loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

رأي اقتصادي

انتحار عربي... ونحر للأجيال القادمة


هل هناك امل للعالم العربي في العودة اقله الى ما كان عليه قبل العام 2011 وموجة الربيع العربي؟
هذا السؤال يطرح بعد سلسلة الاحصاءات التي نشرتها اكثر من وسيلة اعلامية غربية عن حصيلة الربيع العربي في ست سنوات، وهي للاسف احصاءات لم تقم اي وسيلة عربية بها، او معهد ابحاث او حتى مؤسسة رسمية، لان العرب تأخذهم الحماسة فيغيبون العقل، وهو ما يمكن استخلاصه من احصاءات صحيفة «نيويورك تايمز» الاميركية.
ففي مجال البنية التحتية، وهي الاساس في عملية التنمية لاي دولة، هناك تدمير شامل للبنية التحتية لاربع دول عربية، وما لم تلحظه الصحيفة، ايضا تعطل مشاريع تطوير تلك البنية في بقية الدول، وهذا يؤدي الى تسجيل خسائر غير مباشرة تصل في مجملها الى نحو 850 مليار دولار في الانتاجية والوقت، وهو ايضا العامل الذي قلما العرب يعيرونه اهتماما.
ثانيا: نحو 23 مليون نسمة بين نازح ومهجر وقتيل وجريح، وهذا الرقم في حد ذاته يعني ان الدول العربية الاربع التي منيت بهذه الخسائر، وهي العراق وسورية وليبيا واليمن، انما تحتاج الى نحو عشر سنوات لاعادة استيعاب النازحين واللاجئين، اما تعويض القتلى فيحتاج الى نحو 30 عاما، اي جيل كامل، واذا اضفنا اليها 30 مليون عاطل من العمل، فيعني ذلك ان نحو 18 في المئة من العرب باتوا يشكلون عالة على البقية البالغة 340 مليون نسمة، وكل هذا يتطلب مشاريع ضخمة لاعادة استيعاب النازحين والمهجرين وتأهيل الجرحى، وهذا الامر غير متوافر استنادا الى الواقع الاقتصادي العربي الذي كان يعاني اصلا من ازمة سيولة ومشاريع وهجرة رؤوس اموال الى الخارج، مضافة اليها هجرة عقول مزمنة تسببت بها السياسة السيئة لادارة الموارد.
ثالثا: تضاف الى هذه الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي مني بها العالم العربي منذ العام 2011 وحتى نهاية العام 2016 نحو 650 مليار دولار خسائر الناتج القومي العربي، تضاف اليها 320 مليار دولار انفقت على ما يسمى الثورة المضادة، وفوق كل هذه الارقام هناك 300 مليار دولار تكلفة الانفاق على ايواء اللاجئين في ست سنوات، بواقع خمسين مليار دولار سنويا.
رابعا: وهو الاهم، اذا في حالات الفوضى يزداد القلق الاجتماعي من المستقبل، وهذا يعني زيادة السعي الى الاثراء، ما يساعد على انتشار الفساد اكثر، فاذا كانت صحيفة «نيويورك تايمز» كشفت ان تكلفة الفساد في الست سنوات الماضية بلغت 1200 مليار دولار في العالم العربي، فان الرقم الحقيقي اعلى من ذلك بكثير، لان الاحصاء المعلن يستند الى التكلفة المباشرة، ولا يأخذ بعين الاعتبار التكلفة غير المباشرة التي تقدر بنحو 65 في المئة من الرقم المعلن، اي ان الامر يصل الى نحو تريليوني دولار، فوق هذا هناك الخسائر التي تكبدتها الدول العربية جراء الازمة الاقتصادية العالمية بين عامي 2007 و2010، وبلغت في عام واحد تريليوني دولار، اضيف اليها 450 مليار دولار خسائر في العامين التاليين.
هذه الارقام ماذا تعني؟
هذا السؤال الذي لم يجد اي عربي اجابة عنه في السنوات الست الماضية، بل هناك شريحة واسعة لا تزال تؤمن ان الربيع العربي هو الخيار للخروج من نفق المأساة تسير فيه مجموعة من الدول العربية التي استطاعت النجاة من الموجة الماضية.
لا شك ان العالم العربي يحتاج الى نحو 50 سنة لتعويض تلك الخسائر، اذا قضي على الفساد بالكامل، ومارس الجميع عمله بشفافية ونزاهة، وهذا طبعا امر مستحيل في ظل واقع يقوم على المحاباة والواسطة والتخلف في التعليم وخطط الادارة والتوظيف وتوليد فرص العمل، اضافة طبعا الى العامل الاهم وهو ان الوصول الى قوة عمل انتاجية ونزاهة في الاداء الاداري تحتاج الى منظومة تعليمية متقدمة وغير منتجة للتخلف، اي جيل كامل من المتعلمين على اسس حديثة، بموازاة ادارة نزيهة، وهذا غير متوفر حاليا نتيجة للذهنية الادارية التي تحكم العالم العربي، ما يعني في المحصلة ان الحديث عن التنمية العربية اليوم اشبه بحديث عن كوكب اخر لم يمر بكل الازمات التي عرضنا لها سابقا، وهنا نحن امام معضلة اذا جاز التعبير، وهي خسارة جيل كامل، و نحو خمسة تريليونات دولار، ونسبة مواليد تضاف سنويا الى الشعب العربي، وتخلف في التعليم والصحة والبنى التحتية كافة، وفوق كل ذلك استمرار الاستنزاف المالي.
ربما يسأل البعض ما علاقة الكويت في كل هذا؟
الجواب هو ان الكويت جزء من العالم العربي والخسائر المباشرة التي تسجل في دولة من دوله تعود علينا بخسائر غير مباشرة وترفع من التكاليف على المال العام، وعلى التنمية المحلية، وذلك نتيجة طبيعية للعلاقة مع العالم العربي والواقع الجغرافي الذي لا يمكن تغييره، ولهذا فان من واجب الكويت اليوم تحصين الوضع الداخلي وزيادة الانفاق الرأسمالي على المشاريع الانتاجية، وتحديث القوانين وتخفيف الهدر، او بالاحرى القضاء عليه، وبالتالي البحث في مجموعة من الخطط التي تساعد على منع التأثر السلبي بالوضع العربي، من خلال السعي الجدي الى استيعاب اللاجئين في دولهم، والمبادرة الى تقريب وجهات النظر بين الاطراف المتحاربة في الدول التي تشهد حروبا اهلية، وربما تكون هذه المهمة، وقياسا على ما فرضته الصراعات في تلك الدول من تدخلات قوى عظمى واقليمية، الا ان المحاولة في هذا الشأن تشكل في جانب منها عاملا من عوامل القوة للكويت، وتؤدي في المحصلة الى ابعاد التدخلات عنها بسبب دورها الحيادي في التقريب بين وجهات النظر.
اما عربيا بات علينا الاقتناع اما ان ينظر العرب الى الكارثة التي جلبوها لانفسهم بعين المسؤولية وأن يبدأوا العمل على وقفها والخروج منها او عليهم ان ينتظروا مئة سنة لكي يعودوا الى ما كانوا عليه قبل العام 2011، وبالتالي يكونوا قد انفقوا مئة سنة من الضياع، بل انهم يخرجون من المعادلات ويصبحون اداة للاخرين، وهو الانتحار بعينه.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت