loader

الأولى

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

رؤية مواطن

الكويت عصيِّة على الاختراق


تسعة أعوام مرت على حادثة الاعتداء الأثيم، والعمل الإرهابي الجبان الذي نفذه عدد من محترفي القتل والترويع في صحن وأروقة جامع الإمام الصادق -عليه السلام- فأودى بحياة 27 صائماً وقائماً، ارتقت أرواحهم بالشهادة إلى جنان الخلد، مصداقاً لقول الله تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.

تسعة أعوام مرت على تلك الحادثة البشعة ولا تزال 227 أسرة كويتية يقتلها الألم، ولا يزال أفرادها يرون آثار الإجرام بادية وواضحة على أجساد ووجوه المصابين الذين أثخنتهم الجراح، وتركت على أبدانهم علامات وندوباً خلَّفتها خسة الجناة الذين تجردوا من كل القيم والمبادئ الإنسانية، قبل أن يتجردوا من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، الذي يقدّس حياة الإنسان، ويعظّم شأنها، إذ يقول الحق تبارك وتعالى: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا.

تسعة أعوام كاملة مرت على هذا الحادث الأليم، ولا تزال مشاهده عالقة في الأذهان، لا يضعفها مرور الوقت، ولا يطويها النسيان، لأن المأساة كانت كبيرة وهائلة، ولأن الخسائر البشرية كانت فادحة، ولأن ما أعقب الفاجعة كان رداً مدوياً أخزى الإرهاب والإرهابيين، وأذلَّ الإجرام والمجرمين، ورد كيدهم إلى نحورهم، فماتوا كمداً وحسرة، بعد أن فشلوا فشلاً ذريعاً في تحقيق مآربهم الخسيسة، وفي مقدمتها شق الصف الوطني الكويتي الواحد، وإشاعة الفُرقة والاختلاف والضغينة بين أبناء الكويت الذين ازدادوا بعد الحادثة توحداً واتفاقاً، وتعاوناً ووفاقاً.

إن محترفي القتل والتدمير، ودعاة البغي والتفجير، ومدمني الإرهاب والترويع، لم يراعوا حرمة اليوم، ولا شرف المكان، ولا خصوصية الشهر، ولا رفعة الوقت، فأقدموا في يوم جمعة، وعندما حان وقت الصلاة وفي شهر رمضان، وداخل بيت من بيوت الله على جريمتهم النكراء، ففجروا ما لديهم من عبوات ناسفة على الركع السجود والصائمين، وهذا لا يصدر إلا عمن فاق الشياطين في شرها الداهم المستطير!

ومع أن هذا التفجير الخسيس قد خلف 27 شهيداً و227 مصاباً، فضلاً عما أحدثه من تدمير وترويع، فقد كان له وجه آخر، شاءت إرادة الله تعالى أن تبرزه وتظهره بجلاء ووضوح، وهو الوجه المشرق المضيء للكويت قيادة وشعباً، إذ كانت القيادة ممثلة في المغفور له -بإذن الله- سمو أمير البلاد الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح -طيب الله ثراه- وفي سمو ولي العهد وقتها سمو الأمير الراحل الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح -طيب الله ثراه- أول الواصلين إلى مكان الحدث، يتفقدان الجامع ويواسيان الحضور، ويوجهان ويرشدان ويقفان وسط المواطنين، مع أن الخطر كان لا يزال قائماً ووارداً، لكنهما -عليهما رحمة الله- تصرفا بتلقائية وعفوية كما يتصرف الآباء مع الأبناء في أوقات المحن والأحزان.

ولا ينسى الشعب الكويتي، ولن ينسى تلك المقولة الخالدة التي أجراها الله تعالى على لسان سمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح -طيب الله ثراه- عندما قال: هذولا عيالي وما أحدثته تلك الكلمة في نفوس كل الكويتيين الذين غصت بهم المستشفيات والمراكز الصحية وهم يصطفون ليتبرعوا بدمائهم الزكية من أجل إسعاف الجرحى المصابين.

لقد توحدت الأمة الكويتية في أعقاب حادثة التفجير حتى وصلت إلى درجة الالتحام وأثبتت - بما لا يدع مجالاً لأي شك- أنها صف واحد، لا يمكن أن يخترقه أو يفتّ في عضده عمل إرهابي جبان خطط له المجرمون ودبّر له الخائنون، فرأينا الألوف المؤلفة يشيعون الشهداء، ثم يشاركون في مراسم العزاء التي احتضنها مسجد الدولة الكبير في مشهد أبرز للجميع أن الكويت على قلب رجل واحد، لا تلين لها قناة، ولا تضعف لها همّة، ولا تزيدها المواقف الصعبة إلا قوة واتحاداً.

ذكرى تفجير جامع الإمام الصادق -عليه السلام- بقدر ما تحمله من أحزان وألم، فإنها في الوقت نفسه تبعث في النفوس الثقة بأن الكويت عصية على الاختراق ما دام شعبها واعياً، وما بقيت عيونه مفتوحة، وعقوله متوقدة تميّز بين المحبِّ الحقيقي من جهة، وبين الكاره الحسود، الذي قد يرتدي أحياناً لباس التقوى وثوب الدين.

ولعلّ من أهم الدروس المستفادة من حادثة تفجير جامع الإمام الصادق -عليه السلام- أن يفوّت كل كويتي الفرصة على المتربصين المغرضين، وأن يقطع الطريق أمام مثيري الفتنة الذين لا يروق لهم أن يروا شعب الكويت ثابتاً على مواقفه الوطنية، رافضاً محاولات الدس والوقيعة، متسامياً على دعاوى الفرقة والاختلاف، ولو لبست لبوس المصلحين، رافضاً كل الرفض الأساليب الملتوية لشق الصف، وزرع الضعف، لأنه يعي أهدافهم الرخيصة، وغاياتهم الخبيثة.

هذا الشعب الذي ما زادته المحن إلا صلابة، وما فتت يوماً في عضده الشدائد لا يمكن أن ينخدع أبداً بما يروِّج له البعض في مواقع التواصل الاجتماعي عن وجود خلافات وصراعات بين أفراد الأمة، فهو أذكى من أن يغرر به أحد، وأكبر من أن ينساق إلى ما يبثه الموتورون الذين ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

وليس من شك في أن حادثة تفجير جامع الإمام الصادق -عليه السلام- وما صاحبها، وما أعقبها من مواقف وطنية مشرفة، توقظ فينا الوعي، وتعزز لدينا الثقة في أننا جسد واحد في وطن واحد، وسنبقى جسداً واحداً ويداً واحدة وقلباً واحداً، مهما حاول الطابور الخامس والمرجفون في المدينة أن ينالوا من وحدتنا بأكاذيبهم وأباطيلهم التي تزينها لهم قلوب مريضة وعقول فاسدة.

وفي الختام نقول: علينا أن نأخذ من تفجير جامع الإمام الصادق -عليه السلام- العظة والعبرة والدروس، فبالوحدة الوطنية، وبرص الصفوف واجتماع القلوب، نقهر الصعاب، ونهزم اليأس، ويقوى فينا الأمل، ويزداد في بلدنا العمل.

حفظ الله - تعالى - الكويت وأهلها من كل مكروه وسوء في ظل قيادة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح الذي نعاهد سموه على الولاء والطاعة والوقوف خلفه صفاً واحداً مؤمنين بقيادته الحكيمة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات