loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كل خميس

الجهل عدو السلام


منذ نعومة أظفارنا تعلمنا أن الإنسان هو عدو ما يجهله، وأن التعليم هو خط الدفاع الأول لحماية المجتمعات من الأفكار الدخيلة والعادات والتقاليد الوافدة، والممارسات الأخلاقية المرفوضة.
تعلمنا أن التعليم يساعد الإنسان على المعرفة، التعرف على قوميات أخرى، على لغات أخرى، وعلى أجناس أخرى، أن تعيش في سلام معناه أنك تعلم عن الآخرين ما كنت تجهله، ومعناه، أنك تتقي شر ما تجهل، وتتجنب مخاطر ما لا تعلم.
من هنا فإن الرعاية السامية من ملك البحرين حول التعايش السلمي ونبذ الحروب يؤكد مجددًا على أن مملكة البحرين التي نشأت على التسامح، وشعبها الذي تربى على القبول بالآخر، وقيادتها الحكيمة التي فهمت الرسائل الأممية والتاريخية كلها، واستفادت من الدروس والعبر والحكايا الملحمية كلها بأن السلام هو أساس الازدهار، وأن العيش بأمان هو مربط الفرس الذي يعزز النماء والاستدامة، وأن الفهم المتبادل لسلوكيات الشعوب مع بعضها البعض هو الذي يقيم مجتمع السلام والمحبة والتعاون القائم على عدم التدخل في شؤون الغير واحترام الآخر، والقبول به.
إن الجهل بالآخر، هو الذي يؤدي إلى رفضه من دون مبرر، من دون علم، من دون أمل في فهم رسالته في الحياة، وإذا ما كانت تلك الرسالة تتفق أولاً مع منظومة الحياة لدينا أم لا، لذلك فإن الحرص الدائم لمملكة البحرين على وضع التعليم الراقي في مقدمة أولوياتها الوطنية لا ينبع فقط من قناعة، ولا ينطلق فحسب من قاعدة «إذا جنحوا للسلم فاجنح لها»، حيث إننا أيضًا نتقي بالعلم الوصول إلى مرحلة ما بعد عدم الفهم، ونحاول من خلال الفهم والتفهم لعادات الدول، وتقاليد الشعوب، وأولوياتها في العيش أن نحدد أيضًا هذه الأولويات، ذلك أن أمة بني البشر تتفق على مبدأ محدد للمحافظة على البقاء، بحماية هذا البقاء، وكيفية الدفاع عن هذا الكون الذي نعيش عليه ونرتكب الحماقات في حقه.
لقد حاول كل طرف إقصاء الطرف الآخر في الحرب العرقية المستعرة التي قادها الصرب ضد البوسنيين في مطلع الألفية، وحاول الصرب تحديدًا إزكاء روح المغامرة بأنهم قاموا بتطهير عرقي لم يسبق له مثيل ما أدى إلى تدخل كل القوى الأجنبية لوضع حد لهذا القتال الذي راح ضحيته مئات الآلاف وربما الملايين.
واليوم تشهد أفريقيا ويشهد العالم تطهيرًا عرقيًا من نوع جديد في أثيوبيا حيث يتم استخدام الجيش في أخطر عملية تطهير عرقي في القارة بعد ذلك الذي حدث في تسعينيات القرن الماضي بين رواندا وبوروندي وبين بعض القبائل المتناحرة على أساس عرقي وإثني وليس من منطلق صراع سياسي على حكم دولة بقدر ما كان صراعًا عرقيًا على حكم عشيرة.
أما ما يحدث في أثيوبيا كمثل صارخ فإنه حسب تقارير أكثر من إحدى عشرة دولة  يُعد تطهيرا عرقيًا ضد «التيجراي» وتحت عنوان كبير هو: إخضاع الإقليم الذي ينتمون إليه لسلطة الدولة المتمركزة في العاصمة «أديس أبابا» والقضاء على ما أسموه تمردًا مبرمجًا لفئة قليلة تريد أن تنتصر على فئة كثيرة.
والمعروف أن فصيل «الأورومو» يشكل 68% من إجمالي الشعب الأثيوبي بينما لا يتجاوز تواجد «التيجراي» في الدولة الأفريقية أكثر من 6% فقط، وهو ما يعني أن الأغلبية يمارسون تطهيرًا عرقيًا ضد الأقلية «التيجرية».
والمؤسف في هذا المشهد وغيره من المشاهد أن انتشار الأمية وسوء الأحوال الاقتصادية كانت تمثل سببًا جوهريًا للصراع بين «هذا» وذاك، والجهل بكينونة واحتياجات الشعوب هو الذي يدفع بعض الموتورين إلى ممارسة الشكل المرفوض من أشكال التفرقة العنصرية والتطهير العرقي والقتل على الهوية، هو في حد ذاته ما نرفضه في بلادنا التي قامت على أساس توافق وطني حول جميع أشكال الحياة ربما من خلال ميثاق عمل يتم التصويت عليه مثلما حدث في مملكة البحرين قبل نحو 20 عامًا، وربما عن طريق دساتير حاكمة يتم الارتباط بها من أجل تأكيد عدالة توزيع كل شيء تقريبًا على سطح الحياة في دولة من الدول أو إقليم من الأقاليم.
في جميع الأحوال يصبح التعليم منقذًا لما يمكن إنقاذه من أجل توعية الشعوب بأهمية السلام، وتوجيه بوصلتها نحو فهم جديد للآخر، وتفهم أعمق لأهدافه الإنسانية النبيلة، وليس لاعتباراته العقائدية أو الدينية المختلفة.
ونحمد الله أننا في منطقة الخليج لا نعاني من هذه الآفة ربما لأننا مؤمنون بالتعايش السلمي، وبرسالة الرسول الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام، بأنه لا فرق في ديننا الإسلامي الحنيف بين عربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح وصلابة الإيمان.
إنه الجهل بالآخر هو الذي يهدد السلام العالمي، ويضرب مرتكزاته في مقتل، وهو العلم الذي يُجنب شعوبنا التناحر على فكرة، والقتل على هوية، والإقصاء على لون أو عرق أو «فكرة جهنمية».


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات