loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

نبض قلم

ومضات في جدارية التحكيم التجاري


تكاد تقضي أدبيات القضاء بأن التحكيم أحد مُرادِفات المنصّة القضائية، تتقاطع دروبهما في الرحلة العدليّة الممتدة، فيلتقيان ويتكاملان نحو غاية واحدة: عدل غير منقوص، فلا تحكيم يبقى بدون قضاء ولا قضاء يقوى بدون تحكيم. التحكيم قطار سريع، صُنعت دواليبه وسككه الحديديّة بتأنٍّ، عابرٌ للقارات يسافر عبر ثقافاتٍ مختلفة، منها الشرقيّ ومنها الغربيّ، لكلّ قاطرة ربّانها وقد رضي مسافروها به محكّماً فرداً أو هيئة ليأخذ بأيديهم ويصل بهم إلى برّ أمانٍ فاصل وبات فى خصومتهم، وفيما تناضلا فيه من نزاع، وتزداد الرحلة صعوبة كلما طالت المسافات والسجالات والمذكرات والتعقيبات وتعديل الطلبات،كما تكون وطأة النزاع ثقيلة كلما تعددت الاستعانة بالخبرة والشهود ليحول بين القطار ووجهة الوصول للمحطة الأخيرة الإجراءات الوقتية والتحفظية والعارضية والأحكام التمهيدية وغيرها.
التحكيم رحلة يسير بها قوم تتعدد ثقافاتهم وتتنوّع خلفياتهم، قد يلجأون لمؤسسة تحكيم محلية أو إقليمية ضمن دولتهم وجنسيتهم وموطن نزاعهم، فنكون أمام تحكيم وطني محلي، أو متنازعين دوليين أمام تحكيم دولي، وفي كلّ الأحوال عليك أن تعي أن الاختلاف الثقافي والفكري والمعرفي والجغرافي والاستراتيجي فى موقف كل منهم وتباين الدعاوى الأصلية والمتقابلة والطلبات والدفوع بينهم هو ما يشكل مسار الرحلة منذ انطلاقها وحتى منتهاها، وهنا تبرز أهمية الربان الحاذق بأدواته وحنكته وخبرته وتركيزه على النتائج وليس فحسب الجلسات، وإطالة أمد الاجراءات، وكيفية تفادي مزالق البطلان وتعريض حياته المهنية ومصالح أصحاب الحقوق للخطر، والأهم أن يكون «حق الله» حاضراً فى كل خطوة وإجراء واستنتاج واجتهاد.
التحكيم يقف على مسافة واحدة من الجميع، المنتصف منطقته المتاحة، والحياد عنها حياد عن سماويّة العدالة الناجزة، لا يرضى سوى بفض أو انقضاء الخصومة، أدواته السرعة والسرية والكفاءة والفاعلية وصولاً إلى القول الفصل. التحكيم ليس سلطة تَحكُمية ولكن شريعته قانون إرادة الخصوم، تتسع إرادتهم لاختيار هيئة التحكيم، وقد يفوضونها لإصلاح ذات بينهم، وكذلك اختيار القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع وإجراءاته، إضافة الى إرادتهم في الاتفاق على إخضاع علاقتهم لعقود نموذجية أو اتفاقيات دولية، ولهذا يتعين على كل من يقترب من محراب التحكيم أن يكون موقناً بأن قانون الإرادة يسمو ويعلو.
ما هذه سوى ومضات في سفر التحكيم بشكل عام، ولنا أن نحلق معاً عبر إطلالة جوية فوق منطقة الخليج العربي لنرصد بعض ما حدث ويحدث في منصة التحكيم التجاري بشكل خاص، وهنا سيجد المتأمل بموضوعية ست وقفات.
الوقفة الأولى، هناك مخاض تطويري تشهده قوانين التحكيم على مستوى دول المنطقة وأيضاً على مستوى قواعد ولوائح المؤسسات التحكيمية الخليجية، فقانون التحكيم الإماراتي الذي طال انتظاره منذ انضمام الإمارات الى اتفاقية نيويورك بالاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها عام 2006 سيرى النور قريباً، برؤية استشرافية تواكب موجبات العصر التحكيمي الحالي، حيث بلغت آخر مسودة للقانون الوليد عدد (61) مادة نظمت الكثير من المسائل الهامة في الإجراءات والأحكام الوقتية والقوة الالزامية للحكم وميثاق عمل المحكمين والاستعانة بالخبراء وغيرها من مسائل هامة وجوهرية تقترب من القانون النموذجي لليونسترال لعام 1985م، والذي يعد أحد أهم المراجع التحكيمية العالمية، وكذلك شهدت البحرين إصدار قانون التحكيم2015م، ومن المتوقّع أن تشهد السنوات القليلة القادمة المزيد من تلك النقلات التشريعية في قضاء التحكيم على مستوى القوانين وقواعد مراكز التحكيم.
الوقفة الثانية، ازدياد عدد المراكز التحكيمية لتتجاوز أكثر من (15) مركزاً في دول الخليج العربي، ويكفي أن نشير إلى المراكز التي شهدت المنطقة ميلادها خلال السنوات الأخيرة مثل مركز سوق أبوظبي العالمي للتحكيم (2018م)، ومركز الإمارات للتحكيم البحري في دبي (2016م)، والمركز السعودي للتحكيم التجاري (2014م). وتجدر الإشارة إلى أن الزيادة المضطردة في عدد المراكز التحكيمية الخليجية لم يواكبها انخفاض في عدد المنازعات المعروضة أمام مراكز وهيئات التحكيم من خارج المنطقة، وخاصة أمام محكمة التحكيم التابعة لغرفة باريس (ICC)، والتي تنبض أرقامها بأن الشرق الأوسط يحتل بها نسبة كبيرة من إجمالي عدد المنازعات، وهو مؤشر يحتاج العمل بجد ومثابرة لتعزيز الثقة فى مراكزنا التحكيمية الخليجية.
الوقفة الثالثة، تباين واختلاف الأطروحات التدريبية وبرامج التأهيل التى تقدمها المراكز لجيل المحكمين الحاليين والمستقبلين وكذلك اختلاف التوجهات والشراكات الدولية برغم أن تحديات المنطقة واحدة وواقعها واحد ومصيرها مشترك، فتجد شراكات تبرمها أحد هذه المراكز مع المؤسسات الأميركية، ومركز آخر يتجه صوب المحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي بهولندا، وثالث مع مجمع المحكمين المعتمدين البريطاني، بالطبع هذا التنوع قد يكون إثراء، ولكن فى الوقت نفسه يضعف البنية التحكيمية التشاركية بين بنيان واحد يواجه عواصف غير مسبوقة فى نظام عالمي جديد فريد ومعقد ويؤثر على رؤية مشتركة فى تأهيل مُحَكم خليجي برؤية ريادية عالمية.
الوقفة الرابعة، تنامي ظاهرة المراكز الوهمية التى تبيع الوهم التحكيمي وتستغل تنامي التوجه نحو القضاء البديل عبر التحكيم. والحقيقة وفى تقديرنا المتواضع ما كان لها أن تتواجد لو كانت المراكز الرسمية المعتمدة على قلب رجل واحد وبينها مذكرات تفاهم فعلية وفاعلة، متكاملة ومتعاونة، وليست مجرد بروتوكولات شكلية ومجاملات.
الوقفة الخامسة، هو الشح والخصومة المعرفية فى وجود إصدارات دورية متخصصة فى تناول أحكام التحكيم والتعليق على منظومة القوانين والقواعد واللوائح التى يتم تحديثها، ولولا الجهد الدؤوب لمركز القاهرة الاقليمي للتحكيم التجاري الدولي وأنامل الناسك العلامة د. محي الدين علم الدين فى أسفاره عبر «أحكام التحكيم» من خلال النشر والتعليق على مختارات من الأحكام الصادرة من هيئات تحكيم تمت تحت مظلة مركز القاهرة، والذي قام بإصدار (7) أجزاء تمثل قيمة معرفية تحكيمية ثرية، وكذلك «مجلة التحكيم» التى تصدرها الأمانة العامة للاتحاد العربي للتحكيم الدولي والتي بلغت نحو (27) جزءاً حتى تاريخه، إضافة الى «مجلة التحكيم العالمية» التى يصدرها د. عبدالحميد الأحدب، ومجموعة القواعد والأحكام الصادرة عن محكمة تمييز دبي عبر المكتبة القانونية بمحاكم دبي، ومثيلاتها الصادرة عن قضاء النقض فى أبوظبي، لولا هذه الشموع وغيرها لكانت المعارف التحكيمية التجارية فى الخليج في صحراء جرداء من غياب إصدارات معرفية علمية وعملية وواقعية وليست نظرية مما تعج به المكتبات والمعارض أينما وليت وجهك.
الوقفة السادسة والأخيرة، هو غياب الحوكمة المؤسسية اللازمة فى العديد من المؤسسات التحكيمية الخليجية بشأن أداء المحكمين وميثاق يؤطر عملهم، ويقيم معدل الفترات الزمنية لإصدار الحكم النهائي، وغياب لجنة أو هيئة داخلية دائمة لمراجعة الأحكام شكلياً وإجرائياً قبل إيداعها نهائيا لتفادى طلبات ومطبات الإغفال والتفسير والتصحيح وإطالة الأمد فى مقام اختصار الوقت والكفاءة والفاعلية والسرعة، وكذلك غياب فقه إصباغ العملية التحكيمية بصبغة التميز المستدام بدء من تقديم طلب التحكيم، ومرورا بكل محطات الإجراءات، وصولا الى الحكم البات النهائي الفاصل فى النزاع؛ فحسب المسح السابع لكلية كوين ماري بجامعة لندن، فقد تم رصد العديد من المؤشرات والدلالات المرتبطة بالأداء التحكيمي المؤسسي والحر على مستوى العالم، ولكن لم يتم رصد ذلك بالتفاصيل الكافية على مؤسساتنا التحكيمية الخليجية لعدم توفر بيانات الأداء والنتائج بشفافية مع المحافظة بالطبع على السرية التى هي عصب العملية التحكيمية. تلك ومضات وإطلالات سريعة علنا فى مقال آخر نرصد المزيد منها فى أدبيات التحكيم التجاري بدول الخليج العربي.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت