loader

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

مقاربتان نقديتان تتناولان شعر الراحل يعقوب الرشيد


 

يستحق الشاعر والدبلوماسي الكويتي الراحل يعقوب الرشيد ان يكون حاضرا في ساحة النقد الأكاديمي الكويتي، وسيظل حاضرا في ذاكرة الشعر والناس أيضا، وقبل هذا وذاك في قلوب أصدقائه الذين أحبوه - وأنا منهم - لسجاياه الشخصية والانسانية العالية، وروحه المتوثبة والمتألقة، وعمق احساسه بقيمة الشعر في الحياة، ولايمانه العميق بان من أسمى فضائل الانسان انه قال الشعر وغنّاه، وان من وجوه الكوجيتو الديكارتي التي تصح هو قولنا: «أنا شاعر إذن أنا موجود.

في سياق فعاليات الموسم الثقافي الثامن والعشرين بكلية التربية الأساسية، نظمت الكلية خلال الشهر الحالي محاضرة بعنوان «شعر يعقوب الرشيد وتولى التقديم لها د. فايز الداية وشارك فيها كل من د. محمد فؤاد نعناع بمقاربة نقدية عنوانها «التناص في شعر يعقوب الرشيد ود. محمد عبدالقادر أشقر بمقاربة أخرى عنوانها «المرأة في شعر يعقوب الرشيد، وكلاهما محاضر في كلية التربية الأساسية بالكويت.
في تقديمه للمحاضرة، ألقى د. فايز الداية الضوء على جوانب من شخصية الشاعر يعقوب الرشيد، وذكر ان من محاسن الصدف ان ولادة الشاعر عام 1928 تزامنت مع اصدار والده عبدالعزيز الرشيد أول مجلة كويتية (مجلة الكويت) في العام نفسه. ومن المصادفات ايضا ان الاساتذة الثلاثة الذين اعتلوا المنصة هم من حلب، وها هم يلتقون على جسر يعقوب الرشيد الشعري، يجمعهم تراثه وفنه وأدبه.
وتحدث د. الداية عن عصامية الرشيد وتحصيله العلمي الفردي وموهبته ومهماته الوظيفية التي تولاها بالاعلام والخارجية الكويتية الى أن وصل لرتبة السفارة، كما أشار د. الداية الى السيرة الشخصية لزميليه المحاضرين في الأمسية، وتطرق للدراسات والكتب والبحوث التي أنجزاها خلال مسيرتهما العلمية.
التناص في شعر الرشيد
تتبع د. محمد فؤاد نعناع دلالة ومعنى مصطلح التناص في النقد الأدبي لدى الغربيين وفي تراثنا النقدي العربي وضمن الحدود التي تتبدى جلية في خمسة دواوين للشاعر هي: سواقي الحب، دروب العمر، غنيت في ألمي، رفيف الجراح، همسات السبعين. ويذكر الباحث ان أبسط تعريف لمصطلح التناص هو: مجموع العلاقات القائمة بين نص ونصوص أخرى، أو هو: تعالق نصوص متعددة مع نص بكيفيات مختلفة.
ويدلف الناقد الى عالم الشاعر الرشيد من خلال قراءة الدواوين المذكورة أعلاه، ليقرر ان مصادر التناص عنده تعود الى القرآن الكريم والشعر العربي القديم والتاريخ العربي القديم والحديث.
بعد ذلك، قدم المحاضر أمثلة حيّة عن وجوه التناص بين شعر يعقوب الرشيد والقرآن الكريم، اذ تسرب الى قصيدة «غنيت في ألمي الكثير من الآيات ومنها قول الشاعر على سبيل المثال لا الحصر:
يتجلّى في علاه عندما يحيي الرميم
وهذا البيت كقوله تعالى: «.. قال من يحيي العظام وهي رميم.
وفي مقام التناص مع الشعر القديم يقسم د. نعناع أشكال التناص عند الرشيد الى أربعة: اقتباس كامل، اقتباس كامل محوّر، تناص اشاري، تناص أسلوبي، ويضرب أمثلة من اقتباسات واستلهامات شاعرنا الرشيد من تجارب الشعراء القدامى، وكيف أخضع هذه الاقتباسات الى روحه الفنية ومزاجه الشعري. ولابد لي أن أشير هنا ان المحاضر ينظر الى التناص عموما، وفي تاريخ الأدب العالمي والعربي على انه قاعدة، اذ لا يوجد نص من فراغ كما يقول، وان المؤلف ليس إلا ناسخا يعيد كتابة نص كان حاضرا بطريقة أو بأخرى، أي ان التناص ليس ضعفا أو هنة في التوليد الشعري، وكأن مقولة «لا جديد تحت الشمس حاضرة في ذهن الباحث في مقاربته النقدية لأعمال الراحل يعقوب الرشيد.
وعلى النهج ذاته، يبحث المحاضر تناص شعر الرشيد مع التاريخ العربي القديم والحديث عبر استعارة الشاعر لشخصيات وأحداث لاضفاء سماتها العامة على معادل موضوعي نابع من تجربته الشعرية الخاصة، ومن أبرز هذه الشخصيات التي أطلّت بملامحها في شعر الرشيد: صلاح الدين، المعتصم، القعقاع، طارق وخالد، ومن الأحداث: البيت العتيق والقدس وحطين.
المرأة في شعر الرشيد
وعلى مسار مختلف تماما تجري مقاربة د. محمد عبدالقادر أشقر النقدية، اذ اختار الباحث عنوانا لمقاربته ترتبط بصورة المرأة وتجلياتها في شعر الرشيد، وهو موضوع أثير عند الشاعر الراحل كما أعرف أنا شخصيا، لانه شاعر غزلي بالدرجة الأولى، وليس من الصعب على أي باحث ان يعثر على صور المرأة في شعره، لانها تحتل المكانة الأولى ليس في ابداعه الأدبي فحسب، بل في وجدانه وأحاسيسه وأهوائه التي كان يجاهر بها، حتى انه اعتبر المرأة مدخلا طبيعيا لهيكل الحب وأفيائه المقدسة.
يرى د. أشقر من معايشة دواوين الرشيد الخمسة انه مثل عمر بن أبي ربيعة، عاش للحب، واستجلى مظاهره في المرأة الجميلة وفي الطبيعة، من خلال خيال جامح خصب. وان المفردات التي ترصع غزلياته كالقبلة والعناق والريق ليست سوى مفردات شاعر يحلم ويتمنى ويتشهى، وما يقوّي هذا الحكم في نفس الباحث قوله ان الشاعر عرف بالعفة والانضباط السلوكي والأخلاقي الذي رافقه طوال حياته، والحب لزوجه الذي عصمه من الوقوع في الإثم، وكذلك شهادات الذين عرفوه. لذا فقد قارن بينه وبين عمربن أبي ربيعة.
المرأة في شعر يعقوب الرشيد بلا ملامح، والأسماء التي ترد في شعره لنساء انما هي أقنعة فنية، كما هي الحال في استخدامه لاسم «ليلى المطروق كثيرا في الغزل العربي قديما وحديثا.
وكما كان قلبه وشعره معلقا بالمرأة والحسناء وشمائلها وبسماتها، فان معنى الجمال عنده لا يكتمل إلاّ اذا أقام برزخا بين جمال الطبيعة وجمال المرأة، فالجمال عنده لا يتجزأ، وكما يتزين ثغر المرأة بالابتسام، وكما تفصح جفون المرأة عن الهيام، تحتشد أيضا في الطبيعة كل ثياب الحسن ومستلزمات السحر من طير يصدح، وغصن يتثنى، وأزهار من كل صنف ولون، حتى انه يذهب الى المزاوجة بين المرأة والبحر، وهو حين يرتمي عاشقا مذهولا لا يعرف في أي حضن قد ارتمى؟ بحضن البحر أم بحضن المحبوبة؟ لذا فان المحبوبة عنده صارت الغرق والنجاة معا.
إنّي غرقت بحبها فتدلّهت فطلبت منها زورقاً لنجاتي
ويتابع د. أشقر البحث عن تجليات الطبيعة والمرأة في قصائد الرشيد، ويرصد من خلالها الظلال النفسية الخفيّة لمشاعر ذلك الانسان الذي جبلت فطرته على العشق والحب، واعتبر البوح للآخرين بمكنونات وجدانه دعوة للانسانية لتنعم في جنة الغرام المتخيّلة، ومجافاة جحيم الحقد والكره والضغينة.
وركز الباحث في مقاربته النقدية على أجمل قصائد الشاعر، وأوضح فيها مناحي ومناخات الهجر والوصل والفراق والظن والغيرة والشك والجراح والسقم والألم والأمل، أي كل ما انطوت عليه القصيدة الغزلية العربية في تراثنا البعيد والقريب.
وعلى رغم قلة الحضور، وغياب الصحافة الكويتية عن تغطية الحدث، فقد أعقب المحاضرة حوار ومداخلات بين أفراد أهل البيت من المنتسبين الى كلية التربية الأساسية، أضفت على الأمسية المزيد من الغنى والثراء.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد