loader

الأزمنة و الأمكنة

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

الشعر على لسان الشاعر السوداني: إدريس محمد جمَّاع...


قدّم لنا السودان شعراء مبدعين صار لهم صيتٌ لا في بلادهم وحدها، بل لقد انتشر ذكرهم في الوطن العربي كله، وأحب الناس شعرهم وتغنَّوا به.
ونحن لا ننسى الشاعر الكبير الهادي آدم الذي تغنت له أم كلثوم بأبيات جميلة ساحرة هي التي مطلعها:
أغداً ألقاك؟
يا خوف فؤادي من غدي
يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد
آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا
كنت أستدنيه لكنْ هِبْتُهُ لما أهابا
وأهلَّت فرحة العمر به حين استجابا
هكذا احتمل العمر نعيماً وعذابا
بهجةً حَرَّى وقلباً مسَّه الشوق فذابا
أغداً ألقاك...
هكذا كتب الهادي آدم، وهكذا لحن الفنان محمد عبدالوهاب ثم هكذا ترنَّمت أم كلثوم وكفى...
والشاعر الذي نرغب في الحديث عنه هنا شاعر رقيق الإحساس قوي الشعر يعبِّر أفضل تعبير عن مشاعره صارت له شهرة كبيرة بفضل ما قدم لنا من شعر، وتغنى السودانيون بَشِعْرِهِ وذلك لأنه صالح للغناء قابل للتلحين. ومما يذكر أن هذين الشاعرين كانا قد تخرجا في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة وهي الكلية التي تحدثنا عنها فيما مضى، وبينا أثرها في كل مكان من الوطن العربي وعلى الأخص: الكويت.
سمعت عن الشاعر إدريس جماع بالصدفة، ثم صرت أتابع أخباره وما كتبه من شعر، وما كتبت عنه من بحوث، وكان ذلك يوم قال لي صديقي الذي لا يريد مني أن أذكر اسمه مطلقاً:
- إن من أعجب ما يعجبني من شعر هو ما قرأه عليَّ أحد أصدقائي دون أن يخبرني باسم قائله لأنه لم يعرفه ولم يعرف من ذلك الشعر غير بيت واحد، يصور حياة الشاعر تصويراً دقيقاً، ويبين حجم المأساة التي يعيشها، فهو يندب حظه ويصفه بحزن شديد قائلاً:
إن حظِّي كدقيق فوق شوك نثروه
ثم قالوا لحفاةٍ يوم ريح إجمعوه
وقد أخذت على نفسي متابعة هذا الشعر، فوجدته للشاعر السوداني إدريس جمَّاع، ووجدت بعده:
عظُم الأمر عليهم ثم قالوا اتركوهُ
إنَّ مَنْ أشقاهُ ربِّي كيف أنتم تُسْعِدُوهُ
وعلمت أن قائل هذا الشعر لا بد وأن يكون شاعراً عبقرياً، قويَّ الشعر. فابتدأ بحثي عنه إلى أن عرفت ما يلي:
افتتح الأستاذ فاروق حواس ما أراد أن يكتبه عن هذا الشاعر بأن قال: التقيت في مؤتمر جامعة جدارا عن الإعلام، الذي انعقد في شهر أبريل لسنة 2017م ببضعة باحثين سودانيين يحفظون الشعر، ويحسن بعضُهُمْ الغناء السوداني الذي له نكهة وتلوينٌ ومدَّ صوت.
سألتهم عن الأبيات، وعن الشاعر، فأخبرت أن إدريس جمَّاع الشاعر السوداني (1922م - 1980م) هو الذي قالها، وله العديد من القصائد المشهورة، التي تَغَنَّى ببعضها أكثر من مطرب، وقد صدرت له مجموعة يتيمة هي: لحظات باقية).
كان هذا هو ما كتبه الأستاذ الذي نقلنا عنه، ولكنه استأنف قائلاً إنه بعد هذه الجلسة دأب على البحث عن شعر إدريس جمَّاع وأخباره، وقد وجد من شعره هذه الأبيات الرائعة:
شاء الهوى أم شئتِ أنتِ
فمضيتِ في صمتٍ مضيتِ
أم هزَّ غصنَك طائر
غيري فطرت إليه، طِــرْتِ
وعــدوتُ كالمحموم لا
أهذي بغير هواكِ أنتِ
ومنها قوله:
رجع الـربـيع وفيه شو
ق، للحياة وما رجعتِ
كوني كنجم الصبح قد
صدقَ الوعود وما صدقتِ
أنا فى انتظارك كل يوم ها هنا فى كل وقتِ
أما بيت الشعر الذي عدّه النقاد أجْملَ بيت غزلي قيل في العصر الحديث فله حكاية:
كان الشاعر يُعَالَجُ في لندن بأحد مستشفياتها ذات الاختصاص بمرضه، وكانت الممرضة المسؤولة عن حالته جميلة العينين مبهرة، فكانت إذا دخلت إلى غرفته وجدته ينظر في عينيها نظرات غريبة لا تفهمها، فذهبت إلى مدير المستشفى، تشكو إليه ما تلاقي من هذا المريض فنصحها أولا بالصبر، وثانياً بوضع نظارة تخفي عينيها عن بصره، ونفذت الممرضة ما قاله المدير ، وفوجئ إدريس جمَّاع بها وقد غطت عينيها الساحرتين فقال:
والسيفُ فى الغمد لا تُخشى مضاربُهُ
وسيف عينيك فى الحالين بتَّار
ويقال إنها استمعت بعد ذلك إلى ترجمة لهذا البيت، وعرفت أن مريضها التي تتابع حالته شاعر جيد فأخذت تبكي بكاءً شديداً أسفاً على حالته.
****
إدريس محمد جمَّاع شاعر غريب الشأن، يلاحظ الناس ذلك فيه منذ
صباه. ولد كما ذكرنا آنفاً في سنة 1922م من أسرة كبيرة لها مقام بين أبناء قومها، إذ كان أبوه رئيساً للقبيلة التي ينتمي إليها. وقد درس في الكتاتيب وحفظ القرآن الكريم، ولقد كانت أسرته محافظة، ولكن جنون الشعر سيطر عليه، فذهب به بعيداً عن أهله بما فيهم والده وإخوته وأقاربه، وَذُكِرَ أنه كان قليل الاقتراب من الناس، محبا للخلوة، يشغل نفسه بأفكار خاصة يصعب الوصول إليها إلا عن طريق شعره. وكان وافر المجاملة متميزاً بحبه للناس جميعاً، وكان لكثرة طيبته إذا مر عليه أحد تلاميذه وسلم عليه، وصادف في ذلك الوقت أنه كان يتناول إفْطَارهُ رد السلام بأفضل رد ثم رفع يده إلى صدره كعادة السودانيين دون أن يلاحظ آثار الطعام على كفه فتتسخ ثيابه وتتكرر هذه المسألة معه في كل يوم.
وعلى الرغم مما يحدث فإن قلبه أبيض كما يقولون، وهو حاد الذكاء، عبقري منذ طفولته. وعندما كان صغيرا فإنه كان يبتدع لأصحابه الصغار ألعاباً يشاركهم فى اللعب بها، وينشد لهم أناشيد ينظمها لهم فيدخل السرور إلى قلوبهم، ويجلب مَحَبَّتُهُمْ له.
بدأ دراسته في المدرسة النظامية التي أنشأتها الحكومة في سنة 1930م وانتقل بعدها إلى المدرسة المتوسطة في مدينة أم درمان. وواصل دراسته حتى تمكن من علمه فصار مدرساً نشطاً له سمعةُ طيبة يلقي شعره في الاحتفالات المدرسية وغيرها.
وبعد هذه المسيرة انتقل إلى مصر، والتحق بكلية دار العلوم من جامعة
القاهرة، وواصل دراسته فيها حتى تخرج حاملا شهادة الليسانس في اللغة العربية سنة 1951م.
****
قصة حياة إدريس جماع الشاعر المبدع هي قصة حياة إنسان له وضع خاص إذ نراه منذ نشأته رقيق الحاشية محباً للناس محبوباً لديهم. ونراه حريصاً على طلب العلم وتعليمه، حتى لقد رحل من بلاده من أجل استكمال دراسته، أما شعره فيشهد له ما نراه له في الديوان الذي جمعه له أهله وأصحابه وطبع بعد وفاته تحت عنوان: لحظات باقية، فإن فيه من الشعر الرائق ما ترتاح له النفوس، ويملأ القلوب إحساساً بما كان هذا الشاعر يشعر به، وما طرأ له في حياته.
وكأن بوادر التغيُّر في حياة إدريس جمّاع التي كانت تعود إلى بدايات حياته، انطبعت طيبة وحسن خلق ومحبة للناس ثم تطورت إلى أمور ذات أثر على مسلكه العام من حيث اتزانه، وقدرته على التفاعل السليم مع الأحداث التي تمر به، وأخيراً ابتُلى بالجنون، وعرف به.
لقد كانت حكاية جنونه حكاية مؤلمة لكل من أحبه، فقد تطور الأمر حتى رآه الناس أخيراً وهو مُغبَرٌّ يجول فى الطرق ويجتاز الدروب دون هدى، وَأُرسل على حساب دولته إلى لبنان للعلاج، ولكن حالته لم تكن قابلة للشفاء، ولم يبق له من العقل ما ينفعه، فما وجدوا له غير مستشفى المجانين، دخله وهو يحمل ذكرياته عن حُبِّهِ القديم الذي أوصله إلى هذه الحال السيئة. ولقد رُوي عنه أن ما أوصله إلى ما وصل إليه هو أنه كان قد عشق فتاة من بلده، واتفق معها على الزواج، ولكنه بعد هذا الاتفاق سافر إلى مصر من أجل الدراسة كما ذكرنا آنفاً، حيث امضى المدة من سنة 1947م إلى سنة 1951م هناك، ولم تستطع الفتاة أن تنتظر كل هذه المدة، وبخاصة وأنها لا تستطيع أن تنفرد بأمر نفسها، فلها أسرة لها حقوق عليها ولا تستطيع إلا أن تنفذ ما تراه هذه الأسرة، ولهذا تزوجت، وعندما عاد من غيبته لم يستطع أن يتحمل ذلك الذي حدث فقد أثر موقف الفتاة في نفسه، وأتلف أعصابه وأودى به إلى الجنون.
ولم تذكر أسرة الشاعر هذا السبب على أنه هو الذي أدّىَ به إلى فقد عقله، ولكن النقاد الذين كان بعضهم يعرفه شخصياً هم الذين قالوا ذلك وقد استدلوا عليه بقصيدة قالها في بداية أزمته بعنوان ربيع الجنة) قيل إنه كان ينشدها لها، ومنها قوله:
في ربيع العمر كنا نتساقى ونُغَنِّي
نتناجَى ونناجي الطير من غُصنٍ لغُصن
ثم ضاع الأمس مني، وانطوى في القلب حسرة
إننا طيفان في حلم سماوي سرينا
واعتصرنا نشوة العمر ولكن ما ارتوينا
إنه الحبُّ فلا تسأل ولا تعتب علينا
كانت الجنة مأوانا فضاعت من يدينا
ثم ضاع الأمس منِّي
وانطوى بالقَلْبِ حَسْره
والقصيدة طويلة ملأى بالحسرات على ما فات، والأسف على الأمل الذي خاب، ولم يتحقق له.
وفي هذا المجال نذكر مِمَّا كَتَبَهُ الأستاذ سيد محمد الياسري في الإنترنت ما يلي: ترك إدريس جمَّاع بين الجديد والقديم في الشعر أثراً وحساً ووجداناً في الشعب السوداني خاصة وفي الوطن العربي كذلك، وقد عدت قصيدة القُضْبان آخر ما كتبته ذاكرته، وعبر عنه وجوده بصفته شاعراً يفيض شعره من قريحته الحيَّة للوجود الحانا شجية.
إنه يحاول أن يستذكر ما مر به وهو في مستشفى المجانين، ولكنه ينسى كل شيء حتى آخر قصيدة له وهي التي كان عنوانها: وحشة الليل.
ما له أيقظ الشجون فقامت
وحشة الليل واستثار الخيالا
ما له في مواكب الليل يمشي
ويناجي أشباحه والظلالا
هيَّن تستخِفُّهُ بسمة الطفـ
ــــل، قوى يصارع الأجيالا
إلى أن يقول:
هو طفلٌ شاد الرمال قصوراً
هي آماله ودكَّ الرمالا
هو كالعود ينفخ العطر للنا
س، ويفْنَي تحرُّقاً واشتعالا
وأخيراً انطفأ هذا العود المعطَّر، في اليوم الرابع والعشرين من شهر مارس لسنة 1980م، بعد حياة كلها بؤس وشقاء، تاركاً شعره للناس، وذكراه للوطن.
***
هذا ما رأيناه من حال الشاعر السوداني المبدع إدريس محمد جمَّاع، ولا نستطيع إنكار ما حلَّ به في حياته، فهذا أمر مشهور، ومكتوب في أكثر من مرجع.
ولم يكن أمر هذ الشاعر خفياً بل لقد كان من مشهوري شعراء السودان، وكان شعره يجري على كل لسان في وطنه وغير وَطَنِه، يردده الجالسون في جلساتهم والمغنون حين يأتي وقت الغناء.
ومع ما حل به في دنياه، فإنه قد اكتسب شهرة كبيرة حتى لقد طبع ديوانه في عدة طبعات، ثلاث منها في مصر، وواحدة في السودان، وأخرى في أبوظبي، وكتب أحدهم عنه وعن شعره رسالة نال بها شهادة الدكتوراه، وألف آخر كتاباً عن شعره.
وهذا بخلاف ما كتب عنه من بحوث ومقالات وما ألقي عنه من محاضرات، وفي واقع الأمر فإن شعره من النوع الآسر الذي يحب المرء سماعه وحفظه، ففيه صدق ورقَّة، وحسن أسلوب وعليه طلاوة فاق بها عدداً كبيراً من شعراء عصره.
ومن المستغرب أنه كان يقول شعره حتى في الوقت الذي كان يُسَيْطِرُ عليه فيه مرضه العقلي، وهذا واضح من الحكايات التي وردت عنه، وهي حكايات مرتبطة ببعض المنظومات الشعرية الجميلة، التي يضلّ عنها أصحاب العقول الواعية، ويعيش على نغماتها المحبون ويتغنَّى بها المطربون.
وليس إدريس جمّاع بدعاً من الشعراء الذين أودى بعقولهم جنون العبقرية والحب ودفع بهم إلى ما وصل إليه صاحبنا هذا.
فمن هؤلاء عدد كبير ذكرهم تاريخ الأدب العربي، ولن ننسى أخبارهم ولا أشعارهم التي كانت رقيقة تمتلئ بالأحاسيس الصادقة.
وحكاية قيس بن الملوح (مجنون ليلى العامرية) تُروى دائماً، بِصِفَتِهَا نموذجاً لذلك، وقصائده تتردد على الألسنة فيعجب بها عشاق الشعر، وإن كان ابن الملوح قد اشتهر بذلك فإننا نستطيع أن نذكر شعراء آخرين غيره، عانوا معاناته وذاقوا طعم الحرمان ممن يحبون حتى اندفعوا إلى فقدان اتزانهم مثله وأصبحوا في عداد المجانين.
وليس هذا فحسب، بل هناك كتب جرى تأليفها لهذه الغاية، لأهمية أدوار هذا النوع من الشعراء في دنيا القريض، وجمال تعبيرهم من خلاله.
***
ومع ذلك فإن إدريس جماع رغم كل ما قدمناه يبقى نوعاً فريداً من الشعراء، فهو صاحب فن خاص به، وحياة ينفرد بأحوالها، فإن ما حدث له من أمور دُنْيَاهُ أمر غريب، ولكنه أمر لم يستغربه الأستاذ عباس محمود العقاد على شاعر مثل إدريس، فقد سمع الأستاذ شعر هذا الشاعر، ثم عرف مصيره بعد أن سأل عنه، وكانت قد مرت به في دراساته نماذج كثيرة مشابهة لأوضاع هذا الشاعر غريب الشأن.
وأصل الحكاية أن (جمَّاع) كان في مطار لندن ذاهباً من أجل العلاج، وكان علاجه المطلوب هو الذي كان من المنتظر أن يشفيه من علته، وهي سقم العقل حين أَلمَّ به، وعلى الرغم من حالته تلك فإن الشعر لم يكن يتركه.
وفي المطار رأى امرأة فائقة الجمال، ترافق زوجها، فأطال الشاعر النظر إليها في انبهار، وكان الزوج يحاول أن يسترها عنه، منعاً لنظراته، فأنشد في تلك الحالة:
أعلى الجمال تَغَارُ منَّا؟
ماذا علينا إنْ نظرنا؟
هي نظرة تُنْسي الوقا
ر، وتُسْعِدُ الروح المعنَّي
دنياي أنت وفرحتي
ومنى الفؤاد إذا تَمَنَّى
أنتِ السماء بدت لنا
واستعصمت بالبعد عنا
قيل: وعندما سمع الأديب عباس محمود العقاد القصيدة سأل عن قائلها، فقالوا له: إنه الشاعر السوداني إدريس جمَّاع، وهو الآن في مستشفى المجانين.
فقال: هذا مكانه لأن هذا الكلام لا يستطيعه ذوو الفكر.
وبذا يكون الأستاذ العقاد قد كشف لنا سر جمال الشعر عند الشعراء الذين أضعفت عقولهم قوة مشاعرهم، نتيجة لسيطرة الحب عليهم.
ومما ينبغي أن نضيفه إلى ما تقدم أن هذه القصيدة لها عنوان غريب مشتق من بعض كلماتها هو: أنت السماء وقد غناها المطرب السوداني الشهير سيد خليفة ضمن ما غنَّى من قصائد الشاعر.
***
مرت بنا في الكويت حالة تكاد تكون مشابهة لحالة إدريس جمّاع، وعلى رغم الشبه ففيها اختلاف، فإن شاعرنا كان تام العقل رزيناً فاهماً لأحوال الدنيا، له اتصال بعدد كبير من الناس يزورهم ويحضر مجالسهم، أما شعره فكان متنوعاً شديد التنوع ففيه الشعر السياسي والانتقادي والاجتماعي وحتى الفكاهي، وكان له اهتمام بالشعر الغنائي، وله أغنيات كثيرة رددها المطربون الكويتيون والفرق الغنائية الشعبية الكويتية. وكان له ما كتبه باللهجة الكويتية من شعر، وكل شعره يدل على تمام عقله واتزانه ولكن حظه السيئ وضعه مع أناس لم يفهموه الفهم الصحيح، فدفعوا به قسْراً إلى مستشفى المجانين.. وبقي هناك يعاني من الوضع الذي جُعل فيه، وينادي المسؤولين نداء صارخاً يعبر فيه عن مأساته دون أن يستمع إليه أحد. وفي آخر الأمر كتب قصيدة نبطية إلى السيد نصف اليوسف النصف وكان مديراً لدائرة الصحة العامة، وهو من ذوي المكانة في البلاد، ولديه القُدْرَةُ على مساعدة الشاعر، يقول فهد بورسلي:
يا نصف انصف بين عاجل ومجنون
ما يجهلك درب السنع والعدالة
خليتوا الخلان فيني يشكّون
راعي العقل واللِّي امصلع اهباله
أنا قراري عشرة ما يزيدون
واليوم شهر الصوم حروة اهلاله
ثم يحكي عن حاله مع المقيمين في المستشفى فيقول متألماً:
لوني مريض أَصْبِرْ على الهم والهون
حسَّيت بعض الضعف والرب زاله
لاشك طيب شالنظر واشتقولون
جِنّي امصلَّب بينهم بالعمالة
ولم يكن بيد مدير الصحة صلاحية إطلاقه مما هو فيه، وإعادته إلى بيته، فصار طوال إقامته وهو يقول الأشعار باحثاً عن معين يساعده على بلواه، وَلَعَلَّ مما فتح له باب النجاة أن زاره في المستشفى رجل ممن يعرفون قيمة الشعر والأدب هو الأستاذ عبدالعزيز حسين. الذي لا يحتاج منا إلى تعريف. وقد استمع إليه ونشر مقالاً في مجلة البعثة عدد شهر أكتوبر لسنة 1951م وذلك تحت عنوان: أمل الشاعر يقول المقال: في الكويت شاعر، ثم يتحدث عنه، ويواصل قائلا: إنه يقدم لقارئ مجلة البعثة هذه القصيدة التي ذكر فيها الشاعر مأساته وفي مطلعها قوله:
واقلبي اللي بيَّح الهم سدَّه
أزري الصبر يطفى لهايب وقيده
ولَّين ياحظ مريض او تردَّه
صارت مناويه الجريبه بْعيده
ويوجه قوله إلى أمير البلاد - آنذاك - الشيخ عبدالله السالم الصباح فيقول:
يا والد الكل إبْوِفا وابمودَّه
يا من لنا تسنيع الأحوال بيده
إن كان أنا زليت وامري تعده
منك العفو زايد ولا احْدٍ يزيده
ونال الشاعر عفو الأمير، وخرج إلى الدنيا الواسعة، وعاد إلى شعره وإلى صحبه حراً طليقاً إلى أن توفاه الله في سنة 1960م.
وعلى الرغم من أننا أوردنا حديثنا هذا عن الشاعر فهد بورسلي استمراراً لحديثنا عن الشاعر السوداني إدريس جمّاع فإن وضع شاعرنا الكويتي مختلف فإن ما حدث له إنما كان بقصد إيذائه حتى يتوقف عن الخوض في بعض الموضوعات التي تطرق إليها في شعره فأثارت عليه ذوي العلاقة، ولكنه في واقع الحال في تمام العقل والاتزان.
وأنا أقول ذلك من واقع رأيته بعيني فقد وقفت يوماً وهو ينشد شعره فرأيته متمكناً معبَّراً أصدق تعبير عما يريد أن يُعَبِّر عنه.
وعرفت عدداً من أصحابه أذكر منهم الأستاذ أحمد البشر الرومي، وهذا الرجل لا يصاحب من هو محسوب في عداد المجانين.
وبعد ذلك فإن النظر إلى شعره يُجنِّبه أيّ دعوى من هذا النوع، ومن شعره البديع قولُهُ يخاطب قلبه ويتحدث عن معاناته:
يا قلب لا تجزع على قِلِّ الانصاف
ما ذِكِرْ مايٍ شايلينه ابغربيلْ
ما احْدٍ يلومك صرت للهم ميلافْ
والصبر مفتاح الفرج للمشاكيلْ
يقول قلبي يا فهد صِرت مزهاف
صبرت مير الشين هيلٍ بلا جيلْ
مسكين قلبي ما ذكر دور الأشرافْ
عقب المشيخة عارضتهم غرابيل
لا شك مثلي بالقهر ما حَدٍ شافْ
شابت اعيوني من صروف الدعابيل
(الغربيل: المنخل، مزهاف: عجول، غرابيل: مشكلات، الدعابيل: المصائب).
أما في قصائد الغزل وله فيها دور بارز فقد خاطب نفسه يوماً معاتباً لها على استمراره في طريق الهوى. وتمنى عليها التوقف عن ذلك، فإن ما يجده لدى الحسان يخلب اللُّبْ ويجعل المرء في حيرة من أمره، ولا خلاص له إلا في الكف عن ملاحقة كل جميل.
إنه يتحدث عن نفسه منشداً:
هاض ابن راشد شعاع له ضُوَى
يكسر العينين نوره من بعيدْ
ليت ابن راشد يجوز إمْنِ الهوى
طار عقله طار بالطرز الجديدْ
آه واجرحاه ما فاد الدُّوا
خَلُّوا المجمول يفعل ما يريد
غصن موز في بساتينه روا
سم حالي والهوى أمره شديد
ويختمها بقوله:
حللوني تالف جسمي ذوي
واطلبوا دمِّي من الظبي الفريدْ
فهذا حديث مباشر مع النفس، لأنه يقول: ابن راشد، وراشد هو والده.
ويشتكي من أثر الجرح الذي سببه (المجمول) أي: الجميل، الذي يشبه غصن الموز في تثنيه، يراه الرائي في بستانه راوياً ناعماً، ورغم نعومته فإنه قد يقول: آلم الشاعر (سمَّ حالي)، ذلك لأن الهوى أمر شديد لا طاقة لكل إنسان في تحمله. يقول: فإذا مت فترحموا عليّ، واطلبوا لي المغفرة (حللوني) ثم اطلبوا الثأر لي ممن تسبب بما حدث لي.
هذا ولا يسمح المجال بتقديم أمثلة أخرى فشعره كثير، وموضوعاته متنوعة وما قدمناه فيه الكفاية، وفيه الدليل على امتلاكه لعقل يرتب القول ويختار منه الأفضل مهما قالوا عنه وألصقوا به ما ليس فيه.
وبعد؛
فإن من الصعب أن يتعرض إنسان إلى ما تعرض لَهُ هذا الشاعر الكويتي المبدع. وقد ثبت أن ما حل به لم يكن عن حق، ولم يكن به جديراً.
لذا فإن من المطلوب من الجهات المختصة أن تعيد له اعتباره ولو كان ذلك بعد وفاته، فإن هذا من حقه في جميع الأحوال.
***
وأخيراً فهذا إثارة لموضوع أدبي مهم، إذ وجدنا أثر الحالة النفسية لدى الشعراء الذين يتعرضون لنوع من الضغط المؤثر. ومع ذلك فإن شعرهم يكون في منتهى الجمال والرقة، ونأسف إذ لا نستطيع الاستمرار في هذا الموضوع لأن ذلك يقتضي وقتاً ومجالاً واسعين.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت