loader

مصابيح

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

الرفاعي: ذكريات ثانوية الخالدية.. مشاعر تلامس القلوب


في حديث الذكريات توجه الرفاعي حديثاً مباشرا لزملائها وزميلاتها في الحقل التربوي: اختي المدرسة اخي المدرس، وان اختلفت سنوات العمل الميداني وفترتها بيني وبينكم، الا ان لمهنة التدريس قواعد تربوية تظل راسخة بصرف النظرت عن مستجدات المناهج وما تحتويه الكتب من معلومات.
اتحدث اليكم واعرض تجربة مدرسة لم تكن قد دخلت دورات تربوية انما استمدت الكثير من خبرتها من خلال اعجابها بمدرسات راسخات في التجربة واثقات بما يقدرن، وكن يتلافين المواقف المحرجة بلباقة في حال حدث خطأ ما اثناء الشرح.
لعلها سطور قليلة لكني اردت من خلالها ان اقدم جانبا من تجربتي داخل الفصل امام طالباتي اللواتي لم تكن تقل اعدادهن عن العشرين طالبة، كنت احرص على متابعة ما اشرحه، وانا قاطعتني احداهن بسؤال مرتبط بموضوع الدرس، كنت استمر في تكملة الشرح، وبعد اتمام المطلوب ارد عليها، هذه واحدة من مواقف وسلوكيات عدة، وان لم يكن ردي على الطالبة كافيا، اعدها باجابة اضافية، فأقرأ مرجعاً او أكثر لاثري معلوماتي حول الموضوع، وهو امر بعيد كل البعد عن الاحراج بل من صلب عمل المدرس وتفاعله وارتقائه بعمله.
خلال الفترة الاولى التي تسلمت فيها مهامي موجهة لمواد الاجتماعيات الشاملة -للمراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية- كان العبء كبيرا على، ولم يقلل من حبي لمهنة التدريس وللعمل بكل ما يمت اليه بصلة.
كلفت متابعة مناهج الاجتماعيات العامة للمراحل الابتدائية والمتوسطة والفلسفة وعلم نفس وعلم الاجتماع في المرحلة الثانوية، ومازلت اذكر انني كنت في جولة على مدارس المرحلة الابتدائية خلال العام الدراسي 1976-1977 وبزيارة الى مدرسة ام البنين والصف الرابع في منطقة حولي، فأخطأت بمعلومة ساورني حيالها الشك، اذ ذكرت مكانا خطأ لموقع مهم.
موقع ذلك بعد الدرس وانتابني الشك فاستدعيت المدرسة، واعتذرت عن الخطأ، وسألتها لماذا لم تصحح لي الخطأ، بعد اسبوع كررت الزيارة للمدرسة ودخلت الصف نفسه - التلميذات الصغيرات لم يدركن الهدف من زيارتي ثانية- واسترجعت معهن الموقف نفسه مصححة المعلومة، وهكذا كنت اتعامل مع الخطأ.
عندما كنت وكيلة لثانوية الخالدية -جدول المادة لم يكن قد اكتمل بعد- كان ذاك في العام الدراسي 1965-1966 فعزمت على تدريس الفلسفة للصف الرابع الثانوي، كانت متعتي بتدريس مادة الفلسفة، الى ان اعترضني سؤال لم اتوقعه من احدى طالباتي، فاعتذرت لها وقلت ان معلوماتي غير كافية للرد على سؤالها، رجعت للمصدر واجبتها في اليوم التالي.
فالتطوير في مهنة التدريس لا نهاية له، ومازلت اذكر احساسي بالثقة الكبيرة عندما تم تعييني في ثانوية المرقاب، كانت الثقة تحيط بي بدءا من اسوار المدرسة وصولاً الى دائرة المعارف، حيث كان العم الشيخ عبدالله الجابر -رحمه الله- يرأس مجلس المعارف الذي ضم شخصيات كويتية سجل التاريخ دور كل منهم في نهضة التعليم وتطويره، رجال اعطوا الكثير ولم يتوقفوا حتى اخر سنوات اعمارهم، ولم يداخلهم غرور او رغبة بمناصب فراحوا يستعينون بالاخوة العرب من فلسطين ومصر وغيرهما من البلاد العربية، ليساعدوهم في تطوير التعليم في الكويت، كالاستاذ درويش المقدادي والاستاذ احمد عنبر، الاستاذ محمد المغربي ومجموعة اخرى من ذوي العلم والمعرفة، فلم ينحصر دورهم داخل فصول المدارس وحسب بل شاركوا في التطوير والتنظيم.
عاصرت بعض هؤلاء المؤسسين خلال الستينيات، عندما تسلمت وظيفتي التي مازلت احتفظ بأجمل ذكرياتها، كمهنة اتفقت مع ميولي الكامنة حيث لم اكن ادرك اني اهوى الوقوف في الفصل امام الطالبات وخلفي السبورة السوداء بطبشورها الابيض، والطاولة الملاصقة للكرسي، والكتاب ودفتر التحضير، لا اتذكر اني تعلمت الكثير في كيفية الاعداد الجيد للدرس الجديد، لكني كنت اكتفي بشمولية الموضوع، واعرض الافكار باختصار مركزة على الاهداف، فلم تعترض علي يوما رئيسة القسم او من يقوم بالتوجيه. كنت قبل البدء بشرح الدرس الجديد اخصص الدقائق الاولى لطرح اسئلة سريعة تذكر بالمعلومات السابقة، مستعينة بافضل طرق المدرسات المتمكنات في موادهن، ثم ابدأ الدخول بشرح الدرس الجديد، هكذا كانت ترتكز تجربتي على ما جمعته ذاكرتي حول معلماتي اللواتي كنت اعجب بهن، وبأساليبهن في التصرف داخل الفصل وضبط الحركة وتخطي المواقف المحرجة، وغير ذلك من اساليب ضبط الفصل وايصال المعلومة وتفاعلها ويحتاج ذلك الى التمكن من شرح المادة.
لم اشعر بالخجل يوماً من تأجيل اي طرح للجديد ان لم اكن متمكنة من عناصره وبتصرف مرن لا يخطر ببال طالباتي كنت بين الحين والاخر استعين بحصص اضافية لهذا الغرض، بالطبع بشكل لا يتعارض مع توزيع المادة على اشهر السنة الدراسية، كنت اضع خطة لبعض الدروس، ولم يخالجني اي شعور بالغرور من كوني الكويتية التي تخصصت في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع ولاول سنة سلمت جدول الثالث ثانوي، مازلت اذكر ابله سميحه التي اعجبت بثقتها بمعلوماتها وتمكنها من مادتها وثابتها وكنت واحدة من طالباتها في الصفين الثالث والرابع في ثانوية القبلية، وسعدت لانني عدت اليها زميلة فتسلمت هي الصف الرابع الثانوي، وكلفت بتدريس الصف الثالث الثانوي، ثم انتقلت مع طالباتي الى الصف الذي يليه، صف الشهادة الثانوية العامة، وذلك بعد ان تركتنا ابلتي الرائعة سميحه وعادت إلى مصر.
قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
لقد كنت مواقف والدي دائما في حال اشتكيت من المدرسة ايجابية تجاه معلماتي، رحمه الله، كان حنانه يوازي تقديره للمعلم.
تمضي الأستاذة سعاد الرفاعي في عرض ذكرياتها ومذكراتها الشخصية التي دونتها منذ طفولتها حتى عادت لنفس المدرسة التي تخرجت فيها لتعمل مدرسة ثم موجهة ثم وكيلاً مساعداً للتعليم العام، وخلال هذه المحطات أسرار وحكايات وتفاصيل لا تمل.. فإلى دفتر سعاد.
مشاعر تلامس القلب
توقفت أسبوعا عن الكتابة لقيامي برحلة روحانية مع إحدى صديقات العمر وهي الأخت السيدة شيخة عبدالعزيز المسلم، وابنة أخيها المهندسة دلال المسلم إلى بيت الله الحرام، رحلة لها مذاق خاص، يتجدد عند كل دخول عتبات البيت لكل فرض من الفروض الخمسة، شعور بخشوع يتصاعد مع صوت الإمام ووضوح كل حرف من كتاب الله، مشاعر تلامس القلب والعقل معا، دافعة دموعاً لا أدري كيف تنحدر.
أعادني موقف إلى أجواء وزارة التربية، فأثناء انتظاري أذان صلاة المغرب، كان أمامي طفلان وأختهما، وقد افترشا حصيرا مربعة ونثروا عليها الكتب والأقلام، كانت والدتهم قد تركتهم برعاية أختهم، بدأ الكبير بالكتابة، توجهت إليه وسألته عما يفعل، فقال إنه واجب مدرسي سيؤديه وهو في الحرم، طلبت منه أن أرى كتابه، لم يكن على الكتاب أسماء المؤلفين بل كانت جملة واحدة تقول إنه مؤلف تحت التجريب، تم بإشراف مجموعة من المتخصصين دون ذكر الأسماء، أعجبتني الفكرة، تصفحت أول الكتاب، موضوعاته تميل إلى التفاؤل، قصيرة لكنها بكلمات واضحة يسهل نطقها وفهمها عن الجدة وحنانها، ويليه موضوع مبسط عن صلة الرحم.
مثل هذه الدروس الأولية تعطي الطفل إحساسا بتقدير الترابط الأسري، اكتفيت بهذا تاركة للصغير أن يستكمل ما بدأه.
بعد لحظات أعلن الأمام قيام الصلاة وقد امتلأت الساحات الخارجية والداخلية وحيث موقعنا كان أمامنا مجموعة كبيرة من النساء الباكستانيات، في شهر أكتوبر من عام 2011، سيدات التزمن بقواعد الصلاة وأخريات كأنهن مستمعات فقط دون أن يؤدين الصلاة، كن جالسات إما لعجز بدني أو لجهل بكيفية تأدية العبادة، كان وصولهن إلى الحرم غاية أمانيهن، أما ذاك الذي أصر على الجلوس على عتبات السلم المؤدي للصحن مستعينا بآخر من جنسيته ليصوره مع زوجته واضعا ذراعه على كتفها، لكن من حسن حظه لم يره أحد المشرفين.
قد أكون ابتعدت قليلاً عن التربية وذكرياتها.
مؤتمر اليونيسكو
دونت الرفاعي بعض ملاحظاتها وذكرياتها خلال مشاركتها في مؤتمر تربوي في اليونيسكو وتقول: أمامي أوراق قديمة لم تتحول بعد إلى صفراء، التاريخ على الصفحة الأولى يشير إلى موقعها في جنيف. الأولى 14 يوليو لعام 1979 بعنوان: قائمة بوثائق الدورة السابعة والثلاثين للمؤتمر الدولي للتربية.
عادت بي الذاكرة، وكأنها من عام 2009 وليس 1979، فأكثر من ثلاثين عاما ومازالت مرتسمة راسخة في ذاكرتي، حين سافرت مرافقة لوفد وزارة التربية برئاسة الوزير الأستاذ جاسم المرزوق، وعضوية وكيل الوزارة المساعد الأستاذ محمد الصانع- رحمه الله- والأخت الفضلى هند الشلفان - حسب معلوماتي كانت تعمل في اليونيسكو ومقرها الكويت.
وصلنا إلى جنيف، لا أذكر اسم الفندق الذي أقمنا فيه أنا وهذيل رحمه الله، ودعوت ابن عمه خالد ليشاركنا الإقامة حتى لا يبقى هذيل وحيدا أثناء حضوري جلسات المؤتمر، كان مقر الاجتماعات قريبا نذهب إليه مشيا على الأقدام، وكنت اول مرة احضر مثل هذه اللقاءات، انتابني إحساس قوي بضرورة أن أعرض تجاربنا التعليمية في الكويت، ومازلت أسأل نفسي: لماذا ترددت، ربما لأن من بين الحضور- إضافة إلى من ذكرت- كان السيد سليمان العنزي المسؤول في اليونيسكو، وحضور الدكتور حسن الإبراهيم، الذي كان وقتها مديرا لجامعة الكويت.
تعرفت خلال هذه الزيارة على شخصيات أفريقية واطلعت على تجارب بعض الدول التي لا يقاس مستوى التعليم فيها بما لدينا في الكويت، كانت الملاحظات سجلتها كثيرة، منها الاتجاهات الرئيسة في مجال تربية الطفل ورفاهيته، كذلك حول تطبيق الحق في تعلم الجميع.
كانت وزارة التربية آنذاك جادة في إعادة تنظيم التعليم الإلزامي، ومتابعة تعليم الكبار - وسيأتي الحديث عن ذلك لاحقا - تأكيد دور الدورات التدريبية للفئات التي تحت مظلة التعليم.
تضمن المؤتمر عرض الكثير من التجارب ومناقشة الكثير من مفردات التعليم، وأفادني بالتعرف على تجارب دول كثيرة حول العالم، إضافة إلى لقاءات بعد الظهر الممتعة في قاعة الفندق، بوجود المرحوم محمد الصانع معنا والدكتور حسين الإبراهيم والاستاذ سليمان العنزي، كان الأول يجمع هذيل - رحمه الله - وابن عمه خالد وأحد أحفاد المرحوم العم عبدالعزيز الراشد، ويبدأ يسألهم عن تسميات كويتية قديمة لأشياء لم يعشها هؤلاء الصغار، وغالبا ما يتعثرون بإلاجابة، وعقابهم كان جملة خفيفة بظلها يالله مالك جنسية كويتية.
أهمية مثل هذه اللقاءات تكمن في التعرف على زملاء ورؤساء في العمل خارج حدود التعامل الرسمي.
أسائل نفسي عندما تمر هذه الذكريات: لماذا امتنعت عن عرض تجاربنا التعليمية في المؤتمر؟ ربما لعدم تكليفي بعرض تلك التجارب من رؤسائى فى ذلك الوقت؟.
كانت أوقات الاستراحات هي ملتقى لممثلي الدول المختلفة، والتعرف على ثقافاتهم.
أكتفي بهذا القدر لتجربتي في حضور المؤتمر التربوي الدولي لليونيسكو.
متعة الكتابة
عندما أفتح ملفي لخاطرة جديدة يلازمني شعور محبب إلى نفسي، أحاول أحيانا أن أستبعده حتى لا تتزاحم المشاعر العاطفية التي قد تطغى على ما أنوي أن أسجله من حقائق وتجارب.
(يتبع)


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات