loader

مصابيح

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

حب في البلاتوه

محمود المليجي وعلوية جميل.. «شرير الشاشة والمرأة الحديدية».. رحلة عمر بدأت بالموت


لكن أحداً منهم لم يشاطرني الألم والحزن بمثل ما كانت تشاطرني به السيدة علوية جميل.. الجملة السابقة ربما تفسر كيف امتدت الحياة الزوجية بين شرير الشاشة في السينما المصرية، الفنان الراحل محمود المليجي، والفنانة علوية جميل، التي لطالما عرفها الجمهور في أدوار المرأة المتسلطة، لأكثر من 40 عاماً، وهي الجملة التي جاءت على لسان المليجي في أحد حواراته التي تحدث فيها عن علاقته بـشريكة العمر.

لقاء الحزن

المفارقة في علاقة المليجي وعلوية، أن الموت كان سبباً فيها، فالفنان الشاب الذي انضم حديثاً إلى فرقة يوسف بك وهبي المسرحية، دفعته الظروف لمغادرة والدته المريضة في القاهرة والسفر مع الفرقة إلى محافظة دمياط، قبل أن يصله تلغراف يبلغه بأن والدته في مرحلة خطرة من حياتها، وعلم كل أفراد الفرقة بأمر التلغراف الحزين وتجمعوا حوله يواسونه ويصبرونه ولكن أحداً منهم لم يشاطره الألم والحزن بمثل ما كانت تشاطره به زميلته في الفرقة الفنانة علوية جميل، التي جلست معه تُسهّل عليه الأمور، وتخفف عليه من وطأة الحزن.

مرت ساعات الليل ثقيلة على المليجي، ومع أول ضوء للنهار كان في طريقه إلى القاهرة بعدما استأذن من الأستاذ يوسف في السفر إلى القاهرة، وفور وصوله كان نبأ وفاة الأم في انتظاره، والذي قال عنه: شعرت بأنى في احتياج إلى قلب حنون يشاطرني آلامي ووحدتي.. واتجه تفكيري مباشرة إلى هذه السيدة التي غمرتني بعطفها وشعورها الطيب.. وعندما عادت الفرقة من رحلتها جاءتني على غير موعد لتقدم لي التعزية.. وبدأ نوع من التآلف بيني وبينها، وبعد شهر تقريباً عرضت عليها الزواج، وكنت متردداً لخوفى أن ترفض طلبي ولكنها قبلته .

المليجي ومفترق الطرق

المليجي، وبحسب المؤرخ الفني الراحل عبدالله أحمد عبدالله، بعدما أنهى دراسته في المدرسة الخديوية أصبح في مفترق طرق، وتردد على شارع عماد الدين للبحث عن فرصة للتمثيل، إذ كان يزدحم بدور المسرح وتجمعات الفنانين، وذات يوم صادف الناظر لبيب الكرواني، وكان الأخير يعرف أنه يعشق التمثيل، فسأله عن أحواله، وحاول أن يقنعه بأن يعود إلى منزله، ويكمل تعليمه العالي، ولكن تلميذه أخبره بأنه سيحترف الفن، فأخذه من يده إلى فاطمة رشدي، وقال لها: هذا الولد موهوب وإن كنت أتمنى أن يكمل تعليمه، لكنه يريد أن يصبح ممثلاً، فوافقت على إلحاقه بفرقتها، وأصبح، يتقاضى أربعة جنيهات عن كل ليلة عرض لمسرحيات عدة، من بينها مجنون ليلى و667 زيتون.

الطفلة علوية زوجة

أما الفنانة علوية جميل، اسمها الحقيقي إليا صابات خليل مجدلاني، كانت تنتمي إلى أسرة ذات أصول لبنانية يهودية، هاجر والداها إلى مصر بعد إشهار إسلامهما، وولدت في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية (دلتا مصر)، يوم 15 ديسمبر1910، وتلقت تعليمها بمدرسة الراهبات بمدينة الإسكندرية، قبل أن تتزوج وهي بعد في الثالثة عشرة من عمرها، وأنجبت منه ثلاثة أبناء (إيزيس وجمال ومرسي).

انتقال لـالقاهرة

وفي ذلك الوقت توفي والدها، وانتقلت والدتها للعيش في القاهرة، وتفاقمت الخلافات بين علوية وزوجها، وأسفرت عن طلاقها، فعادت إلى منزل أسرتها، وهناك شغلت وقت فراغها بالقراءة والتطريز، قبل أن تلعب الصدفة دوراً في العام 1927 عندما قرأت إعلاناً في جريدة الأهرام، بتوقيع الفنان يوسف وهبي، يطلب فيه انضمام فتيات مثقفات ولديهن الموهبة إلى فرقة رمسيس المسرحية، وأخفت الجريدة كي لا يقرأ أحد أفكارها ومنحها الفنان الراحل يوسف بك وهبي فرصة الصعود إلى خشبة المسرح في أدوار ثانوية، واختار لها اسمها الفني علوية جميل وبدأت رحلة الصعود إلى أن حققت نجاحها في مسرحية أحدب نوتردام عام 1927.

ثورة عائلية على الممثلة الشابة

واجهت علوية ثورة من الغضب، عندما علمت أسرتها باشتغالها بالتمثيل، ووصل الأمر إلى المحاكم، ما دفع يوسف وهبي إلى زيارة والدتها، ومعه شقيقه المحامي إسماعيل وهبي، وأقنعها الأخير أن كثيراً من أبناء العائلات الراقية، يعملون في الفن، ومنهم يوسف وهبي، ومختار عثمان، وبهيجة حافظ، وسليمان نجيب، وغيرهم، واشترطت الأم أن تمثل ابنتها باسم مستعار، وهو ما كان قد فعله يوسف وهبي فعلاً.

الظهور الأول

وظهرت علوية لأول مرة على الشاشة في أول فيلم مصري صامت هو زينب، تأليف محمد حسين هيكل وإخراج محمد كريم، وبطولة بهيجة حافظ وزكي رستم ودولت أبيض وعبدالوارث عسر، وعُرض الفيلم في دار سينما جوزي بلاسر بالإسكندرية يوم 14 يوليو 1930، وحقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً.

وبالعودة إلى علاقة محمود وعلوية، فهناك روايات تشير إلى أنه بعد وصول نبأ مرض الأم إلى الممثل الشاب اكتشف أنه كان لا يملك تكاليف السفر وإجراء مراسم الجنازة، فأظهرت زميلته في الفرقة علوية شخصيتها الأصيلة، وربتت على كتف زميلها قائلة: لا تحمل هماً... انتظرني وسأعود حالاً.

وتركته مع زملائه الذين أسرعوا لمواساته، وذهبت لبيع بعض مصاغها الذهبي، وأعطته 20 جنيهاً ليسافر في أسرع وقت. لم يدر ماذا يقول لها، فما كان منه إلا أن شكرها وانصرف.

تزوج محمود وعلوية، وكان زواجهما حديث الوسط الفني، وكونا معاً ثنائياً فنياً ناجحاً في مجموعة من الأفلام التي لا تزال حاضرة في أذهان جمهور السينما، منها أولاد الفقراء (1942)، وابن الحداد (1944)، وأسير الظلام (1947)، وسجين أبوزعبل (1957)، والمبروك (1959).

نساء في حياة شرير الشاشة

المثير في الأمر هنا، أن الحب الكبير الذي كان يحمله المليجي لـعلوية، لم يمنعه من النظر إلى نساء أخريات، غير أن شريكة العمر لم تقف صامتة أمام نزواته، بل واجهت الأمر بـقوة دفعت المليجي إلى أن يطلق عليها لقب المرأة الحديدية، بسبب غيرتها الزائدة، ورقابتها الشديدة عليه خشية أن يتزوج من أخرى، لا سيما وأنه حاول أكثر من مرة، وكان المرة الأولى عندما وصل إلى مسامعها أنه ينوي الزواج من الفنانة درية أحمد زميلته في فرقة إسماعيل ياسين المسرحية، وعند معرفتها بالخبر أجبرته على الابتعاد عنها، وأمرت الراحل إسماعيل ياسين بطرد درية أحمد من الفرقة، وقد كان.

الشدة التي تعاملت بها علوية مع نزوة المليجي لم تجعله يرغب في عدم تكرار التجربة، بل على العكس تماماً، لم تكد تمر فترة إلا وسقط في حب الممثلة ذات الأصول اللبنانية فوزية الأنصاري، وقرر الزواج منها، لكن علوية كانت له بالمرصاد، حيث أجبرته على تطليق فوزية بعد ثلاثة أيام من الزواج، ويقال انها اتصلت هاتفياً بالعروس، ورمت عليها يمين الطلاق، وقيل إنها طلبت إلى مدير الفرقة أبوالسعود الإبياري أن يطردها، حتى تفرق بينهما في الحياة والتمثيل.

علوية الزوجة والأم

وبحسب شهادات عدد من نقاد الفن الذين عاصروا رحلة صعود المليجي في حضرة علوية، فإن الأخيرة تعاملت معه بروح الزوجة والأم معاً، وأثمر هذا النظام الصارم قدراً كبيراً من التألق له كممثل، واكتشاف موهبته في التأليف، وقد كشفت المرأة الحديدية سر نجاح حياتها الزوجية مع المليجي، بالإشارة إلى أن الاحترام المتبادل جمعهما خلال رحلة دامت 44 عاماً، وأن الزوجة لا تستطيع أن توفر الاستقرار الأسري، من دون أن يكون لديها قدر من التسامح، واستعداد شريك العمر لعدم تكرار أخطائه، وهو رأى رد عليه المليجي بتأكيده أنه يقدر زوجته، وثمة سبب جوهري للسعادة بينهما، وهو عدم النقاش حول العمل، والاستقلال المادي، فكلاهما يعمل في مجال واحد، ولكنه يصر على أن يتحمل نفقات البيت وحده، ويؤدي واجبه كزوج، وإن كان يضطر أحياناً إلى الاقتراض منها.

أحزان المرأة الحديدية

خلال حياتها تلقت علوية صدمات موجعة، من بينها صدمتها عندما فقدت ابنتها إيزيس، والتي روت تفاصيل ذلك في حوار إذاعي نادر ببرنامج إني أعترف، عندما أكدت أنها ذات ليلة كانت في المسرح، والفرقة تستعد لتقديم مسرحية كرسي الاعتراف، وظلت مشغولة بمرض ابنتها الكبرى الذي طال نتيجة للتشخيص الخاطئ، وكان من الضروري تقديم العرض في تلك الليلة بأي ثمن، لأن الفرقة كانت مرهقة مالياً، ولكنها لم تستطع إخفاء قلقها، وطلبت من يوسف وهبي إعفاءها من العمل للمكوث بجوار ابنتها، وكان عميد المسرح كريماً معها كعادته دائماً،

وحينما همت بمغادرة المسرح وجدت أحد العاملين بالفرقة يخبر وهبي بأن الممثلة التي طلبها لتمثيل دورها في الرواية رفضت النزول من منزلها بأي حال من الأحوال، واضطررت إلى تمثيل دورها، لتقدم في تلك الليلة دوراً من أعظم أدوارها على المسرح وأدت الدور بشكل لفت أنظار الجميع، حيث حاولت نسيان مرض ابنتها بالتركيز تماماً على عملها ولذا خرج الأداء بتلك الصورة الرائعة، وفور انتهائها من التمثيل غادرت مسرعة إلى المنزل لتفاجأ بموت ابنتها، واعتصر الألم قلبها وبقيت طوال الشهور والسنوات التي مرّت على هذا الحادث تذكر تلك الليلة بتفاصيلها الحزينة.

الصدمة الثانية

بعد سنوات، تلقت المرأة الحديدية صدمة ثانية، روى تفاصيلها الفنان يوسف وهبي، فأثناء الحرب العالمية الثانية، كان ابن الفنانة الكبيرة يعمل ضابطاً بحرياً على أحد المراكب، وتعرض لحادث غرق، وذات ليلة كانت فرقة رمسيس تعرض إحدى مسرحياتها بصعيد مصر، وقبل رفع الستار بلحظات كان الفنان الكبير فاخر فاخر يقرأ إحدى الصحف التي تحدثت عن غرق المركب الذي كان يعمل على متنه ابن الفنانة علوية جميل، وإذا بدموعه تنهمر على مصير هذه الأم الثكلى، فعلمت بالخبر وبكت بحرارة في الكواليس، قبل أن يُنادى على اسمها لتقوم بأداء دورها، ولم يكن أعضاء الفرقة يعلمون بالأمر، وصعدت إلى خشبة المسرح، وأدت دورها كما لم تؤده من قبل، وتفاعل الجمهور معها، وانهال التصفيق، وفي النهاية استقبلت ذلك التقدير بابتسامة ممتزجة بالدموع والألم، لفراق اثنين من فلذات أكبادها.

المليجي يموت

نوبة قلبية مفاجئة كتبت نهاية المليجي الذي كان يجلس ممسكاً بفنجان قهوته في كواليس تصوير فيلم أيوب وإلى جواره الفنان الراحل عمر الشريف، والمفارقة أنه كان يقرأ مشهد وفاته في الفيلم، وفجأة انكفأت رأسه، وصرخ الشريف: مالك يا محمود؟، وتلقت علوية خبر رحيله من دون أن تنطق بكلمة.

اكتشاف الزيجة الثالثة

وبعد وفاة المليجي اكتشفت علوية الزيجة الثالثة له من الفنانة الراحلة سناء يونس التي ظلت على ذمته حتى وفاته. وكان ارتباطهما بزواج غير مُعلن، حرصاً على شعور علوية، وتم زواجهما في أوائل السبعينيات بعد أن اشتركا في مسرحية عيب يا آنسة مع النجم فريد شوقي، وعرضتها فرقة المسرح الجديد عام1974، وقد ذكر الناقد المصري طارق الشناوي أن سناء يونس بعد رحيل المليجي تواصلت معه وطلبت منه عدم كشف الخبر، حتى لا يغضب ورثة المليجي، وعندما التقى بها مرة أخرى في عام 2002، وتحدث معها عن الواقعة، والزواج السري، قالت له: يا ريتك نشرت الخبر.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات