loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

خرابيش

متغربيناش


متغربيناش وتقولي قدر.. متتوهيناش في مواني سفر.. متضيعناش في دموع وفراق.. هتجيبي منين زينا عشاق.. في قلوبنا حصاد.. في عينينا مطر..
منذ بداية الفكرة في سفري للخارج والتي كنت ضدها تماما مثل كثير من أقراني حتى أنني كتبت مقالا في المرحلة الثانوية عن هجرة الشباب وناديت طوال أيامي الجامعية بعدم السفر والاستقرار وبناء المستقبل في البلاد،

وكم تعاليت وتماديت في نقدي لمن تتملكهم فكرة السفر والبعد عن الأهل والأحباب، وكنت أتهكم دوما بجملة واحدة إذا فكر الجميع في السفر فمن سيبقى ليبني مستقبلنا ومجدنا حتى أنني أعددت شريط كاسيت بأغاني الغربة وكنت أسمعها لأصدقائي دائما ليعلموا كم هي مشاعر عصيبة وكم هي المعاناة التي يعانيها المغتربون،

وكانت لنا جلسات وحوارات عن فكرة السفر والهجرة وخاصة في المرحلة الجامعية ولا شك أن الكثيرين كانوا مع هذه الفكرة قلبا وقالبا والأدهى أن هناك من كانت حالتهم الاقتصادية مستقرة بل ومتيسرة ولكن للأسف كنا نسمع جملة غريبة وتتردد إلى اليوم وهي الهروب من هذه الحياة وهذا الواقع وتجربة أوطان أخرى والعيش مع ناس آخرين عاشوا ظروفا مستقرة جعلت من أسلوب حياتهم وحرياتهم ما يجعلهم يتعاملون مع البشر بشيء من الاحترام والآدمية،

وكنا ننتقد هذه الفكرة كثيرا ونعلم أن الحياة لا تخلو من المنغصات والشر وانتهاك الحريات موجود حتى في أكثر المجتمعات حرية، وهناك الكثير من الشواهد على ذلك، وكانت هناك أشعار وأغانٍ محفورة في ذاكرتي منها ما ترسخت في ذهني كثيرا بعد السفر والاغتراب حتى أنه منذ وجود برنامج الواتس أب على الهواتف الذكية وأنا أضع على حالتي جملة متونسة بحس مين يامصر في غيابي للشاعر عبدالرحمن الأبنودي لأني كنت محبا وعاشقا لبلادي ومناطقها وأحيائها كثيرا ومن هواياتي التي عرفت بها الترحال والتجول في أحياء مصر القديمة والتاريخية بمساجدها وكنائسها وتاريخها المجيد الذي يبعث على الفخر والاعتزاز لذا كان فراقي عنها صعبا ودربا من دروب الخيال.

وترددت كثيرا في السفر للخارج ولكن أيضا اكتشفت أنه بعد مرور السنين ومع تغير الحالتين الاقتصادية والاجتماعية اللتين نعيشهما كان من الطبيعي أن تتغير وتتبدل قناعتنا وأفكارنا أيضا وسمعت أغنية مهمة جدا أثرت في فكرة سفري للمطرب أحمد ابراهيم ولشاعر مغمور اسمه الدسوقي فتحي تقول كلماتها: متغرب عشانك وفراقي غصب عني.. اسقيني بحنانك ياحبيبتي ياحتة مني فتملكني شعور غريب بأنه اذا كانت الغربة في الوطن عذاب فمن الممكن البعد عنه والغربة خارج الوطن أفضل حتى تحافظ على حبك له، وكنت دوما أسمع أن الشعب المصري هو أكثر الشعوب المغتربة حنينا وحبا للوطن وهذه حقيقية لا ينكرها أحد.

وعند سفري وأنا في الطائرة تذكرت أغنية فرقة الأصدقاء للموسيقار عمار الشريعي وكلمات الشاعر عمر بطيشة واحنا واقفين على الحدود.. مستمرين في الصعود.. اختفى النيل الجميل من تحتنا.. والمدن والريف.. وأول عمرنا شعرت باختناق وضيق شديدين داخل الطائرة،

وتوقعت أنه مع الوقت ستتبدل هذه المشاعر وتزول هذه الغمة وقررت ككثير مثلي أن سنوات الغربة لن تطول ولكن للأسف مع الوقت تجد نفسك مع زيادة متطلباتك ومتطلبات الحياة تغوص في أعماق الغربة وتعيش معها كيانا بلا روح لأنه في زيادة عكسية تزيد السنوات ويزيد الشوق والحنين للوطن وتخشى دوما أن تكون العودة عند الموت وفراق الحياة ويبقى داخلك أمل وحلم أن تعيش ما تبقى من أيامك في وطنك،

وعندما سمعت كلمات الشاعر جمال بخيت بصوت المطرب علي الحجار متغربيناش وتقولي قدر.. متتوهيناش في مواني سفر انتابتني حالة غريبة من الحنق والانتقاد لبلادي وظروفها وأحوالها التي فعلت بي وبغيري ذلك، ولكن مع الوقت أيضا تكتشف أن الوطن ليس بشرا ولا حجارة ولا حدوداً حتى تلقي باللوم عليه، فمهما ضاقت بنا الأحوال ومرت بنا المحن سيبقى الوطن داخلنا نحيا به ويحيا بنا، ومهما طالت السنون فلابد للغريب أن يعود، وكلنا راحلون ولكن سيبقى الوطن..!


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات