loader

الأولى

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع

يمضي الرجال ويبقى النهج والأثر


قال تعالى: «إنَّ المتقينَ في جنّات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر».
وقال عزّ وجل:
«يا أيتها النفس المطمئنة* ارجعي إلى ربّك راضية مرضية * فادخلي في عبادي وادخلي جنتي».
في شهر رمضان المبارك، بل وفي العشر الأواخر من الشهر الفضيل، وبعد حياة حافلة بأعمال الخير والبر والعطاء، صعدت إلى بارئها روح المغفور له بإذن الله تعالى صاحب الأيادي البيضاء، والخصال السمحة ابن الكويت البار العم الجليل حسين مكي الجمعة الذي لقي وجه ربه راضياً مرضياً.
ووالله إن العين لتدمع، وإنّ القلب ليحزن، وإنّا على فراقك يا عمّاه لمحزونون، ولكنّا لا نقول إلا كما علمنا الرسول الأعظم - صلى الله عليه وعلى آله أجمعين- «إنّا لله وإنّا إليه راجعون».
ووالله يا عمّاه لا سلوى لنا، ولا عزاء يربط على قلوبنا، ولا شيء يصبِّرنا على فقدك إلا إيماننا بما قال ربنا في محكم كتابه:
«ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون».
عمّاه: إن من أمارات حُسن الخاتمة أن يُقبض المرء على طاعة، وقد شاءت إرادة المولى – عز وجل- أن ترقى روحك الطاهرة إلى ملكوت السماء، ونحن في شهر الصيام والقيام الذي تفتَّح فيه أبواب الجنان، وكأنها رسالة إلينا، ورسالة إليك، رسالة إلينا أن اصبروا ولا تجزعوا فقد مضى الرجل إلى جوار ربه الكريم، حيث سيجد هناك – بإذن الله تعالى – داراً خيراً من داره، وأنواراً لا يعلم قدرها أو مداها سوى ربّ الأرض والسماء «وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربّها ناظرة».
وهي رسالة إليك يا عمّاه مضمونها أنّك – بإذن الله – في أعلى الجنان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
إنّ هذا الذي أقول ليس إلا إيماناً وتسليماً بوعود ربنا الذي قال في محكم كتابه: «إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً * خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً».
عمّاه: أخاطبك وأنت في دار الحق، فأقول لك: إن ما صنعت يداك من خير سيبقى حديث الناس، ولن ينتهي أجره وثوابه بانتقالك إلى الرفيق الأعلى، بل سيظل مردوده ممدودا إليك وأنت في قبرك، لأنك خلَّفت من ورائك أبناء صالحين يدعون لك سواء كانوا أولادك الفعليين الذين من صلبك أو أبناءك الذين شملتهم برعايتك وعنايتك لقاء وجه الله، كما خلَّفت صدقات جارية لن ينقطع عطاؤها أو تفنى ثمارها، إضافة إلى العلم الذي أدخلته إلى الكويت، وسعيت إلى وجوده داخلها، متمثلاً في المستشفى الذي يحمل اسمك وهو مستشفى حسين مكي الجمعة لأمراض السرطان الذي يقدم خدماته لعموم المواطنين والوافدين منذ عشرات السنين.
عمّاه: يا صاحب السيرة العطرة، والمسيرة الزاخرة والعطاء الجزيل: إن الكلمات لتعجز عن الوفاء ببعض حقك، ولكنها مجرد كلمات أجراها الله تعالى على لساني، كما أجرى مثلها وخيراً منها على ألسنة كل المواطنين، وكل الوافدين الذين ربما لم يلتقوا بك، ولم يتعاملوا معك، ولكن سبقت إليهم سيرتك، فعرفوا من خلالها أنك نعم الرجل ونعم الوفي ونعم الأمين.
عمّاه: إذا أردت أن أحدّث الناس عنك، أو أن أكتب بضعة سطور عن حياتك، فإن الأمر يستدعي صفحات وصفحات، بل كتباً وروايات، رغم أنك عشت حياتك كبيراً في تواضعك، كبيراً في عطائك بعيداً عن صخب الصحافة وأضواء الإعلام، وآثرت البناء في الخفاء، وتلك - لعمري - أخلاق النبلاء والعظماء.
لقد كنت يا عمّاه بعيد النظر ثاقب الفكر، تعمل في صمت، وتدرس بعناية، وتتصرف مثلما يتصرف الفطنون الحاذقون، الباحثون عن مجد الوطن وراحة المواطنين، فقد سبقت الجميع عندما أسهمت بجهدك وخبرتك وتجاربك في تأسيس البنك الأهلي الكويتي، ليكون إحدى اللبنات المؤثرة في بناء الاقتصاد الوطني وفي جعل الكويت قامة مالية ليس على المستوى الخليجي وحده، بل وعلى المستويين الإقليمي والعالمي.
وبثاقب نظرك، ورجاحة عقلك حققت يا عمّاه نقلة نوعية هائلة في الهندسة المعمارية، فشيدت من المباني والعمارات أفضلها وأحسنها سواء من ناحية الشكل أو ناحية المضمون، وكنت كذلك السبَّاق إلى استيراد السيارات لتوفر للمواطن الكويتي حاجته من المركبات التي كانت في حينها عصيّة على الدخول إلى السوق الكويتي.
أما عن الحياة النيابية فقد خضت دروبها بحنكة وجدارة، وأثبت فيها ذاتك وقدراتك وطاقاتك الهائلة، وقت أن كنت نائباً تحت قبة مجلس الأمة في عام ????، إذ مارست دورك البرلماني بحكمة الحكماء، ورؤية الأوفياء وفطنة الفطناء، فالقول فصل لا هزل، والعمل قصد ليس فيه اندفاع ولا إبطاء، لأن مصلحة الوطن كانت عندك فوق كلّ اعتبار.
ومثلما كان عطاؤك النيابي، جاء عطاؤك لغرفة التجارة والصناعة التي شغلت عضويتها ما يقرب من 20 سنة (1965 - 1983) كنت خلالها صاحب الرأي السديد والقول الرشيد، والفكر المتطور الجديد.
أما دورك المجتمعي فيأتي على قمته، ويمثّل ذروة سنامه ذلك الصرح الطبي الهائل الذي أنفقت على إنشائه ما أنفقت، وبذلت من جهدك لعمارته ما بذلت، وهو مركز حسين مكي الجمعة لعلاج السرطان الذي أتممت إنشاءه في 7 أشهر، وجلبت إليه طاقماً طبياً أجنبياً وتم افتتاحه في عام 1982 ليقدم من يومها وحتى الآن خدماته للمرضى من سائر البلدان والأصقاع، وليخفف أوجاعاً وآلاماً كانت تفتك بالمرضى والمصابين.
عمّاه: إنني أذكر غيضاً من فيض عندما أشير إلى نذر يسير من أعمالك. ولا أقصد بذلك أن أضيف شيئاً إلى سيرتك وعلو همتك، فكلّ ذلك معروف عند الخاصة والعامة، لكنني قصدت أن أقول باختصار شديد كما قال الأولون: يمضي الرجال ويبقى النهجُ والأثر.
فإذا كنت أيها الراحل الكبير، قد مضيت بجسدك، فإن روحك معنا تدفعنا إلى السير على نهجك وترسُّم خطاك التي لم تسعَ إلا للخير، ولم تكن إلا للبناء والتعمير في مختلف المراحل، وفي شتى الميادين.
عمّاه.. أيها الراحلُ العظيم: على المستوى الشخصي كنت لي وكنت لكل عائلتي السند والظهير، وكنت المعلم والملهم، وكنت الإنسان في أرقى صور الإنسانية، وقد آثرك الله علينا، واختارك إلى جواره في شهر الصيام والقيام، وإنّا على دربك لسائرون، ولنهجك مقتفون، فنم قرير العين مرتاح الضمير تؤنسك في قبرك الباقيات الصالحات، وهي خير ثواباً وخير أملا.
وفي الختام أقول لك يا عماه طبت حيّاً وميتاً، وسلام عليك يوم ولدت، ويوم مضيت ويوم تبعث حيّا.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات