّك إلى عالمه الآخر، موكبٌ يسير فتتمثّل فيه مأساة أخذت مناظرها من مجاهل الحياة، ومُثِّلت خلف الستائر، أو أمام جمهور أعمى البصر والبصيرة، وقام بالتمثيل أشخاص عاشوا وفنوا في عالم اللاوجود... موكبٌ ليس من نسج الخيال، ولكنه من صميم الواقع... وقد فارق هذا الموكب الحياة، حيث لابد له من فراقها، إن عاجلاً أو آجلاً، إذ لم يعد له مكان في هذه الدنيا التي أصبح القول الفصل فيها لصاحب الطَوْل والحَوْل بعدما تخلّى عن صفاته الإنسانيّة النبيلة..
قوي بسعي للسيطرة على الضعيف، ولا يخشى قول القادر العظيم: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، يبتزّون الأموال ويكنزونها، وإن هلك الفقراء فاقةً وجوعاً، غير مصغين لقوله وسعت رحمته: (ويل لكل همزة لمزة. الذي جمع مالاً وعدّده)، ومغرورون ينظرون إلى الناس بمنظار الساخر المستهزئ، غير عابئين بقوله سَمَتْ رفعتُه: (ولا تصعّر خدّك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً)، ومجرمون ينهبون ويقلقون راحة الآمنين، وإن كان مجال الرزق أمامهم واسعاً، غير مستمعين لقول الخالق: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
هذه صورة للحياة التي ودّعها ذلك الموكب غير آسف عليها... أسرة سُلبت حقوقها، فتحوّلت من عائلة متوسطة الحال إلى هياكل وأشباح تدبُّ دبيب النمل في سكون الليل الرهيب، باحثة عن قوتها ولقمة عيشها... لفظتها المدينة إلى أقذر حي فيها تعاني البؤس في أبشع صوره، معتمدة على بعض إحسان المحسنين الذين قلَّ من يُنفق منهم رئاءً للناس ولا يتبع إنفاقه منِّاً ولا أذى... ويكفي أن تعرف من نكد الدنيا على هذه الأسرة البائسة أن أكبر أبنائها وساعدها الأيمن قضى وقتاً طويلاً من حياته في ظلام السجون ثم أفرج عنه ليسخِّره أصحاب الديون في ركوب البحار حتى لفظ آخر أنفاسه بين أمواج المحيط.
هذه هي أسرة البؤس وضحية الظلم، عاشت كما تعيش مئات من الأسر في عالم المجهول والنسيان، مات عائلها ومناط أملها وبقيت أخته، المصدر الوحيد لرزقهم، لا تعرف الراحة ولا تذوق طعماً لحياتها الزوجية. ويوماً واحداً تستريح فيه من متاعب الخدمة معناه أن تظلَّ هي وأمها العجوز ووالدها الكهل خاوي البطون طول يومهم، وهذا شرط من شروط الطبقة الارستقراطية التي تمليها على خدمهم...
مكثت شهوراً على هذه الحالة الشاقّة المضنية، استسلمت بعدها مرغمة لآلام الحمل، ومرّت عليها الشهور المعتادة للوضع، ولكنها لم تلد، وبدا من الأمراض التي ظهرت عليها أن الأعمال التي قامت بها كانت فوق طاقتها وقدرتها مما سبّب لها هذا العسر.
وفي ليلة، جاءها المخاض وأخذت تعاني من آلام الولادة ما مرّ مذاقها.. ومرّت عليها ساعات وساعات تحوّل خلالها الأنين إلى عويل، والأمل إلى يأس، والفرح إلى حزن... وبالقرب منها أمها تتلو عليها من آيات الله الكريمة، ولعلّ هذا هو الدواء الوحيد الذي تستطيع الحصول عليه لابنتها العليلة من غير أن تبسط يد الاستجداء والاستعطاف، ولما أظلمت الدنيا في عينيها، وأوصدت الأرض جميع أبواب الرحمة في وجهها، وحينما بان لها أن ليس لها من الحياة إلا آلامها، شخصت ببصرها إلى السماء مبتهلة إلى ربِّها بعاجل الشفاء لوحيدتها... وراح الجميع يترقّب ساعة الفرج بفارغ الصبر، وأصبحت الدموع والأحزان عزاءهم الوحيد بعد ما عزَّ العزاء حتى أشفقت السماء عليهم، واستجابت لدعاء الداعين لهم بالراحة والخلاص...
... وفاضت روح المريضة إلى ربها، وكان من الطبيعي أن يكون مصير الابن مصير الأم...
بكت عليها أمها، وهي وإن لم يكن البكاء لديها جديداً، إلا أنها بكت على الرغم منها بكاء الثكلى، وهي لا تدري لماذا تبكي؟ أللحزن أم للفرح؟... ألأن أعباء الحياة خفّت عنها إلى الأبد، استغفر الله... أم لأن السماء أراحتهم من آلام هذا الوجود ومتاعبه، لا أدري ولربما كان هذان العاملان هما اللذان استدرا دمعها فبكت هذا البكاء المرير حتى ابيضّت عيناها وخارت قواها... كانت تبكي حزناً لأنها تستجيب لغريزة الأمومة، وهي تبكي فرحاً لأن إيمانها قوي بمشيئة الله وإرادته، وأملها كبير في أن يجيب دعوتها: اللهم اجعل لنا من هذه الأرواح البريئة شفيعاً في الآخرة بعد ما حرمنا الشفاعة في الدنيا......
****
هذه هي الحياة التي صوّرها يوسف الشايجي، وهذه قبلها حياة هذا الرجل، كما صوّرناها، ولم نصوّرها نحن من الخيال، بل عن معرفة واتصال، رحمه الله.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت