loader

الأولى

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

رؤية مواطن

تريثوا.. لا تندفعوا.. تعاونوا


بعد أنْ هدأت العواصف السياسية، وبدأ الكلُّ يشعر بنسيم التعاون والتعاضد، ويشتَّم عطر التوافق بين الحكومة ومجلس الأمة، ارتفعت مساحات الأمل لدى المواطنين، وزادت تطلعاتهم نحو مزيد من العمل والإنجاز، مستبشرين بأن تضع السلطتان مصالح الوطن نصب أعينهما، وبأن تكون مضامين النطق السامي الذي ألقاه سمو ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح يوم افتتاح الدور الأول من الفصل التشريعي السابع عشر، نبراساً لهما، يضيء الطريق، ويقي السائرين عليه من التعثر أو السقوط في بئر الاختلافات المصنوعة التي تسببت -فيما مضى- في تعطيل عجلة التنمية، وتأخير عمليات الإصلاح.
إنَّ الواضح والبيِّن -حتى هذه اللحظة- أن مجلس 2022 سيكون مختلفاً تماماً عما سبقه من المجالس، فالبداية كانت طيبة وواضحة وشفافة، إذ عاد النائب أحمد السعدون رئيساً للبرلمان بإجماع أعضائه على أنه الرجل المناسب لتلك المرحلة، من دون أي تدخل حكومي، وكذلك كان الشأن في اختيار نائب الرئيس وغيره من المناصب، إضافة إلى رؤساء ومقرري اللجان، الذين نالوا شرف التزكية أو أحرزوا غالبية الأصوات في أداء برلماني رائع، بعيد تماماً عن التوتر والتحزب والانفعال.
ومن الأمارات الداعية إلى التفاؤل وجود وجوه شبابية في السلطتين، مشهود لكل منها بالكفاءة والوطنية، وبالمهنية العالية في وظائفها السابقة، أو في أعمالها الخاصة التي حققت فيها نجاحاً كبيراً، إلى جانب عودة العنصر النسائي ممثلاً في النائبين عالية الخالد وجنان بوشهري، والوزيرتين مي البغلي، وأماني بوقماز.
ولعل من المؤكد أن اختلاف المجلس الحالي عما سبقه من مجالس في العقد الماضي سيكون اختلافاً إيجابياً، فلا حزبية، ولا طائفية، ولا قبلية، ولا مناطقية، بل وطنية كاملة، وحرص تام على تحقيق المصالح العامة، والبت في القضايا المزمنة التي تعاني منها الكويت، والتي لم تتحرك خطوة واحدة إلى الأمام، رغم وجود الدراسات، والإمكانات، وكثرة الوعود والعهود، التي لم تعرف طريق التنفيذ والتطبيق لأسباب يعرفها المتابعون والمراقبون، ولا تخفى على عموم المواطنين.
لقد مدت الحكومة أياديها إلى مجلس الأمة، وخطت نحوه خطوات واسعة، واستجابت لنبضه الذي هو نبض الشارع في كثير من الأمور والقضايا، مؤمنة بأنها مع السلطة التشريعية تمثلان جناحي طائر، لا يمكن أن يحلِّق بأحدهما دون الآخر، ولا تستقيم حياته إلا بسلامتهما معاً، فحينها يحسن الطيران، ويتفادى كل عائق، ويتغلب على كل حاجز.
وهكذا هي الكويت تصح وتقوى بصحة وقوة السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتفتر وتضمر إذا أصابهما أو أصاب إحداهما الوجع، أو كثرت فيه الأدواء والعلل والتجاعيد والكسور.
إنّ الشعب الكويتي ينظر إلى مستقبله بكل الأمل والتفاؤل، ويثق بأنّ التوافق والتعاون بين الحكومة والبرلمان قادمٌ لا محالة، وبأن الإنجازات المأمولة ليست مستحيلة أو بعيدة المنال، ما دامت يدا كل سلطة ممدودتين للأخرى، لا لتصفعها أو لتعتدي عليها، بل لتعينها وتساعدها، وتعبّد لها طريق التنمية والبناء، خصوصاً أن الأمل معقود في أن تكون كل من السلطتين عند حسن ظنّ القيادة ممثلة في حضرة صاحب السمو الأمير وسمو ولي العهد -حفظهما الله- وكذلك عند ظن الشعب الواعي الرشيد.
ومع أنَّ الآمال عريضة، والأماني كثيرة ومتعددة، فإن كل مواطن يدرك -تمام الإدراك- أنه لا أحد يملك عصا سحرية يمكن من خلالها تحقيق الإصلاح الجذري في يوم أو بعض يوم، ويعرف أن الطريق طويل وشاق، وأن من الأولى والأفضل ألا نتعجل قطف النتائج قبل أن يبلغ الغرس مبلغه من النضج والاستواء، حتى نضمن أن تكون الثمار رائعة الشكل حلوة المذاق.
ومن أجل بداية صحيحة، وانطلاقة واعية، وبعدما ضيقت الحكومة ما كان بينها وبين ممثلي الشعب من فجوات، وحطمت ما كان بينهما من سدود وأسوار، يبقى على النواب أن يردوا التحية بمثلها أو بأحسن منها، وذلك من خلال التريث والتمهل، وإعطاء الفرص الكافية لإصلاح المعوج، وتقويم الأخطاء، فما تراكم من تجاوزات، وما تم توارثه من قضايا ومعضلات لا يمكن إنهاؤه بجرّة قلم، أو القضاء عليه قضاء مبرماً بتصريح هنا أو بتصريح هناك، فليس بالتصريحات والوعود تصان الحقوق وتبنى الأوطان.
إنّ العاقل هو من يستفيد من أخطاء الماضي، ويتعلم من تجارب السنين، وقد علمتنا التجارب الطويلة أنّ التسرُّع يخلِّف الأخطاء الجسيمة، وأن النتائج المترتبة عليه، ربما تكون أقسى وأمرَّ من المشكلة الأصلية التي يتم علاجها، والسعي إلى إنهائها، بغير دراسة كافية وافية، ومن دون نظر ثاقب في عواقب الأمور.
من أجل ذلك نهمس في آذان إخواننا النواب الذين اخترناهم -نحن المواطنين- بإرادتنا الحرة، وأوصلناهم بقناعتنا الكاملة إلى قاعة عبدالله السالم، فنقول لهم: تريثوا، ولا تندفعوا، وتمهلوا ولا تترددوا، وكونوا عوناً لمن يريد الإصلاح، ولا تكونوا عليه عبئاً أو حملاً ثقيلاً، ما دمتم ترون منه العمل الجاد، والإقبال والإصرار على الإصلاحات والإنجازات في كلِّ اتجاه وفي كلِّ ميدان.
إن منح الحكومة 6 أشهر مهلة لا تتخللها استجوابات معوّقة، أو تهديدات مبطّنة، أمر جدير بالدراسة والنظر، لأن من تلاحقه السياط من كلّ صوب لا يمكن أن يتفرغ لعطاء، ومن تواجهه الحفر والمطبات، وتوضع في طريقه العراقيل والعقبات، لابد أن يحذر منها ويتقيها ويعمل على تجنبها وتلافي السقوط في ظلماتها ومن ثم لا يكون لديه الوقت الكافي للتطوير والتحديث والإنجاز الذي يأمله كلُّ مخلص، وتتطلع إليه كلّ المشارب والفئات ومختلف التيارات.
وقد كان المشرّع الكويتي حاذقاً وفاهماً وواعياً عندما جعل المساءلة البرلمانية متدرجة ومتصاعدة، ورتب بعضها فوق بعض، فلم يجعل الاستجواب أول طرق الرقابة والمتابعة، بل وضعه تالياً للاستفسار الواعي الهادف، ثم السؤال المكتوب الذي يضع اليد على مواضع الخلل ومواطن الإعوجاج، ويرجو لها الدواء والعلاج والشفاء.
وتأسيساً على ما تقدم نقول لأعضاء مجلس الأمة ممثلي الشعب تحت قبة عبدالله السالم: تدرجوا في المساءلة، ولا تحملنّكم الرغبات الشخصية، أو المطالب الفئوية على إشهار ورقة الاستجواب في الأمور الهامشية التي يمكن حلها وبيان أسبابها ونتائجها، ومعرفة أوجه الحق فيها بسؤال يجيب عنه الوزير المسؤول في هدوء، ومن دون أي صخب أو ضجيج أو ضوضاء، فليس الاستجواب سيفاً مصلتاً أو يخرجه النائب من غمده بغير ضرورة تستدعيه أو تلزم باللجوء إليه.
إذن فالمطلوب هو التروي والتمهل وليس التقاعس أو الإهمال، وذلك لا يتحقق إلا بمنح الفرص الكافية للتصويب والتصحيح، لا بوضع العصي في الدواليب، ولا بإلقاء الأحجار والصخور في مضمار العمل ليتعثر فيها الجادون والمخلصون.
وليس من شك في أن الناظر إلى الخطاب السامي الذي ألقاه سمو ولي العهد نيابة عن صاحب السمو أمير البلاد المفدى الشيخ نواف الأحمد -حفظه الله ورعاه- ليدرك كل الإدراك أن القيادة داعية إلى الإصلاح وراغبة فيه، من دون أن يتخذ البعض ذلك ذريعة للهدم والتقويض.
وأخيراً نؤكد أن من الضروري، بل من المفروض أن نتعظ بدروس الماضي، وأن نعتبر بالتجارب السابقة التي أكدت دائماً، أن الخلاف والفرقة لا يحققان مصلحة، ولا يأتيان بخير، بل ينسفان القائم، ويحطمان ويكسِّران السليم والصحيح إلى جانب كلِّ ما فيه من انحناء أو ضعف أو عوار.
إنها دعوة صادقة إلى التعاون المثمر، وإلى الاتفاق على الأصول والجذور، وإن كان من اختلاف أو تباين في وجهات النظر، فليكن في الغصون والفروع، فذلك مما يمكن تجاوزه بسرعة، والتغلب عليه من دون أي خسائر، فما دام الجذر ثابتاً، والأصول راسخة تضرب أعماق الأرض، فلا تهزها الريح، ولا تنال منها العواصف والزوابع التي تثير الأتربة ولا يتجاوز تأثيرها السطوح.
حفظ الله الكويت وأهلها من كل سوء ومكروه، ووفق حكومتها ومجلسها النيابي إلى الوحدة والائتلاف، وإلى التوافق والتعاون من أجل تحقيق آمال وتطلعات المواطنين، في ظل القيادة الرشيدة ممثلة في حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، وسمو ولي عهده الأمين الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وسمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح حفظهم الله ورعاهم.
والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وحفظ الله الكويت وأميرها وولي عهدها وشعبها من كل مكروه.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات