loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كل خميس

التعليم في ذهنية المجتمع


في ذهنية المجتمعات المتقدمة حل «التعليم» محل المشاهدات، والبحث العلمي محل المصادفات الذهبية، كانت الاكتشافات العلمية تنتظر هدية من السماء لكي يفسرها الباحثون عن الحقيقة، إسحاق نيوتن ظل سنوات طويلة باحثاً عن جاذبية الأرض، حتى شاهد بأم عينه التفاحة وهي تسقط على الأرض من أعلى شجرة كان يتظلل بها وقت الظهيرة.
كان السؤال المبادر في ذهنية العالم نيوتن هو: لماذا سقطت التفاحة ولم ترتفع إلى أعلى؟ ثم أجاب: بكل تأكيد هناك شيء «ما» اجتذبها كي تسقط على الأرض، ثم بادر على هيئة «أرخميدس» قائلاً: إنها الجاذبية الأرضية، إنها مغناطيسية القوة الخارقة لهذا الكوكب، ومنها جاء إسحاق نيوتن بنظرياته الهندسية، واكتشافاته التي تفسر الظواهر وتضع لها الأسس العلمية والقواعد الثبوتية التي تؤكد، وتبني على المظاهر، وتحدد السلوكيات.
في العصر الحديث وبعد اكتشاف الآلة البخارية أصبح كل شيء بمقدار، بالورقة والقلم، بالتدوين و«الأرشفة»، بالحفظ وبالتخزين وبالبناء التراكمي على ما فات.
من هنا جاء التعليم قائداً للمعلوماتية وصانعاً للحقائق البحثية، وضامناً للنتائج المتحققة، البحث العلمي، أو التلقين البدائي، أو التفكير والتخاطب عن بُعد، جميعها أدوات حركة في مناهج تم وضعها من أجل أن يكون للإنسان دور في تفسير ظواهر الكون، في الارتقاء بشقيقه الإنسان الذي يعاني غضب البراري والجبال، وجاء العلم ليقول كلمته في الظواهر الطبيعية وتلك التي تؤتي أُكلها بفعل الإنسان.
من هنا كان لزاماً علينا أن نواكب حركة المعلوماتية، أن نراقب صولات وجولات الاكتشافات العلمية الباهرة، وأن نكون داخل قطار الحضارة كلاعبين أساسيين، وفاعلين مؤثرين، وطلبة وأساتذة مخضرمين.
ونحمد الله ونشكر فضله أننا في مملكة البحرين وفي المنطقة عموماً اختلفت نظرتنا للتعليم، تطورت مع تطور الأحداث وتفاقم الاحتياجات، وتغيرت المفاهيم من التلقين إلى التفكير، ومن التفكير إلى استلهام العبر والدروس واكتشاف الحقائق الدامغة حول ظواهر الكون الغريبة وتلك التي تتخلق من تلقاء نفسها.
دخلت علوم الحاسوب إلى حياتنا، ومكونات الذكاء الاصطناعي، وعلوم المعرفة التكنولوجية إلى معاملنا وأمهات أفكارنا، وأصبحنا قاب قوسين أو أدنى من استنباط أدوات جديدة ونظريات تقنية حديثة برزت مع ظاهرة التعليم عن بُعد، وتلك التي تجلت من خلال ترتيبات «الأونلاين» وتعقيدات مترادفاته الفائقة.
الجامعة الأهلية لم تكن بمعزل عن حركة النجوم التي تتلألأ في سماوات العلوم والمعارف والآداب والفنون، حرصنا أن نواكب الثورة التكنولوجية الهائلة ودخلنا معترك التحديث منذ انطلاقنا قبل أكثر من 20 سنة، وقمنا باستحداث البرامج التي تتزامن مع احتياجات سوق العمل، وتلك التي تنتمي إلى خلاصة ما توصل إليه العلم الحديث من اكتشافات أو ابتكارات مساندة للإنسان في رحلته الطويلة على طريق حفظ النوع والإصرار على البقاء.
وفي يناير 2020 هجمت علينا وعلى البشرية جمعاء جائحة «كورونا»، وكان لزاماً علينا أن نفهم، أن نتفاهم، أن نتناقش مع العالم بصوت مسموع، بأمل في التعاون، وطموح في القضاء على الغامض اللعين، وبالفعل نجحنا في فهم ما حدث، والتعليق عليه، والالتزام بتطبيقاته، والانتساب لفحوصاته، ولقاحاته وعلاجاته الممكنة.
ونجحت البحرين في أقل من سنتين من أن تكون في مقدمة الدول التي تمكنت من مواجهة الجائحة وبلوغ أعلى منصات الإجادة، والسيطرة على الفيروس، بل وتطويعه وتعويض آثاره وتداعياته وتحويلها إلى مناسك إجادة، وعلامات قوة، وأدلة وبراهين دامغة على إمكانية الحياة رغم الوباء، وعلى الاستفادة من المصاب الكبير بتحويله إلى بروتوكول تلقائي يمارسه الناس عن طيب خاطر وعن ظهر قلب.
نجحنا في فهم العلوم والفنون والآداب التي يتم الترميز لها من خلال صناعة «كودية» مبهرة، وعن طريق أرقام وحسابات توافقية مجازة شرعاً وقانوناً.
التعليم في قبضة الجائحة كان ذلك عنواناً كبيراً تعاملنا معه ونحن مؤمنون بأن الفكرة تقود إلى التفكير، والتفكير يقود إلى الفوز العظيم بالاكتشاف المبين، وها نحن اليوم نشهد ويشهد العالم لنا أننا لم نغلق جامعاتنا ولا يوم واحدـ، ولا ساعة واحدة، ولم نشهد إصابات لا بين الطلبة ولا حتى بين الأطقم الأكاديمية أو الإدارية، وخرجنا بسلام من النفق المظلم الطويل، من الشارع المُفضي إلى ميدان النصر المؤزر بإذن الله.
التعليم الجامعي بالتحديد واجه التحدي بكل كياسة العلماء، وثقة النجباء، وإبداع الموهوبين، جامعاتنا في البحرين اعتمدت بروتوكول الـ«تيمز» في التعليم والتعلم عن بُعد، وفي الاتصال المرئي المباشر بين الأساتذة والطلبة، بين المعامل وأماكن الدارسين ومواقعهم، وبين الأجهزة الإدارية والباحثين عن الخدمات الأكاديمية.
تحول الفكر إلى تفكير والتفكير إلى حقائق على الأرض، والحقائق إلى علوم وفنون تساعد الإنسان على الوقوف بصلابة وقوة وإيمان أمام تحديات كونية بازغة، ومفاجآت طبيعية لم تكن في الحسبان.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات