loader

الأولى

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

رؤية مواطن

عبدالجبار معرفي.. رمز الوطنية والتضحية


عبدالجبار معرفي اسم قد لا يعرفه البعض أو يقدِّر قيمته، وبخاصة الشباب الذين كانوا أطفالاً وقت الاحتلال العراقي الغاشم، وربما كانوا لا يزالون أجنَّة في بطون أمهاتهم، أو ولدوا بعد ذلك بسنوات وسنوات.

والسرُّ في عدم معرفة البعض بهذا البطل الكويتي، الذي يعدّ نموذجاً في الولاء والانتماء والتضحية من أجل الوطن، هو أنه عاش حياته بسيطاً متواضعاً، لا يبحث عن شهرة، ولا يسعى إلى انتشار، بل كان يعمل في صمت، ويضحي في صمت، ويفضِّل البعدَ عن الضجيج الإعلامي، وعن صخب المقابلات التي تجريها الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون.

لقد عاش عبدالجبار معرفي حياته التي امتدت قرابة الـ 85 عاماً يعطي ولا يأخذ، يصون ولا يخون، يقدم كل ما في وسعه، وجميع ما في جعبته للوطن ولأبناء الوطن من دون أن ينتظر مكافأة أو جزاء أو شكوراً، إيماناً منه بأن أعمال المرء تتحدث عن نفسها وعن صاحبها، وبأن المواطن يجب عليه أن يبقى دائماً درعاً لبلده، وخادما لوطنه، ومنافحاً عن ترابه، بالوسيلة التي يتقنها، وبالأسلوب الذي يتوافق مع مواهبه وقدراته.

ومع أنّ عبدالجبار معرفي الذي لقي وجه ربّه قبل أيام لم يكن عسكرياً خلال فترة الاحتلال الغاشم، ولم يحمل في يده مدفعاً أو بندقية يواجه بهما الغزاة الطغاة، فإنّه حمل سلاحاً كان أشدّ فاعلية، وأكثر فتكاً، وأمضى تأثيراً في دحر العدوان، وشدِّ أزر المقاومة في الداخل والخارج.

لقد كان الرجل خلال الشهور العجاف التي مكثها المحتل الباغي على أرض الكويت الطاهرة عبارة عن شبكة إخبارية متكاملة، إذ مثّل صوت الكويت والكويتيين، ونقل أخبار المقاومة إلى العالم الخارجي عامة، وإلى حكومة الكويت التي استضافتها الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية بصفة خاصة، عبر أجهزة اللاسلكي التي حوَّلها من هواية يحبها ويعشقها إلى سيف مصلت ودرع حصينة، سيف في وجه الطغاة، ودرع تصون الوطن.

نقل عبدالجبار معرفي أخبار الكويت بأجهزته اللاسلكية الخاصة التي كانت خير عوض عن توقف أجهزة البث الرسمية التي استولى عليها المحتل، وظنّ أنه قد قطع الصلة بين الكويتيين الصامدين على أرضهم وبين قادتهم وإخوانهم الذين كانوا في الخارج يبحثون عن أي وسيلة للتلاقي ومعرفة أخبار الأهل والإخوان.

وبالفعل كان معرفي على اتصال دائم بالحكومة من يوم الغزو إلى يوم التحرير، ينقل إليها أخبار المقاومة، ويتلقى منها الإرشادات والتوجيهات التي يبثها وينشرها بين المواطنين، رغم ما كان يمثله هذا العمل من خطر داهم على حياته وعلى حياة أسرته جمعاء، لكنه قدّم الوطن على كل ما سواه، مؤمناً بأن الكويت وطن يحيا ويعيش في نفوس أبنائه وقلوبهم مثلما يعيشون هم فوق أرضه وتحت سمائه.

وإذا كان الرجل قد عاش طوال حياته زاهداً في الأضواء، بعيداً عن الشهرة، فإن الكويتيين الذين يعرفونه شهدوا له بالبطولة والوطنية والتضحية والفداء ولايزالون يشهدون.
أما على المستوى الإنساني الخالص فقد كان الفقيد - يرحمه الله- قمة في الإيثار والإخلاص وحبِّ العطاء، فكم امتدت يده البيضاء بالعون لمن يحتاج إليه، وبالمساعدة لمن يبحث عنها في هدوء، من دون مَنِّ أو أذى، فتلك كانت شخصيته، وتلك كانت عادته، وهي عادات الأوفياء وتصرفات الكرام المخلصين.

رحمك الله يا رفيق الدرب ويا صديق العمر وأجزل لك الأجر والثواب، فقد عشت نقيَّ القلب، مطمئن النفس، هادئ البال، مُعْرِضاً عن الشهرة، باحثاً عما ينفع الوطن ويفيد المواطن.

وختاماً أقول لروحك الطاهرة: نم يا أبا أحمد قرير العين، وإنّي لأحسبك في الفردوس الأعلى إن شاء الله مع النبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات