loader

الأولى

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

رؤية مواطن

المحن تزيد الكويتيين قوة وصلابة وتمسكاً بالوحدة الوطنية


 قبل ثمانية أعوام بالتمام والكمال، وفي صحن جامع الإمام الصادق - عليه السلام - وبينما كان المؤمنون بين ذاكر وقارئ للقرآن الكريم، يتأهبون لصلاة الجمعة وهم صائمون، ارتقت أرواح 27 شهيداً اغتالتهم يد الغدر، من دون أي مراعاة لحرمة الأنفس الزكية الطاهرة، أو لقداسة الوقت المبارك الطيب، أو لخصوصية الشهر الفضيل، الذي من المفترض أن تُسلسل فيه مردة الشياطين.

محترفو الغدر والخيانة، أعداء البشرية والسلام من بني الإنسان تفوقوا على مردة الشياطين فسوّلت لهم أنفسم أن يلقوا بحمم النيران والمتفجرات على المصلين الذين غصّ بهم جامع الإمام الصادق في ذلك اليوم فأوقعوا 27 شهيداً إضافة إلى 227 أثخنتهم الجراح، ونقلهم المواطنون وسيارات الإسعاف إلى المستشفيات بعد أن مَنَّ الله عليهم بالسلامة من شظايا المتفجرات التي كادت تزهق أرواحهم، مع إخوانهم من الشهداء الأبرار.

يا له من مشهد كان قاسياً ومرعباً، ويا له من حمق وإجرام أعمى قلوب وعقول الإرهابيين، وإن كانت عيونهم مفتّحة على إعمال القتل والتدمير والذبح والإهلاك، بعد أنْ صوّرت لهم شياطينهم أنّ أفعالهم النكراء سوف تعود عليهم وعلى من يحركونهم بالربح والفوز العظيم، وما علموا - لجهلهم - أنّ ما يقدمون عليه هو بعينه الخسران المبين.

ومع أنّ الحدث كان مؤلماً، والمشهد كان مؤذياً، والخسائر البشرية المشهودة كانت فادحة، فقد برز للفاجعة وجه آخر، وجه لم يكن الإرهابيون يظنون ظهوره وبروزه، إذ التحمت الأمة الكويتية، وتوحدت مشاربها، وتساندت قواها لتعلن بكلّ جلاء ووضوح أن الإرهاب لا يفت في عضدها، وأنّ المحن لا تزيدها إلا قوة وصلابة، وتمسكا بالوحدة الوطنية، وأن عنصري الوطن لا يمكن أن تفرّق بينهما عمليات خسيسة كمن ارتكبها أو خطَّط لها أوحرَّض عليها، إذ انقلب السحر على الساحر، وارتدَّت قذائف الإرهاب إلى نحور أصحابه، فقتلهم الحزن والكمد والحسرة والنكد قتلاً معنوياً وهم يرون الكويت كلها صفاً واحداً تودّع الشهداء وكأنها تزفهم إلى أعراس السماء، وتضمد جراح المصابين بدماء زكية تنافس على التبرع بها الكبير والصغير والرجال والنساء، فمات الإرهاب وأصحابه بغيظهم لم ينالوا خيراً في هذه الدنيا، ولن ينالوه يوم يقوم الناس لربِّ العالمين.

ولعل من أبرز المشاهد وأشدها تعلقاً بذاكرة كلّ الكويتيين مشهد صاحب السمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح - طيب الله ثراه - ومعه صاحب السمو أمير البلاد المفدّى الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح - وكان وقتها ولياً للعهد - وهما يصلان إلى مكان الواقعة بعد دقائق من حدوثها، غير عابئين بالخطر الداهم الذي كان يلف محيط جامع الإمام الصادق من كلِّ الجهات ليقفا على الأمر بنفسيهما، وليكونا بين إخوانهما وأبنائهما يطمئنان على ما آلت إليه الأمور، ويربتان بالأيدي الكريمة على أكتاف ذوي الضحايا من الشهداء والمصابين، حتى كانت الكلمة المعبّرة الخالدة التي أجراها الله - تعالى- على لسان سمو الأمير الراحل، عندما قال لمن كانوا يحذرونه من الاقتراب من موقع الانفجار خوفاً على سموه: هذولا عيالي.

إنها كلمة مكونة من لفظتين اثنتين، لكنها اختصرت كلّ الكلام، وأكدت بما لا يدع مجالاً لأي شك - أن الكويتيين جسد واحد، وقلب واحد، قلب، ينبذ الفكر المنحرف الضال، ويرفض التفرقة المذمومة الممقوتة، ويقف بالمرصاد لكل الجبناء الضالين، المضلين الذين حبطت أعمالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

حادثة تفجير جامع الإمام الصادق عليه السلام - ستبقى على مدى السنين ناراً ونوراً، ناراً تحرق قلوب الطغاة والبغاة والمجرمين الإرهابيين، ونوراً يستضيء به العقلاء الأذكياء البارعون الذين يعملون لمصلحة الإنسان والإنسانية، ويتصدون - بكل قوة - للطواغيت المارقين أعداء الدين وأعداء الوطن.

إن المشاهد التالية للحادث الأثيم والتي كان أوضحها وأبينها مشاركة الألوف المؤلفة في مراسم التشييع، وحضورهم لتأدية واجب العزاء في مسجد الدولة الكبير، سوف تظل كذلك شاهدة على أن الكويت أمة واحدة وشعب واحد، تزيده الأحداث الجسام قوة إلى قوته، وصلابة فوق صلابته، ولا تفتُّ في عضده تدابير المجرمين الآثمين.

وختاماً نؤكد من جديد أن يوم حادثة تفجير جامع الإمام الصادق - عليه السلام- بقدر ما تجدد الحزن والأسى على مَن اغتالتهم يد الإرهاب، فإنها ستظل بمثابة رسالة واضحة إلى دعاة العنف، وحماة الباطل، ورعاة الجريمة مضمونها أن الشعب الكويتي كله بالمرصاد لمن يحاول أن يخترق صفوفه، أو يفرق بين أبنائه.

فسلام على كل شهيد اغتالته يد الغدر وهو صائم وقائم بين رب العالمين، وسلام على كل مؤمن زهقت روحه ثم صعدت إلى السماء وهو راكع أو ساجد لمن بسط الأرض ورفع السماء.

سلام على شهداء جامع الإمام الصادق عليه السلام، الذين لن تنساهم الكويت وٍطنُ النهار وموئل الأحرار، وأرض الطيبين الطاهرين.

حفظ الله - تعالى - الكويت وأميرها وولي عهدها وأهلها من كلّ مكروه وسوء، ورحم كل من لحق بشهداء الإمام الصادق عليه السلام وأسكنهم فسيح الجنان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات