loader

قطايف

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

اقرأ

«يحدث في العربة الأخيرة» لمحمود سيف الدين


يحدث في العربة الأخيرة
محمود سيف الدين
قصص
دار رهف، في القاهرة
صدرت هذه المجموعة في ثمانٍ وثمانين صفحة بعناوين منها: حديث المترو، دفءٌ يمر قريبًا من ساعة يدي، مشهد حار، اقرا الحادثة، قبل الشتاء بدقائق معدودة، ليل القرية الأولى.. والعنوان من جملة في أحد النصوص.
تعد هذه المجموعة الإصدار الثالث للمؤلف بعد ديوان قاطرة سوداء تدهمنا 2004، ونصوص حكايات من بلاد البمبوزيا 2012.
ومن قصة حديث المترو نقرأ:
(عليّ أن أنتهيَ من مراجعةِ هذه المخطوطة، قبلَ ثلاثةِ أيامٍ، بحسبِ اتفاقٍ حماسي مع مسئول النشر في المؤسسة الرسمية، كلُّ شيءٍ مُكررٌ تكرارَ المواسمِ والفصول، لكن لابدَ أن هناكَ جديدًا يتحيّنُ الفرصةَ لإشعالِ فضيلةِ التأمل، بالقدرِ الذي يليقُ حتى بإرهاقِ البدن، أو إطفاءِ هذه الفضيلة بلا وازعٍ من رحمةٍ، حتى أتخلّصَ من أعباءٍ حياتية، تتكررُ أيضًا، بمجردِ تسليمِ هذه السطور دونَ خدشٍ لُغويٍ يُذكر.
الأجواءُ لا تخلو من مظاهر احتفالاتٍ شعبيةٍ بالمولد، عرائسُ بأوراقٍ مزركشة، أحصنةٌ من الحلوى، وقلوبٌ ورديةٌ في يد سانتا كلوز فوقَ رصيفٍ موازٍ.. قطعتُ شوطًا لا بأسَ به، في مسافةٍ قصيرة، قرأتُ بعضَ الصفحات، كاهلي يدفعُ خطواتي اليومية برشاقةٍ إلى المترو، الناسُ يتدافعونَ في همهمةٍ مألوفة.. العرباتُ كما هي.. حديديةٌ وزرقاء.
وفيما كنتُ أتابعُ الساعةَ المتدليةَ من سقفِ المحطة وأخطو، أخطو فحسب، لم أعبأ بالزمنِ وسطَ كُتَلٍ بشريةٍ، كثيرًا ما اصطدمتُ بها.. ولا أزال.. لعلَني سأجدُ رغمَ ذلك مقعدًا شاغرًا، وفي موقعٍ قريبٍ من النافذة.
جاءَ القطارُ هذه المرة بعيدًا عن اللونين المألوفين، لكن بملصقاتِ دعايةٍ على كل عربة، ولم تزل صافرةُ الإنذارِ المزعجة تُنبّه الواقفين ليتراجعوا قليلًا عن الرصيف، وجميعهم يحلمُ بالجلوسِ بعد ساعاتٍ مُرهَقةٍ من أيِّ شيء، كما يبدو في أعينهم دائمًا، تلك الأعين التي أظنها تُبادلُني محاولةَ قراءةِ ما يتسرّب لأعلى، في الفراغِ الوحيد المُتاح بهذا الزحام.. الجلَبةُ تزدادُ شيئًا فشيئًا، حتى تطغى على صوتِ ارتطامِ القضبانِ الحديدية بجسدِ هذه الحافلة، مثل كل يومٍ على مدارِ تسع عشرة ساعة.
أجلسُ بالفعل في مكانٍ أراهُ وحدي في تلك اللحظة كما تخيلت، لمحتُ رجلًا ستينيًا يتلفتُ باحثًا عن مساحةٍ، ليستريح بين الجالسين الذين وثبوا كفئرانٍ على المقاعد، تخيلتُني فأرًا يريدُ أن ينقضَ على كتلةِ الأوراقِ قبل انقضاء المهلة المحددة، تساءلتُ عن مسافةِ الثلاثةِ أيامٍ هذه، كيف ستمرّ؟ أو هي مرّت بالفعل حالَ وجودي في المكانِ ذاتِه الذي أتأرجحُ فيه الآن، بعد يومين تساءلتُ عن المسافةِ بينَ محطةٍ وأخرى، كيفَ تقابلُ ما يدْعونه كُتابُ المقالاتِ اليوميةِ السمجة أحيانًا بمحطاتِ العمر؟ وكيفَ لهذا الرأسِ أن يستوعبَ كل هذا الزحام.. وهذه التروس المتداخلة؟
فيمَ أُفكرُ الآن؟.. تساءلت، هل في مجنونِ الروايةِ التي بينَ يدي، ولو انتهيتُ منها متأثرًا، كما بدا لي من المطالعات الأولى، كيفَ سأطالبُ بمقابلِ هذه المُراجعة؟ وفي أي هيئةٍ من هيئات الجنون؟ هل سأتذكرُ ذلكَ أصلًا؟.. في الوقتِ ذاته فرملةٌ مفاجئةٌ تُنبِه وعيي إلى الرجلِ الستيني البعيد مجددًا، ولم يزل يتلفت.. أحاولُ أن أشيرَ إليه، غيرَ أنه بعيد.. ينتابُني همٌّ حتى يجلس.
تُفتحُ الأبوابُ في المحطةِ التالية، ولم أكن أعلم إلى أي مآلٍ سوف تنتهي مشاهدُ اليوم، الذي يجري صوبَ محطاتٍ معتادة.
يصعد زيزو (كما قدّم نفسَه): ماي نيم إذ زيزو، بليز لوك آت مي، أي هاف أسيربرايز، وبعد إعلانه عن المفاجأة بهذا التقديم، ينحني البائعُ المُتجوِّلُ الهزيل خفيفُ الظل، على شنطةٍ من الخوص وضعها بين قدميه، ليُخرجَ ورقةً شفافةً لامعة، ويواصل النداء: عسلية بجنيه.. جاست وان باوند، فيضحكُ الجالسون.. ويضحك زيزو.
في مراتٍ تالية كنتُ ألتقيه، حتى صار أحد تلك الوجوه المألوفة، التي تشاركُني مناوشةَ الحياة بوسائلَ مُغايرة، وفي مرةٍ منها، كان مهندمًا أكثر مما قبل، وقد أبدل شنطته الخوص بأخرى جلديةٍ ومستديرة، لا تخلو من تدخلاتٍ عليها، بوضع يدٍ من القماش، بدا أنها مثبَتةٌ بما يشبه دبابيس المكتب، وحين شرع في النداء، كنتُ وآخرون ـ فيما يبدو ـ نرددُ معه بين أنفسنا: آي هاف أسيربرايز.. جاست وان باوند).


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت