loader

الاخيرة

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

هوامش (22)


استمراراً لما ذكرناه سالفاً عن البحر فإننا هنا نود الإشارة إلى الحياة البحرية في الكويت. ومما لا شك فيه أن البحر كان من أهم أسباب نشأة الكويت، وكان الكويتيون الأوائل سعيدين حين وجدوا المكان المناسب الذي يستطيعون بسببه أن يعملوا وينتجوا، ويزاولوا مهنا مختلفة تتحسن بها معيشتهم، ولذا نمت الكويت منذ سنة 1613م بسرعة فائقة، واستطاعت أن تُكَوِّنَ لها أسطولاً بحرياً مهماً، ومنذ القرن التاسع عشر فإن سفن الكويت كانت تمخر عباب الماء إلى مناطق نائية، فتجلب البضائع التي استطاع أبناء الكويت بسببها أن يكونُوا لبلدهم مركزاً تجارياً مرموقاً يرتاده المجاورون من أجل شراء ما يحتاجون إليه من سلع.
وليس هذا فحسب، فإن الماء الذي كان شحيحاً في الكويت بحيث يصعب الحصول عليه في أوقات الصيف خاصة، وجد في البحر سبيلاً إلى جلبه من خارج البلاد، فوجدنا للكويت أسطولاً مهماً لا عمل له إلا إحضار المياه العذبة إلى الكويت والقضاء - نسبياً - على ظاهرة العطش. وعندما تكونت شركة ماء الكويت في سنة 1939م أعدت عدة كبيرة لهذا الأمر منها بناء عدد من السفن الصالحة لنقل المياه، صنعها لها عدد من صناع السفن الكويتيين. وأعدت بِركاً لتخزين المياه الواردة بهذه السفن تمهيداً لتوزيعها على الأهالي، واستمر الحال إلى أن أنشأت الكويت محطات تحلية المياه البحرية.
****
رحلات السفن البحرية الكويتية تكاد تكون نوعاً من الأساطير التي تسطرها السفن ويُسطرها النواخذة والبحارة وتقوم برحلات متعددة إلى أماكن بعيدة. ولقد كان الن فاليارس في عدن عندما بدأ رحلة جديدة في حياته، وشاهد سفن الكويت فكتب عنها قوله: كنت قد رأيت بعض مراكب (البوم) وهي ترفع الأعلام الكويتية الحمراء في الميناء (ذلك هو لون علم الكويت القديم)، وكانت مراكب كبيرة، رشيقة، مدهونة جيداً بالزيت، وذات صوارٍ عالية كبيرة. وكان بحارتها يرتدون أغطية رأس نظيفة، وجلابيب نظيفة، يضربون بمجاديفهم في قواربهم الطويلة بطريقة فنية منتظمة، شبيهة بطريقة البحارة الهنود القدماء. وكنت أشاهد النواخذة وهم يسيرون بهيبة وجلال مع مساعديهم على مؤخرة السفينة، بين قرع الطبول، وضجيج الأغاني في الوسط.
وهو في وصفه هذا يقارن بين المستوى الذي وجد عليه سفن الكويت الشراعية وربابنتها وبين تلك السفينة التي ألتحق بها قبل ذلك، ووصلت به إلى مدينة على ساحل البحر الأحمر، فوجدها مختلفة من حيث شكلها، ومن حيث العاملين عليها عن أية سفينة كويتية شاهدها هناك.
أدَّى به عدم ارتياحه للسفينة إلى الالتحاق بسفينة كويتية نوخذاها علي النجدي الذي أمتدحه له صديق كويتي من آل حمد له مكتب تجاري في عدن وهو يمثل نفسه وأسرته في هذا المجال.
وأخيراً جاء اليوم الذي غادر فيه بوم النوخذ علي النجدي إلى ميناء عدن متجهاً إلى داخل أفريقيا، فكان ذلك تحقيقاً لأمنية فاليارس.
هذا ولقد مضى البوم إلى غايته، وقام بالمهمة التي أبحر من أجلها من عدن إلى دلتا نهر الروفيجي لشراء كمية من الأخشاب كبيرة الحجم التي تحتاج إليها الأعمال في الكويت. ونحن هنا نريد أن نستمر في الحديث عن هذه المنطقة المهمة والخطيرة.
ولما كنا قد ذكرنا في مقال سابق مدى اهتمام العرب القدماء بالرحلات البحرية، وبالاستفادة من وجود البحار إلى جوارهم بحيث يجدون فيها مجالات التجارة والصيد، والغوص على اللؤلؤ فإننا نذكر هنا شيئاً عن السفن الكويتية القديمة ففيها وفي رحلات ركابها، ونظم العمل البحري المتبع في سيرها ما يكاد يكون امتداداً لما كان يؤديه البحارة العرب الأوائل. ولهذا فإننا نرى الحديث عن المتأخرين منهم لا يقل أهمية عن المتقدمين بل هو يعطي صورة تكاد تكون حقيقية عن البحرية العربية القديمة. وهي اقتداء بما كان الأولون يقومون به من أعمال يخترقون فيها البحار، ويحصلون خلال ذلك على ما هم في حاجة إليه من رزق كتبه الله لهم.
ولن نجد أوضح، ولا أكثر استقصاء عن سفننا الكويتية التي نفخر بها دائماً مثلما نجده عند الآن فاليارس الذي سافر على إحداها سفرة مهمة وطويلة وكتب تجربته الرائعة عندما صحب بوما كويتيا يقوده النوخذة علي النجدي.
وفاليارس معجب بالأبوام الكويتية منذ رآها لأول مرة في ميناء عدن بجنوبي اليمن، ووصفها وصفاً يدل على هذا الإعجاب.
****
وهذه نقلة إلى مرحلة ثانية، فالبوم يسير الآن متجهاً إلى غايته وهي الوصول إلى دلتا نهر الروفيجي حيث يقوم بتحميل الأخشاب الضخمة المطلوبة في الكويت لبناء السفن، وبناء المساكن. ثم بعد أن يتم مهمته هذه يعود من حيث أتى ثم يتجه إلى الوطن بعد أن قضى وطره من رحلته هذه.
كان الآن فاليارس شديد العجب مما يراه فهو لم يصادف أن ألتقى برجال مثل هؤلاء الرجال يجدُّون في العمل، ويؤدونه على خير وجه ويتعاونون بينهم، فلا يكاد المرء يبصر لهم حركة من حركات الخصام مهما كان نوعها.
يتحدث فاليارس عن هذا النهر الخطير والدلتا الجالبة للمشقة لكل من يجتازها وقد سماها دلتا التعاسة، وهو صادق في ذلك بموجب الوصف الذي قدمه لها، إنه يقول: نهر الروفيجي أحد أنهار أفريقيا القوية ينبع من مرتفعات تنجانيقا، ويجري شرقاً باتجاه المحيط الهندي، ومازال منذ عصور لا تحصى يجرف معه التربة من التلال، ويلقيها فوق مئات الأميال من الشاطئ، أما البحر المقابل له فيمتلئ بالركام الرملي، وبالجزر المغمورة، والصخور المرجانية ثم يقول أما مداخل الدلتا فتتألَّفُ من شبكة من الممرات المعقَّدة، الكثيرة الأمطار.
وأشار بعد ذلك إلى غرابة الأجواء المحيطة بالدلتا وبالنهر بصورة عامة فهو نهر لا يستقر على حال ومن يراه في سنة من السنوات، فإنه سوف يراه مختلفاً في السنة التالية. وكأنه مَسْكون بروح شريرة ماكرة، ولا يمكن أن يُؤمن جانبه أبداً.
ثم يقول: خلاصة القول أن هذا المكان سيئ بشكل يفوق التصور، ولا وجود لمكان آخر في العالم يُضَارِعُهُ من حيث السوء.
إلى هذا الموقع ذهب أبناء السندباد من الكويتيين.
كان البوم قد أمضى شهراً بين هذه الأماكن البائسة، وكان توقع الأسوأ قائماً لأَنَّ كل يوم يمر على ركاب هذا البوم يمر وقد صحب معه مناظر من البيئة السيئة وصوراً من القذارة التي يصعب وصفها. ومع ذلك فإن الرحلة مستمرة، والرجال يعملون.
لقد بدأ تحميل المركب بأنواع الأخشاب ضمْنَ ما كان معمولاً به هناك. ثم مرت الأيام وهم في هذه البيئة التي لا تطاق ولكنهم قد قاموا بالمهمة التي قدموا من أجلها على كل حال.
وعندما تم التحميل اتجهت السفينة إلى طريق العودة وكانت أول محطة وصلت إليها هي زنجبار. وقد نجت من بؤس الدلتا.
****
وأخيراً وصل البوم إلى الكويت سالماً هو ومن كان على متنه. وقد وصف فاليارس لحظات الوصول وصفاً دقيقاً ثم ذكر شيئاً عن لقائه بالشيخ أحمد الجابر الصباح أمير البلاد في ذلك الوقت فقال: كنا نسير في الطريق الممتد على محاذاة الشاطئ باتجاه قصر شيخ الكويت، صاحب السمو أحمد بن جابر الصباح، لكي نسلم على سموه، كما كانت العادة في الكويت بالنسبة للأغراب، والنواخذة العائدين مؤخراً من البحر. وما كدنا نقطع نصف المسافة إلى قصر الشيخ، حتى قابلنا الشيخ نفسه وهو قادم من حول منعطف في الطريق في سيارة أمريكية الصنع، يتقدمه ويتبعه عدد من سيارات الشحن الكبيرة المملوءة بالجنود البدو المسلحين. فقد وجد سموه أنه لم يعد من الحكمة، أن يسير في المدينة من غير حراسة، كما كان الأمر في السابق. توقفت السيارة على مقربة منا، وتبادلنا التحية. وقد أحببت شيخ الكويت من النظرة الأولى. كان رجلاً وسيماً، قوي البنية، له شاربان سوداوان ولحية سوداء، وعينان واسعتان نفاذتان. وكان يرتدي اللباس العربي الجميل الذي يرتديه شيوخ العرب: الجلباب الأبيض الطويل، وفوقه العباءة المصنوعة من وبر الجمال والموشاة بخيوط الذهب، كما هو حال عباءة نجدي، إلا أن التطريز على عباءة الشيخ كان أكثر وأجمل. وكان يرتدي على رأسه كوفية من القماش الخفيف المشجر، الذي لم يكن يخفي القلنسوة المحاكة على شكل نماذج من الأزهار. وكان عقاله قوياً مصنوعاً من الخيوط المذهبة، ومثبتا فوق الكوفية، حيث يبقى شكله مربعاً، كما كان الحال بالنسبة لمشايخ العرب. وكان وجهه قمحياً، يميل إلى السمرة، ليس فيه شيء من الغموض أو اللؤم. وكان من الواضح أنه ليس حاكماً مستبداً.
****
لا مجال للحديث عن رحلات البحر قديماً أكثر مما أوردناه هنا. وقد كان القصد هو أن نقدم النموذج الكويتي باعتباره امتداداً لما كان عليه النشاط البحري العربي القديم. وقد نكون أفلحنا في ذلك.
 تنويه
 إننا حين نتحدث بهذا الحديث عن علي النجدي وعن الآن فاليارس ورحلتهما الطويلة الصعبة. فإننا ينبغي ألا ننسى عملاً أدبياً راقياً قام بإنتاجه أديب كويتي مرموق هو الأستاذ طالب الرفاعي، الذي أراد أن يخلد ذكرى النوخذة علي النجدي، فصنع رواية في منتهى الصدق والجمال تناولت حياة هذا الرجل، وعرج خلالها على الحديث عن فاليارس ورحلة البوم التي غدت مشهورة بيننا.
إننا نقدر هذا العمل الروائي الممتع الذي قدمه الأستاذ الرفاعي ونرجو له المزيد من الإنتاج القيم.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت