loader

الأولى

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

رؤية مواطن

وداعاً.. صانع الإعلام


وترجَّل الفارس عن صهوة جواده.
كلمات موجزة لا تَصْدُق على أحد في مجال الإعلام، بقدر ما تصدق وتنطبق تمام الانطباق على الإعلامي الفذ، والمفكر المبدع، والسياسي البارز محمد ناصر السنعوسي.
ترجّل السنعوسي عن جواد الحياة بأسرها، وعن الدنيا كلها، بعد أن لقي وجه ربّه راضياً مرضياً، إثر مسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز، فيّاضة بحبِّ الكويت وأهل الكويت.

رحل رجل الإعلام الأول محمد السنعوسي، الذي ملأ الدنيا بحيويته ونشاطه، وشغل الناس بأفكاره التي سبقت عصره، وبأعماله التي ستبقى شاهدة على أن الكويت والسنعوسي وجهان لعملة واحدة، فقد أحبها وهام بها لدرجة العشق والهيام، فأعطته ما يستحقه من القدر والمكانة وعلو الهامة والقامة، ووثق به الكويتيون، ولم يختلفوا على موهبته الفريدة، وعقليته المتفتحة، التي خلَّفت آثاراً إيجابية عديدة لا يمكن للزمن أن يمحوها، ولا يجرؤ أحد على أن يهيل عليها التراب.

الإعلامي الكبير الراحل محمد ناصر السنعوسي الذي لبى نداء ربه أمس، وانتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، كان - على امتداد عمره الطويل- نبض الكويت، وحس الكويت، يترجم مشاعرها برامج إذاعية وتلفزيونية متميزة، وينقل رؤاها وأحاسيسها عبر الأثير إلى العرب والعالم في دقة بالغة، وبأساليب عصرية سبق إليها غيره، وبزّ فيها سواه، وتفوق من خلالها على إعلاميين كثيرين، لم يصلوا إلى معشار ما وصل إليه، ولم يحظوا بمثل ما حظي به من تقدير واحترام وإجلال، كل ذلك كان في وقت لما تعرف فيه المنطقة شيئاً عن التلفزيون، بل تسمع عنه مجرد السماع.

وأظن بل أوقن أنه لا يختلف كويتيان على القيمة المهنية والإعلامية للفقيد الراحل، الذي تعلّق بأدائه الكبار والصغار على حد سواء، وتأثر بمدرسته الإعلاميون المتميزون لا في الكويت وحدها، بل في المنطقة الخليجية والعالم العربي، بل وكل الناطقين بلسانه ولو كانوا في البلاد الأجنبية القريبة والبعيدة.
وإذا أردنا أن نشير -مجرد إشارات- إلى ما قدمه السنعوسي للكويت فإن المجال لا يتسع، حيث يحتاج ذلك إلى صفحات وصفحات، لأن للرجل بصمة في كلِّ مجال، وأثراً في كل موضع، وتجربة حيّة فريدة في كل ميدان.

ولعلّ من المتفق عليه بين العامة والخاصة أن الرجل كان موسوعي الثقافة، متعدد المواهب، حر الفكر، لا تمنعه من الجهر بآرائه، والإعلان عن وجهات نظره أغلال أو أسوار أو أصفاد. ومن المسلَّم به أيضاً أنّ الراحل الكبير الكريم جمع بين الثقافة الأوروبية الحديثة، والأصول العربية العريقة، فلم تغره الأولى أو تجتذبه نحوها فينسلخ عن عروبته وأصالته، ولم تحل تربيته المحافظة بينه وبين السعي نحو الحداثة والتطوير.

وإذا كان الرجل قد درس في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية، ثم التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية في مصر، فإنّ ذلك بالقطع من الأسباب والعوامل التي جعلت منه شخصية لا تحدها الحدود، ولا تمنعها من الإبداع والابتكار مخاوف أو قيود.
ولأنه كان بنظرته الثاقبة، يستشرف المستقبل، ويقرأ مقدماته بمنتهى الوعي والفطنة والذكاء، فقد بدأ مبكراً جداً يضع لمساته وبصماته على الحياة الكويتية، فهو أحد مؤسسي التلفزيون، وأهم أعمدته منذ انطلق في العام 1960، إذ كان معدّاً ومنتجاً ومخرجاً ومراقباً لا يشق له غبار في كلّ عمل تولاه، وفي كل وظيفة سعت إليه، ولم يسع إليها أو يطلبها، إيماناً منه بأنَّ البضاعة الجيدة تفرض نفسها، وبأنّ ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وبأن الزبد لا يذهب إلا جفاء، ولا يكون إلا أدراج الرياح.

ولأنه كان بفطرته ومكوناته وطبعه قامة إعلامية، وعلامة فارقة في مسيرة الإعلام الكويتي، فقد كان من الطبيعي أن يتقلد في ذلك الحقل أرفع المناصب، ومن ثم وصل إلى منصب وكيل مساعد في وزارة الإعلام، ثم تولى حقيبتها في الوزارة التي شكلها سمو رئيس مجلس الوزراء الأسبق الشيخ ناصر المحمد الصباح، قبل أن يغادرها مرفوع الرأس، معتزاً بعطائه، غير تابع ولا منقاد.

إنّ من شارك في إنتاج فيلم الرسالة قبل عشرات السنين، ومن شارك في إنتاج عمر المختار قبل عشرات السنين، ومن أسس فرقة التلفزيون وجعل منها صوتاً شادياً للكويت وللكويتيين، في وقت لم يكن أحدٌ يدرك شيئاً عن دورها ودور التلفزيون عامة في بناء الوعي، ونشر الثقافة، لا يمكن أن يكون أبداً من المأمورين الخاضعين، ولذلك ظلّ طوال حياته مقدّراً وموقراً سواء ممن آمنوا بفكره ونهجه، أو ممن اختلفوا معه في الرؤى والتوجهات.

وعلى صعيد الترفيه والانفتاح على روح العصر حدِّث ولا حرج، فالمشروعات السياحية عنوان عليه، ومن صنع يديه، إذ ذُكرت ذُكر معها، لأنه بانيها ومؤسسها، وصاحب الأيادي البيضاء في ظهورها إلى النور، واحتلالها مكانة مرموقة في الأوساط الخليجية والعربية، حتى غدت الكويت بسببها قبلة الأشقاء، ومهوى أفئدتهم، يؤمونها طلباً للترفيه الهادف النظيف. وهكذا كان الرجل قمة في مجال، ونبراساً في ميدان.

رحمك الله يا أبا طارق، أيها الصديق الأبي، الوفي العزيز، أيها الوطني الكويتي العربي الغيور على بلده ووطنه وأمته، وأنزلك منازل الصديقين والأبرار، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
أما أسرتك الصغيرة التي تضم أهلك وأقاربك وذويك، وأسرتك الكبيرة التي تشمل كل الكويتيين، فنسأل الله تعالى لها الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات