ما حدث يوم أمس، أمر مؤسف حقا، فتحويل جلسة الاستجواب الى جلسة سرية، في موضوع غير مبرر على الاطلاق، وهو موضوع التلوث البيئي، هو انتهاك صارخ للمبادئ الديموقراطية، فالديموقراطية ليست فقط حكم أو قرار الأغلبية، وهي ليست الالتفاف على الحقوق الدستورية للشعب بحجة امتلاك الأغلبية!
ففي المجلس الأول 1963، في تاريخ الحياة النيابية، في عهد دستور 1962، وتحديدا بتاريخ 7 ديسمبر 1965 قدّم ثمانية نواب يمثلون كتلة «نواب الشعب» وهم: يعقوب الحميضي، راشد التوحيد، علي العمر، سليمان المطوع، عبد الرزاق الخالد، د. أحمد الخطيب، سامي المنيس وجاسم القطامي، استقالتهم من مجلس الأمة احتجاجا على تمرير وتعديل الحكومة حزمة من القوانين الجائرة، من خلال الاستعانة بـ«الأغلبية النيابية»، وكان من بين هذه القوانين قانون المطبوعات والنشر، وقانون التجمعات، وقانون الوظائف العامة، وقانون الجمعيات الأهلية، لتكون محصلة هذه القوانين وآثارها أن تجعل تعطيل اصدار الصحف، وسحب تراخيصها قرارا اداريا بيد الحكومة، بدلا من أن يكون من خلال القضاء، وتمنع التجمعات، وتكبل الموظفين في القطاع الحكومي، وتمنعهم من الاقتراب من أي نشاط سياسي، وتمنع تدخل الجمعيات الأهلية من تعاطي الشأن السياسي!!
وقال نواب الكتلة في كتاب استقالتهم الشهير والفريد من نوعه: «ان التمثيل البرلماني وسيلة لا غاية، فهو وسيلة لتحقيق غاية نبيلة وهي بناء مجتمع أفضل يتمتع فيه الأفراد بكل الحريات، ويحقق المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، ويقيم العدالة الاجتماعية»، وأضافوا في بيانهم الذي صيغت كلماته بأحرف من نور: «وتحولت بذلك السلطة التشريعية من وسيلة في يد الشعب لتحقيق مزيد من الحريات ومزيد من المكاسب التقدمية الى أداة في يد الحكومة ووسيلة للضغط وخنق الحريات الشخصية والعامة، وأصبح الوضع في مجلس الأمة أقرب الى المسرحيات منه الى المواقف الجادة التي تضع مصلحة الشعب نصب أعينها».
وختم «نواب الشعب» كتاب استقالتهم أن: «التمثيل النيابي أمانة كبرى في أعناقنا يجب أن تؤدى بكل شرف ونزاهة، وشعورا منا بأن القيام بهذا الواجب في ظل هذه الظروف أصبح أمرا مستحيلا، لذلك فان بقاءنا في المجلس والمشاركة في أعماله مساهمة في تضليل المواطنين وايهامهم بأن الديموقراطية في أمان في حين أنها تتعرض للتزييف وأن الدستور مصان في الوقت الذي تتعرض فيه نصوصه لانتهاكات صارخة»!! (انتهى الاقتباس).
ما أشبه الليلة بالبارحة! فالمسرحيات تتكرر، والحجة الجاهزة: «القرار مرّ بالأغلبية، وهذه هي الديموقراطية»!!
وإذا كان «شر البلية ما يضحك» كما نقول في الأمثال، فان وزير الدولة لشؤون مجلس الأمة، خرج من الجلسة بعد انفضاضها، يبشر الشعب الكويتي قائلا: «حريصون على الديموقراطية، وسنعرض على الاعلام غدا (اليوم) كل الردود على الاستجواب»!! ولنسأل معالي الوزير: اذا كنتم ستعرضون «كل» (لاحظ «كل» في قول الوزير) الردود على نقاط الاستجواب في وسائل الاعلام، فلماذا لجأتم للسرية؟!