loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

نبض قلم

«منتدى الإعلام الرقمي»...حضر الإعلام وغاب الكلام


كعادتها، وبكامل حلّتها وأناقتها، كانت «دبي» على موعدٍ في مطلع هذا الشهر مع محفلها السنوي المعاصر «منتدى الاعلام الرقمي»، على منصّة جمعت سفراء الاعلام وروّاده بكل مجالاته، البصريّ والمسموع والمقروء. لم يمضي على انطلاقة المنتدى سوى بضعة عشرَ عاماً، حيث كان يتناول في بداية رحلته زوايا تقليدية في واقع الاعلام وتحدياته، وما أن يعتلي المتحدّث المنصّة ويبدأ بالتنظير والتأويل حتى يلتهم الوقت بنهم، وتخار قوى المشاركين تعباً ونصباً، فيلوذ بعضهم بالفرار الى فسحة من الراحة يلتقط فيها أنفاسه.
ما بين الأمس واليوم قطع المنتدى مراحل من التطوّر والمواكبة ومحاكاة لغة العصر، اليومَ وفي نسخته السابعة عشرة يرتدي المنتدى ثوباً جديداً ويسير على نهجٍ جديد، وخرج علينا باطلالة استباقية مستشرفاً مستقبل الاعلام وما سيؤول اليه حاله ومآله. دارت بأروقة المنتدى وعلى مدار يومين العديد من الجلسات الحوارية الغنيّة بمحتواها، والحلقات النقاشية الثرية بموضوعاتها، والمنصات التواصلية والتعارفية التي أتاحت للمشاركين أن يكونوا على تماسّ مباشر بحاجاتهم المعرفية الخاصّة ولينالوا من الأطروحات أروعها ومن الحلول أنجعها. اليوم وعلى وقعِ ختام سيمفونية المنتدى المتكاملة اتقاناً وروعةً وجمالاً وبهاءً في عامه الحالي، نرصد أربع وقفاتٍ تستحقّ الاشادة:
أولاً: غاب الكلام والاسهاب والاطناب ولم يمتلك المتحدث من الرصيد الزمني سوى (20) دقيقة ليدلو بأفضل ما يحتويه دلوه في فضاءات الاعلام، ولأن الاقتصاد المعرفي يجعل الناس يتوجّهون فوراً ولاشعوريا الى بيت القصيد في القول والفعل والعرض، جاءت الحوارات والمناقشات موضوعية ومباشرة.
ثانياً: كان المنتدى وبحق الرئة النابضة والمرآة العاكسة لتحدياتنا الاعلامية وطموحاتنا المستقبلية بين ثورة صناعية رابعة رقمية وذكية حاضرة بقوة ما تملك من أدوات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، والمنصات الرقميّة وبين الاصدارات الاعلامية التقليدية التي تصارع من أجل البقاء في عالم لا يعرف سوى الابتكار الاعلامي والاستباقية الذكية، والفضاءات الالكترونية العابرة للقارات بلمسة واحدة، ان لم تكن بهمسة واحدة.
ثالثا: تبارى المتحدثون في أطروحات تستحق التأمل والتوقف والتحليل، فقد انطلق المنتدى بجلسة متميزة للاعلامي والكاتب المصري ياسر عبد العزيز، حلق فيها مع الحضور في التحولات الاعلامية القادمة، وقدم أمثلة واقعية على ما أفرزته منصات التواصل الاجتماعي من تغيير تام وغير مشهود فى المشهد الاعلامي. والحقيقة كانت من أكثر الجلسات واقعية واستشرافية. كما تحدث الكاتب السعودي حسين شبكشي عن أزمة الاعلام العربي بمجهر الطبيب الاعلامي الحاذق، وقدم أشعة رنين مغناطيسي بعين موضوعية لأزمة «الهوية» الاعلامية العربية وما يحيط بها من تشوهات تجعلها مجرّد منصّاتٍ اعلامية ناطقةٍ باللغة العربية أكثر منها اعلاماً عربياً مؤسسياً له هويته وثوابته وقواعده. ولا يمكن الحديث عن منصات المنتدى دون التوقف أمام سؤال محوري طرحه الدكتور مأمون فندي مدير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية فى لندن: هل الخطاب الاعلامي العربي بشأن الشرق الأوسط بحاجة الى تجديد؟ وهل المفردات التي قد تم ويتم تداولها لها مدلول معلوم الأبعاد والأثر لدى المتلقي مثل «صفقة القرن» و «صراع الحضارات» وغيرها؟ وأخيرا هل الاعلام العربي فى الشرق الأوسط له هوية تماهي وتواكب التعريفات العالمية لمفهوم الشرق الأوسط؟ وكلها أسئلة تحتاج وقفات واجابات من كل مسؤول عربي يسعى لتطوير الخطاب الاعلاميّ الذي يعكس الصورة الواقعيّة والمشرّفة والمؤثرة عن بلده.
رابعاً: خصص المنتدي أكثر من جلسة للحديث عن التشكيك في الحقيقة والوهم الاعلامي وصناعة التحريض والتضليل، وكلها موضوعات مهمة وشائكة في ضوء ما تعيشه منطقتنا من خصومة معرفية مع الحقيقة وعدم الموثوقية في الكثير مما يقدم، والكسل المعرفي فى متابعة المصدر والوقوف على الخبر والتمحيص في تعدد أدواته وصوره. وأكثر ما أثرى المنتدى في هذا الجانب هو أطروحة لم تتجاوز عشرين دقيقة للكاتب والناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي بعنوانها الملهم « لماذا الخوف؟» أكد خلالها على أن السردية البصرية تحتل أهمية الآن أكثر من السردية الكتابية، وأن الثقافة لا تغزو أحداً، بل نحن من نغزوها، والأهم يجب أن يتم تبني مفهوم جديد للمواطنة العربية الايجابية التي تواكب تحديات اليوم وتخرج من عباءة الأنا لتتسع لمواطنة عربية خليجية شرق أوسطية أمام الشلال المنهمر من التحولات بالمنطقة.
يتملكك شعور خاص بنهاية المنتدى ويزدحم عقلك بزخم أسئلة عديدة تحتاج الى اجابات ووقفات: هل نحن قادرون على مواكبة العصر الرقمي الاعلامي؟ هل المفاضلة بين الورقي التقليدي والرقمي المعاصر أضحى حتمياَ؟ هل تستطيع أمتنا العربية في هذا الفضاء الالكتروني الكثيف والمخيف أن يكون لها «محتوى» يتجاوز أزمتنا في الشكل والمضمون والهزل الذي أصابنا وجعلنا أمة حاضرة غائبة؟ هل وزارات الاعلام والمجالس والهيئات الوطنية والقومية قادرة على استيعاب لغة وأدوات العصر الرقمي وما هو آت، أم أن مربع التشبّث والتفادي والمخاصمة أسهل من المواجهة والتحديث والمواكبة؟


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت