loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كل خميس

التعليم والتفكير.. ومأزق التنمية


لم تكن مفاجأة أن يتوجه عشرات الملايين من الطلبة العرب إلى مدارسهم قبل أيام، وأن تقف المدارس والمعاهد ووزارات التربية وكأن على رؤوسها الطير وهي تستقبل هذا العدد الهائل من التلاميذ هذا العام.
بالتأكيد فأن كل تلميذ وعائلته وذويه يبدؤون هذا المشوار مع أبنائهم وهم يأملون في مستقبل باهر لهم، في مقعد بإحدى الجامعات المرموقة في بلادنا، وبإحدى الكليات التي يُشار إليها بالبنان.
وبالتأكيد فإن هؤلاء الأهالي لم يخرجوا بفلذات أكبادهم إلى هذا المقتبل السعيد إلا لو كانوا يخططون معهم من خلال سؤال بديهي أبوي: «ماذا تريد أن تكون يا ولدي؟»، وبكل تأكيد فإن الخيالات تلعب في رؤوس الأطفال وآبائهم وأمهاتهم حول الأمل في مقعد وثير بإحدى الجامعات المعتبرة وبإحدى الكليات ذات «الحسب والنسب».
رغم ذلك، ورغم تلك الحالة المفعمة بالأمل فإن الذين يصلون إلى المرحلة الجامعية من بين هذا الكم الرائع من التلاميذ لا يزيد عن 25% منهم، بينما يتسرب القاسم المشترك الأعظم إما للعمل، وإما للمجهول.
المسؤولية المجتمعية لا تقل أهمية عن مسؤولية الدولة، والدور الشعبي لا يقل قوة وتأثيرًا عن الدور الرسمي، رغم ذلك فإن مؤسسات المجتمع المدني انخرطت مثل الحكومات في السياسة، اندمجت في المجتمع من خلال خطاب تلقيني لا يهتم بتربية وتعليم النشء، بقدر اهتمامه بتحقيق مكاسب سياسية من خلال مداخل دينية وأيديولوجية، بما يعني تأهيلاً من أجل غرض في نفس يعقوب ودعماً لأسباب تتعلق بنشر الفكر الراديكالي، أو بتجنيد العقل البريء من أجل أهداف ليست تعليمية بالمرة.
المشكلة أن حالة الانسحاب الحكومي من المنظومة لم تحل مكانها حالة شعبوية تدفع القطاع الخاص لكي يستثمر في المستقبل، وأن التفكير الشمولي الطاغي لعدد لا بأس به من المسؤولين العرب قد دفع الاسثمار في التعليم الخاص خاصةً الجامعي منه على شفا الخطر، بل أنه دفع عدداً كبيراً من رجال أعمالنا إلى الهروب لمجالات أخرى قد تحقق الهدف المرجو من عملية توظيف رؤوس الأموال في الأساس.
ربما يكون ذلك الانفصال بين مؤسسات الدولة الرعوية، ومعطيات الشارع الاقتصادي هو ما أدى إلى حالة الخصام بين أطراف العملية التفكيرية في المجتمعات العربية، فالقطاع الخاص متهم أزلي بأنه يسعى إلى الربح على حساب القيمة والجودة، والقطاع الخاص يتهم الحكومات بانحيازها إلى القطاع العام فتقدم إليه الدعم المطلق والبرامج المطلوبة، والتسهيلات «الأعجوبة» حتى يتقدم بأريحية نحو منصات التفوق على ما عداه من منافسين ينتمون إلى القطاع الخاص، أو إلى الفكر الانتقائي النوعي في عملية تعليمية ذاقت الأمرين من سطوة وسيطرة فكر أحادي مهيمن من دون النظر إلى ما عداه من أفكار خلاقة جديرة بأن يتم الاستماع إليها، بل والإنصات جيدًا إلى روادها.
في مملكة البحرين نرى ذلك الجهد المشكور من الدولة في تأسيس مجلس تعليم عالٍ منفصل عن وزارة التربية، ويضم في عضويته نخبة من المسؤولين المخضرمين، والشباب المحترفين على أن تتم عملية الإشراف والمتابعة والمراقبة من هذا المجلس لمختلف أطراف عملية التعليم الجامعي الأهلي، رغم ذلك مازلنا في مملكة البحرين التي شهدت انطلاق أولى مراحل التعليم النظامي الأساسي في حالة مخاض طويل بعد أن تم إنشاء نحو 15 جامعة خاصة مقابل ثلاث جامعات حكومية فقط.
رغم أن العدد ليس مقياسًا إلا أن التحدي هو التحدي، والتفكير القائم على الشمول التعليمي والعلمي هو الذي يحرك أطراف وخلجات العملية التعليمية.
ورغم ذلك مازال الحوار المجتمعي الدائر حاليًا يختصر المرحلة في سؤال كبير هو: لمن الحق اليوم؟ وللإجابة على هذا السؤال لابد لنا من أن نفهم طبيعة الحالة التي تمر بها مجتمعاتنا العربية، وأن نتعمق في تلك النظرة السلبية المأخوذة عن الجامعات الخاصة بل والتعليم الأساسي الأهلي أيضًا، فهي نظرة أحادية الجانب تعتمد على أن القطاع الخاص يغالي في التكلفة المفروضة على العملية التعليمية، وأن الأهالي يجأرون بالشكوى من المبالغة في هذه التكاليف، والمصيبة الأعظم أن القائمين على العملية التعليمية قفزوا من قارب النجاة الوحيد الذي يمكن من خلاله تفسير ما يحدث، توضيح الصورة، على الأقل من خلال حوار مجتمعي مفتوح يضم أطراف المنظومة كافة، بحيث يستمع كل طرف للآخر، لا أن يصادر الأكثر احترافًا في اللغة والخطابة، آراء الآخرين، وأن يكون فتحًا مبينًا للجميع حتى يقترب أطراف العملية التعليمية من بعضهم، وحتى تتقارب وجهات النظر الوجيهة مع بعضها، وحتى نصل في نهاية المطاف إلى رؤية مشتركة يتم عن طريقها وضع الحصان أمام العربة، وليس خلفها.
إننا أمام مرحلة جديدة يمكن للقطاع الخاص خلالها أن يقوم بدور تاريخي في رعاية العملية التعليمية، للخلاص من الحالة المرتبكة التي تسود هذه العملية برمتها مع بداية كل عام دراسي جديد، ومع انطلاق عشرات الملايين من الطلبة والدارسين والباحثين نحو مدارسهم وجامعاتهم، وكل عام وأنتم بخير.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات