loader

وطن النهار

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

وحي قلم

الانتحار الحضاري... وهم البقاء وحقيقة الفناء


تستوقفك أنفاسه اللاهثة، وتركيزه المفرط على الفوائد والعوائد والأرقام وما حقق من انجازات. فهو ظالم لذاته يحرمها من كل سبل الراحة والسعادة كمن يسير في معترك لانهابة له، وكأنه يسابق البطل في رواية «فيكتور هوجو» في رائعته البؤساء.
يلقاك دوما وهو على عجلة وشعور متلازم بالضغوط والانشغال ولا تدري لذلك بداية أو نهاية. يرقب منك جمع الكلم وأن تلقي رسالتك في دقائق معدودات. لا سكون لذاته اللاهثة، لا انصات لجسده الذي يستصرخ منهكا، لا رايات بيضاء تلوح أمام التعب والنصب، وكأنه في حرب سجال، لا تنازل في أوقاته لشيء من الراحة، لا وقت للحظات هانئة يقضيها مع من تأنس بهم روحه ليجدد الحياه ويواصل أسفاره، فكيف يمنحك مساحة من جدوله وعقله المزدحم؟ لا تلبث تلقاه حتى يبادرك بالوداع ليعود الى عوالمه المكتظة.
تنشرح أساريره أحيانا لحكايات وذكريات ووقائع حدثت هنا وهناك. يحلق معك بحديثه خارج السرب ليروي عطش ذاته، فاذا بالذاكرة تغيب وينفرط عقد أفكارها، فلا هو يدري من أين بدأ ولا يعلم أين انتهى؟ فيحول شتات عقله وشرود ذهنه دون تحقيق الغاية من اللقاء الذي أتاه على عجل ووجل.
لا يعترف بمحدودية قدراته الجسدية مهما بلغ به الوهن، ولا يأخذ نصيبه من الراحة الاختيارية، الا اذا فرضت عليه الراحة الاجبارية حين يقع فريسة لمرض أو تعب أو عارض من العوارض يحول بينه وبين الهرولة خلف أماني ومحطات واهمة فى مستقبل لا يعلمه الا الله سبحانه، برغم أن الراحة مطلبا مهما لكل نفس بشرية أقرت به دول عظمى كألمانيا التي خصصت الـ24 أبريل من كل عام يوما للراحة، وأعني بكلماتي هذه كل من حرم نفسه طعم الراحة في دنيا ستحيلنا في نهاية المطاف الى راحة أبدية.
يتقن صاحبنا حرفة ارباك ذاته ومن حوله بتردده في اتخاذ القرارات والمبالغة كثيرا في التدقيق والتمحيص حتى يحول اليقين الى شك. يغفل حق الآخرين بالانصات لهم وقراءة ما يصله منهم باهتمام، فتصبح ذاته المتوحدة هي الوحيدة الحاضرة، موصدا بابه أمام أي اصغاء أو بيان أو تبيان لأن رحلته انفرادية ولا يعترف بثنائية الحياة والتشاركية، ولهذا مشغول دوما بمطارحة من يقترب منه وليس بمشاركة من يطرح له مسائل حياتية أو فنية فى نطاق عمله وتخصصه.
يعيش بنهج الأحلام المؤجلة والآمال القادمة والراحة المرتقبة في ربوع خلابة من ريع عوائد مشاريع استثمارية، مما يهون عليه ما اختاره من حدودية العيش في مسكنه ومأكله ومشربه و ملبسه. تحاول في كل لقاء أن تسترعي انتباهه للحظات تحدثه فيها عن ثنائية الحياة عله يلتفت لما يحدث في الضفة الأخرى من نهرها، ليقابلك بالاعراض والتصميم على المضي قدما في رحلته كما رسمها، فيحضرني المثل الذي شبه الحياة بمفاتيح البيانو، هناك مفاتيح بيضاء وهي السعادة وأخرى سوداء وهي الحزن، وعليك أن تعزف بالاثنين لكي تعطيك الحياة لحنا جميلا.
يشتد ألمك حين تعلم أنه قد تجاوز الستين ولم يبق من كتاب الحياة الا صفحات معدودة منتهاها في علم علام الغيوب، وتتسائل ان كان سيصل محطته الأخيرة وهو لايزال يلهث خلف أحلامه، فمتى الراحة الواهمة في رحلة قافلتها مكتوب عليها بالخط العريض دنيا، وآخر محطاتها مكتوب عليها قبر؛ ما الحياة الا طلقة لامرئية تواجه الموت بقدر ما تهب الحياة. ويشتد حزنك لأن أخلاقه كريمة وعلمه رصين، ولكن نهجه الحياتي ما هو الا انتحار بين وهم البقاء وحقيقة الفناء. 
طوبى لمن تأمل في الكون فأدرك المغزى والمقصد من الرحلة فأراح واستراح. طوبى لمن وهب حياته وماله لخدمة الانسان والانسانية مثل الراجحي الذي سلك العطاء لاسعاد غيره، وعبد الرحمن السميط الذي ترك بصمة ورسم بسمة على وجوه الملايين من الفقراء والمحتاجين في القارة الافريقية.
طوبى لكل من أدرك أن الدنيا محطة، لنا فيها نصيب من التعب بقدر الراحة، وأنك ستغادرها بلا شيء مما أفنيت عمرك لجمعه، فهون عليك لأن البقاء وهم وأضغاث أحلام والفناء حقيقة ويقين، طوبي لأصحاب الحقيقة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات