loader

دفتر أحوال

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

الأمالي الكويتية في رحاب رمضان «3»


ها نحن نواصل تلقي دروس شهر رمضان المبارك على يدي ملا محمود بن ملا محمد الذي كان قد بدأ في الاملاء علينا منذ بداية هذا الشهر الكريم، ولقد استمعنا اليه وهو يوجه حديثه المعتاد لكافة حاضري المسجد، وفي هذا الحديث تذكير بواجبات المسلمين تجاه دينهم، وبيان لبعض أحكام الصيام، وما ان انتهى من ذلك حتى توجه الينا، وفي هذه الأثناء كنا قد تحلقنا حوله استعدادا لتلقي ما يمليه علينا، وقد أحضرنا دفاترنا وأقلامنا لهذه الغاية.
بدأ الملا بالتسمية، ثم سألنا قائلا:
هل عدتم الى قراءة ما كتبتموه في جلستنا الماضية؟ وهل لديكم أي سؤال يتعلق بالإملاء الماضي؟
وقد رددنا عليه بأننا قد حضرنا الى المسجد ونحن على أتم الاستعداد لتلقي املائه، وأما ما أملاه سابقا فقد كتبناه ثم قرأناه في بيوتنا وليست لدينا حوله أية أسئلة، وكررنا له الشكر على جهده معنا، وحرصه على تعليمنا، وهنا قال لنا: بارك الله فيكم، ان مما أهتم به هو أن أراكم قد استفدتم من إملائي، وأضفتم الى أنفسكم معلومات تنفعكم في مستقبل أيامكم التي أرجو ان تكون اياما سعيدة بإذن الله.
ثم أضاف:
والآن نبدأ، فاكتبوا ما أقوله لكم.
تلاحظون أننا سرنا مع سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وفق ما جاء في كتاب السيرة النبوية الذي ألفه ابن هشام، وقد كنت ذكرت ذلك لكم، ونقلت إليكم بعض النصوص مما ورد في هذا الكتاب القيم.
ونستمر الآن فيما كنا فيه متتبعين خطى ابن هشام لأنه قد سار في الكتاب وفق طريق تاريخي منتظم.
وقبل ان ابدأ فيما ذكرته لكم الآن، فانني أطرح عليكم السؤال المعتاد، وهو:
هل لديكم ما تريدون قوله قبل ان نبدأ؟
وقد تولى أحد زملائنا الرد على الملا، فقال:
لقد كانت المعلومات التي كتبناها نقلا عنك في الجلستين الماضيتين من الوضوح بحيث لا نحتاج معها الى بحث أو سؤال، ولكننا نريد ان تواصل معنا دروسك الباقية على هذا السؤال، لاننا على يقين من أننا مع نهاية الدرس الخامس نكون قد ألممنا إلماما كافيا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورد الملا على صاحبنا قائلا:
بارك الله فيك، وسوف يتحقق ما أردتم ان شاء الله ثم بدأ في الإملاء:
لاحظتم ان نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعوته للناس الى اعتناق الاسلام، والتوجه الى الله الخالق الواحد الذي لا شريك له، ووجدتم مدى اهتمامه بنشر الاسلام ما استطاع الى ذلك سبيلا.
وفي المقابل فانكم قد وجدتم قريشا وهي تستمع الى ما يدعوها اليه، فتستغرب ما يقول، لان هؤلاء الناس عاشوا سنين طويلة على دين مرتبط بالأصنام يعبدونها من دون الله، فكان من الصعب عليهم نبذها، وهذا هو السر في الموقف المتشدد الذي وقفوه من دعوة الاسلام، وكانوا كلهم إلا من هدى الله يناصبون الرسول الكريم العداء بعدما كان عندهم موضع محبة وتقدير، وقد لاحظنا ذلك فيما مر، وسوف نضيف اليه أمورا أخرى من المهم تقديمها إليكم هنا.
وتوقف قليلا ثم قال:
بدأت قريش موقفها حادا شديدا في مواجهة الرسول الكريم، وطرقت جميع أبواب الانذار والتهديد، وكما رأيتم فانها تقدمت بالشكوى منه الى عمه أبي طالب، وترددت على هذا الرجل الذي كان - وقتذاك مسنا مرهقاً، فلم تترك له راحة الى ان قطع عليها الطريق بقوله انه لن يسلم ابن أخيه تحت أي ظرف من الظروف.
وبعد كل تلك الاعمال والمحاولات، رأى بعض عقلاء قريش ألا فائدة مما كانوا فيه، ولا مطمع لهم في أن ينثني محمد صلى الله عليه وسلم عما هو عليه، أو يتوقف عن نشر الدعوة التي كلفه الله سبحانه بنشرها.
وقد أملى العقل على بعضهم العودة الى الحديث اللين، والاغراء لعل في ذلك كله فائدة ترجى، فقد جرى تجريب الشدة والعنف ولم يأتيا بنتيجة، وكان هم قريش الكبير هو تزايد اعداء المسلمين وجهرهم بدينهم ولاسيما في صلاتهم وطوافهم في المسجد الحرام، وابراز أنفسهم باعتبارهم قوة جديدة ينبغي أن يحسب لها ألف حساب.
إذن! لتتغير الأساليب، ولتكن المجابهة أكثر ليونة، وأقل عنفا، لعل الحديث المباشر ان يكون مفيدا، وكان ظنهم أن النبي الكريم كان يهدف الى الحصول على أمر من أمور الدنيا، ولذا فقد عزموا على تقديم بعض الاغراءات الدنيوية إليه لعله ينصاع اليهم، ويتوقف عما هو فيه، فهم لا يدركون أنه نبي مرسل، وأن أمور الدنيا لا تغريه بشيء ولكنه يسعى الى طاعة ربه، وتنفيذ ما كلف به فقد علم أن هذا الدين الذي يدعو إليه دين قيم بل هو دين الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فهل تستطيعون ان تتوقعوا ما يمكن ان يقوم به هؤلاء الناس؟ ثم هل تستطيعون ان تتوقعوا ما سوف يرد به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وتلفتنا ننتظر واحدا منا يتولى الاجابة، ولم يطل ذلك، فقد بادر واحد منا لكي يقول أما ما نتوقعه منهم فهذا هو ما نطمع من الملا ان يقوله لنا من واقع ما حدث، وما جرى في الكتاب الذي يستند عليه، ولكن ما نتوقعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لا يحتاج الى مزيد بحث، فقد علمنا مدى صلابته في دينه، ووفائه لأمر الدعوة التي كلف بها، واذا كان الله سبحانه وتعالى قد قال له:
فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فليس له من سبيل غير ان يصدع بالدعوة ولا يتوقف عن نشرها بين الناس، مع استعداده لتحمل كثير من الأذى والضرر في سبيل ذلك.
وعندما سكت صاحبنا أشار آخر دالا على انه يريد ان يتحدث، فقال له ملا محمود: قل ما عندك فقد تكون فيه إضافة مفيدة.
فبدأ الزميل في الحديث قائلا:
أريد أن أضيف الى ما قاله صديقي مسألة خطرت ببالي، وهي أننا قد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لعمه: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على ان أترك هذا الأمر ما تركته، أو أهلك دونه»، وصاحب موقف مثل هذا الموقف لا يمكن أن ينصاع لاغراء مهما كان حجمه، اضافة الى ان أمور الدنيا لا تعنيه ولا يبالي بها.
وعندما سكت هذا الزميل قال الملا:
أحسنت فقد كانت اضافتكم مفيدة كما هو المأمول منك ومن أصحابك.
*****
وبعد فترة صمت قصيرة، عاد الملا محمود الى الحديث قائلا: سوف أعرض عليكم أمرين من الأمور التي جرت وفق الخطة القريشية الجديدة، وسوف ترون أن المقدمات التي ذكرناها تنطبق عليها تماما.
أما الأول من الأمرين، فهو يعبر عن بدايات انتهاج القريشيين لمنهج الإغراء، اذ تبين لنا أن سبب ذلك بعض الأحاديث التي حدثهم بها رجال من ذوي الرأي منهم، وهذا نموذج من نماذج الأحاديث التي دارت، وأدت الى الاسلوب الجديد الذي نوهنا عنه قبل قليل.
يقول ابن هشام:
«ثم ان الوليد بن المغيرة اجتمع اليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، انه قد حضر هذا الموسم وان وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا. «الموسم: وقت الحج».
فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل واقم لنا رأيا نقول به.
قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان، فما هو بمزمزة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته.
قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه، ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر.
قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم.
قالوا: فما تقول أنت يا أبا عبد شمس، قال: والله ان لقوله حلاوة، وان أصله لعذق، وان فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف انه باطل، وان أقرب القول فيه لان تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون بسبيل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد الا حذروه إياه وذكروا لهم أمره، فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا *وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا * إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا).
فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
وأما الأمر الثاني فقد كان القائم به رجل من عقلاء القوم، وكبار السن فيهم، وقد حكى لنا ابن هشام حكايته مع الرسول الكريم فقال:
«حدثت ان عتبة بن ربيعة - وكان سيدا - قال يوما وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده، يا معشر قريش، الا أقوم الى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟
«وكان ذلك بعد أن أسلم حمزة رضي الله عنه، وشاهدت قريش ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزايدون».
فقال الجالسون لعتبة ردا على كلامه:
«بلى يا أبا الوليد، قم اليه فكلّمه، فقام اليه عتبة حتى جلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي، انك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وانك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل يا أبا الوليد أسمع».
قال: يا ابن أخي، ان كنت انما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا، جمعنا من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وان كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وانت كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وان كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فانه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.
حتى اذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: أفعل، فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم* حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ*وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ» ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.
فقام عتبة الى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس اليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي اني سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر. ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وان يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به!
قالوا: «سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم».
«قوله: السطة: الشرف، الرئي: ما يتراءى للانسان من الجن، التابع: المصاحب من الجن وكانت هذه هي ظنونهم».
***
عرفنا ذلك، واستطعنا ان ندرك ما تريده قريش وما رد به رسول الله وكان ردا متسلحاً بالقرآن الكريم وأدب النبوة.
وأخيرا وفقكم الله، والى اللقاء.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت