loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

وحي قلم

الشباب... ثروة الابتكار أو ثورة الاندثار


«كانت بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ووادي النيل وشمال افريقيا موطن كثير من دور العلوم والصناعة لقرون مضت،» هكذا استهل التقرير العربي العاشر للتنمية الثقافية «الابتكار او الاندثار» الصادر عن مؤسسة الفكر العربي للعام 2018، في قسمه الثاني من الفصل الأول «البحث العلمي في الدول العربية»، ففي فاس المغربية والقيروان التونسية ونواكشوط الموريتانية وقسنطينة الجزائرية وطرابلس الليبية والقاهرة المصرية والخرطوم وأم درمان السودانيتين مكتبات ومعاهد تعود لعهود قديمة وتربو اعمارها على مئات السنين. ومع العرفان بالقديم، الا انه لابد من صياغة جديدة لسياسات العلوم والتعليم والتكنولوجيا والابتكار ودعم البحث العلمي، وتوليد تخصصات جديدة تتبناها الجامعات العربية لتتناسب مع المهن المستقبلية المرتقبة، والتي تتحكم بمسار العالم وتندثر على اثرها مهن ومجالات عمل اكل عليها الدهر وشرب. فبعدما زلزل محتوى تقرير «الابتكار او الاندثار» اركاننا ووضعنا على محك النهوض او الركود، واستنقاذ ما يمكن انقاذه، نقف اليوم على ابرز الأزمات التي تمر بها بعض دولنا العربية، ولا نجد مُعضلة اعظم من عدم الاستثمار الأمثل لطاقات الشباب، ففي الوقت الذي يسير العالم برمته نحو الشيخوخة، يسير عالمنا العربي عكس التيار ويشهد نمواً مضطرداً في اعداد الشباب.
نعم سيهرمُ هذا العالم سريعاً، ووحده عالمنا العربي سيتورد شباباً، حيث سيشهد العالم زيادة بنسبة الضعف لمن تتجاوز اعمارهم 60 عاماً حتى عام2050 وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، كما تتوقع تقارير الأمم المتحدة بأن اعداد كبار السن سيزداد اربعة اضعاف خلال السنوات الـ50 القادمة، بينما لن تتجاوز نسبة من تزيد اعمارهم عن 65 عاماً في بلداننا العربية نسبة 4.1% فقط، وسيشكل الشباب اغلبية تعداد سكان العالم العربي البالغ 300 مليون نسمة.
وتفيد ارقام تقرير «الابتكار او الاندثار» بأن معدلات البطالة في عالمنا العربي تزداد باستمرار، كوصول معدلات البطالة في الأردن الى 15.8% وفي مصر الى 12.5% حتى نهاية عام 2016، ناهيك عن البطالة المقنعة وتكدس ملايين الشباب في اروقة القطاعات الحكومية. في الوقت الذي نطلع فيه على التحديات التي ستلقي بظلالها علينا، لابد من اعادة هيكلة استراتيجياتنا الوطنية للتعليم والتكنولوجيا والابتكار لتحتوي الشباب وتحيلهم من تحديات الى فرص للنهوض والازدهار.
وفي ظل تشبث غالبية جامعاتنا العربية بتخصصات بالية منها ما اُتخم سوق العمل، ومنها ما لم يعد له مكانٌ في زمن يعد فيه التغيير هو الثابت الوحيد، الا اننا نلحظ خيراً يلوح في الأفق، ففي الأردن تتحول رؤية الجمعية العلمية الملكية لتشجيع التغيير التكنولوجي، وتبنت وزارة التخطيط انشاء المركز الوطني للابتكار، كما برز في لبنان برنامج «سيدر» الثنائي مع فرنسا لدعم البحث العلمي، وقدم دعماً منذ انشائه عام 1996 لأكثر من 500 مشروع بحثي مشترك مع الفرنسيين، كما تضم مصر اكبر عدد من مراكز البحوث في منطقتنا العربية، ويبلغ عددها وفقاً للتقرير 219 مركزاً مستقلاً، و114 مركزاً ضمن الجامعات و14 مركزاً بحثياً، كما يحظى البحث العلمي عموماً باهتمام متزايد في تونس والمغرب ودول مجلس التعاون الخليجي، وحصدت 16 جامعة عربية مراكز متقدمة وفقاً لمؤسسة (QS) للعام 2018، كجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة الملك سعود، وجامعة الامارات، وجامعة خليفة بأبوظبي، وجامعة الاسكندرية بمصر، وجامعة بيرزيت في الأراضي المحتلة.
وبنظرة استطلاعية على التقرير، نجد في وطننا العربي حقولاً زاخرة بمؤسسات ومعاهد التكنولوجيا والابتكار لو استثمرت على النحو الأمثل سنحيل وطننا العربي الى مصنع يصدر للعالم احدث الابتكارات والتكنولوجيا والتحولات الرقمية وحاضنات الأعمال، كالمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا في الأردن، والقطب التكنولوجي «بريتك» في لبنان، وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وحدائق العلوم والابتكار في المغرب، ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في السعودية، ومسرعات دبي المستقبل في الامارات، فاما ان يكون الابتكار مرادفاً للشباب، او ان ينتهي المطاف بشبابنا الى ما يجره عليه الفراغ من ويلات الادمان والانحدار الأخلاقي.
الا ان هذا لا يعد كافياً مقارنة بحجم الفرصة الكبرى التي تلوح في الأفق اذا استثمرها العالم العربي، وهي امتلاك اكبر مصنع عالمي للرأس المال البشري اليافع المدرب والمؤهل والمعد بأحدث الامكانات لتقديم اضخم الابتكارات والاختراعات ومشاريع البحث العلمي، وأبرز محطات التحولات الرقمية للعالم انطلاقاً من مسقط رأسه وعقر داره بدلاً من استقطابه وتهجيره، وتصدير الملايين من شبابنا لتقديم الخدمات وتسهيل الحياة لعالم هرم يسير نحو الشيخوخة.
المعادلة باختصار وفق التقرير العربي العاشر للتنمية الثقافية: لدينا مواد خام بشرية شابة، ورأس مال انساني فاعل وحاضر وواعد، فإما ان يكون ثروة واما ان يكون ثورة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات