loader

وطن النهار

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

يمضي الرجال ويبقى النهج والأثر


إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا خليفة لمحزونون هذه الجملة لهجت بها كل الألسنة أول من أمس، لا في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة وحدها، بل في كل العواصم العربية والإسلامية والعالمية، تعبيراً عن الحزن الكبير، الذي أصاب العالم بأسره، فور الإعلان عن وفاة رئيس دولة الإمارات العربية الشيخ خليفة بن زايد، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. إن وفاة هذا القائد العربي الملهم الكبير ليست حدثاً إماراتياً، ولا حتى عربياً وإسلامياً، بل هو حدث عالمي لأن الفقيد لم يكن محليَّ العطاء، أو التأثير، بل كان رجلاً عالمي النظرة، دولي الأهداف، لا يمنعه السعي إلى خير بلاده وأمته عن العمل من أجل مختلف الشعوب وشتى الدول، ومن هنا وصلت أياديه البيضاء إلى كل الأقطار في الشرق وفي الغرب، وفي الشمال وفي الجنوب.
وإذا كان سمو رئيس دولة الإمارات العربية الشقيقة الراحل الشيخ خليفة بن زايد قد تسلّم دفة قيادة الدولة من عظيم يندر أن يجود الزمان بمثله، وهو والده المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فإنه - يرحمه الله - سار على الدرب نفسه، ومضى في الطريق ذاته، طريق المحبة والعطاء، ودرب التنمية والبناء، فأكمل المسيرة بكل جدارة واقتدار، حتى غدت دولة الإمارات نموذجاً يحتذى في استثمار الثروة، وحماية الأرض، وصون العرض، ومثلاً أعلى في إحداث التغيير الإيجابي الذي حوَّل بلاده إلى قِبلة للعالم المتقدم، يجد فيها الأمن والأمان، والتقدم والسلام والحرية المسؤولة التي تبني وتعمر وتصون ولا تدمر، وتضيف كل يوم جديداً إلى صرح الحضارة والتاريخ العريق.
ولعل من نافلة القول أن نؤكد كيف كانت العلاقات الكويتية - الإماراتية منذ التأسيس، فهي متفردة في رسوخها، متفردة في قوتها، متفردة في تداخلها، متفردة في طبيعتها، إذ آمنت قيادتا البلدين - على مر التاريخ - بأن مصيرهما واحد، وتاريخهما واحد، نظراً لما يربط بينهما من وشائج القربى والأخوة والجوار.
وعلى مدى قرابة عقدين من الزمان أي منذ العام 2004 الذي تولى فيه الراحل العظيم سمو الشيخ خليفة بن زايد قيادة الإمارات مضت العلاقات الكويتية - الإماراتية دائماً من حَسن إلى أحسن سواء بين القيادات أو بين الشعوب، لا لأن بينهما نسباً، وصهراً فقط، بل لأن دماءهما امتزجت في حرب تحرير الكويت من براثن العدوان الصدامي الغاشم، فحينها وضعت الإمارات كل إمكاناتها، وسخَّرت كل طاقاتها من أجل إنهاء الاحتلال البغيض، وإعادة الحق إلى أصحابه، مهما كانت التضحيات، ومهما كانت التكاليف، كل ذلك فضلاً عن التاريخ المشترك الذي يجمع بين البلدين منذ مئات السنين.
فلا عجب إذن أن تلبس الكويت ثوب الحزن العميق والأسى البالغ فور تلقيها نبأ وفاة سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وأن يعرب حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح - حفظه الله ورعاه- عن بالغ حزنه وتأثره، ويقول بمنتهى الصدق: إن الأمتين العربية والإسلامية قد فقدتا أحد قادتهما العظام الذي كرَّس حياته لخدمة وطنه وشعبه والدفاع عن القضايا العربية والإسلامية.
وليس بمستغرب أيضاً أن يعلن حضرة صاحب السمو الحداد الرسمي في الكويت لمدة 3 أيام تعطل خلالها جميع الوزارات والدوائر الحكومية، إضافة إلى تنكيس الأعلام 40 يوماً حداداً على وفاة الراحل الكبير.
إن ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن الكويت والإمارات شعب واحد في بلدين، وروح واحدة في جسدين، وأن تاريخهما واحد ومستقبلهما واحد، سيظل مشرقاً مضيئاً مادام فيهما هؤلاء الحكام الأوفياء العظام.
لقد استطاع سمو الشيخ خليفة بن زايد - يرحمه الله- ومن قبله الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن يستنهضا همم الإماراتيين، وأن يعليا قيمة المواطنة، فانتقلا ببلدهما إلى مصاف الدول المتقدمة التي يشار إليها بالبنان، وليس أدل على ذلك من أن النفط أصبح لا يمثل سوى أقل من 40 ? من دخل الإمارات بعد أن كان هو كل ثروتها قبل بضع سنين.
إن القيادة الرشيدة لسمو الشيخ خليفة بن زايد - يرحمه الله- خلَّفت بعده رجالاً أفذاذاً، ونهجاً قويماً، وأسلوباً أصيلاً لبناء الدول وصنع الريادة، وتحقيق النجاح تلو النجاح في السياسة والحكم والتآلف والعطاء وغير ذلك من القيم التي لا يمكن أن توارى الثرى، وإن ذهب أصحابها إلى رحاب رب العالمين.
إن الإمارات اليوم أصبح ذكرها على كل لسان، وأصبح لقادتها بُعدٌ إنساني في جهات العالم كله، ومن ثم فإن غياب سمو الشيخ خليفة بن زايد لا يعني سوى حقيقة واحدة هي أن الرجال يموتون، ولكن تبقى آثارهم شاهدة على عظمتهم متحدثة بمآثرهم، وصدق من قال: يمضي الرجال ويبقى النهج والأثر.
وفي الختام أقول: رحم الله رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة الراحل الشيخ خليفة بن زايد وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. وأقول كذلك لقادة الإمارات أبناء زايد الخير: إن مصابنا ومصابكم جلل في وفاة القائد الراحل، ولكنا لا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون عظَّم الله أجركم وأجر الأمة وعزاؤنا أنكم - بحق - ممن قال فيهم الشاعر:
إذا مات منا سيدٌ قام سيدٌ
قؤول لما قال الكرام فعول


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات