loader

الأولى

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

رؤية مواطن

إلى جنَّة الخلد يا أبا سطام


من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
بهذه الآية الكريمة، وبأمثالها من آيات الذكر الحكيم، تكون السلوى، ويكون الصبر والتسليم بقضاء الله تعالى وقدره، عند وقوع المصائب، أو فقد الكبار والأعزاء، الذين تنقضي حياتهم مثل كل الأحياء، ولكن يبقى أثرهم، ويستمر ذكرهم الطيب الحسن بعد أن يواريهم الثرى، وتمضي عليهم سُنَّةُ الله في الخلق أجمعين.
ومن هؤلاء الرجال الذين تبكي عليهم العيون، وتحزن لرحيلهم القلوب الشيخ متعب بن محروت الهذال شيخ مشايخ قبيلة عنزة الذي وافاه الأجل المحتوم يوم الخميس الماضي، ففقدت الشهامة بفقده رمزاً من رموزها، وحكيماً من حكمائها، وعلماً كبيراً من أعلامها، حيث عاش حياته عربياً أبياً حقيقياً، تتجلى في سلوكه وتصرفاته قيم العرب النبيلة، وبسالتهم المعهودة، وسجاياهم المشهودة.
عرفت المغفور له الشيخ متعب بن محروت الهذال أبو سطام طيب الله ثراه منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، عرفته رجلاً صادقاً أميناً في صدقه.
لم يكن الشيخ متعب بن محروت الهذال مجرد رجل شجاع لا يخشى المنون، بل كان مجمّعاً للخصال الحميدة التي أهلته عن جدارة ليكون شيخاً لمشايخ قبيلة عنزة يفدُ الكل إليه، ويحرص الجميع عليه، كلمته مسموعة، وآراؤه مرفوعة، بأسه في الحق شديد، ونصره للعدل رشيد، ومن هنا انتشر اسمه بين القبائل ، فاحتكمت إليه في أمورها العشائرية، ليفصل بينها، ويقول بشأنها القول الفصل الذي لا مواربة فيه، ولا مداهنة ولا مراوغة ولا هزل.
وإذا أردنا العودة إلى نشأة وحياة الشيخ متعب بن محروت الهذال، فسنجد أن كبار القبائل يعرفونها حق المعرفة، ويدركونها تمام الإدراك، فالرجل -كما قلنا- كان ذا مقام رفيع بين الكبار، يحظى بينهم بكل احترام وتقدير وتبجيل، ولكن لا بأس من ذكر شيء عن صفاته وسجاياه ليقف أمامها جيل الشباب في منطقة الخليج عموما، وفي بادية العرب على وجه الخصوص.
عمَّرَ الرجل 90 عاماً كان خلالها ملء السمع والبصر على مر الأيام والليالي والسنين فهو من مواليد 1932م، وسار على درب أبيه، حكيماً في تعاملاته، رزيناً في قراراته، يُقبل ولا يُدبر، الأمر الذي جعل له مكانة متميزة بين ملوك وأمراء دول الخليج.
ولأن الرجل كان استثنائياً بكل المقاييس، فقد واجهته في حياته صنوف من الابتلاءات والأزمات استطاع بشخصيته الفريدة أن يخرج منها قوي الإرادة غير منكسر ولا مهزوم، ففي سنة 2015 لقي ابنه أورنس مصرعه في تفجير بمحافظة الأنبار عقب عمل انتحاري استهدفه وأسقط معه 5 من أقاربه، فصبر واحتسب، ولم يغير موقفه المعادي للتطرف، والرافض للعنف والإرهاب الداعشي، الذي لا يقبله أحد من العقلاء المنصفين.
وقبل ذلك تعرض الشيخ نفسه للاعتقال على أيدي القوات الأميركية بتهمة استضافته عناصر من خارج العراق، ومكث في معتقله فترة طويلة مع 70 من عائلته لا تلين له قناة، ولا تخور له قوة، لأنه الرجل المخلص الأمين الذي لا يُباع ولا يُشترى، لأن دماء العروبة سرت في شرايينه، وبسالة العروبة لا تفارقه ولو كان من بين السجناء.
وباختصار شديد نقول إن رحيل شيخ مشايخ قبيلة عنزة متعب بن محروت الهذال هو مجرد غياب البدن عن هذه الدنيا الفانية، أما روحه، ومآثره فستبقى خالدة، وستظل قيمه ومبادئه يتوارثها جيل بعد جيل ليس في جزيرة العرب وحدها، بل في كل أرجاء الوطن العربي الكبير، ذلك لأن الرجل كان مهيباً، وكان أميناً، وكان شجاعاً يطيعه الشجعان.
رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات