loader

علم ومعرفة

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

سيرة يوثقها محمد السنعوسي في كتاب جديد

فهد المعجل.. رجل من الزمن الجميل


بغلاف تتصدره صورة فهد المعجل رسمتها الفنانة الفرنسية ريني كسبار عام 1979 صدر كتاب «رجل من الزمن الجميل.. فهد عبدالرحمن المعجل».
فلماذا هذا الكتاب؟
إن حق المستقبل علينا أن نقدم له التجارب والسير التي تبقى حاضرة على لسان كل من يقدر العطاء والإنجاز وفي ضمائر الأجيال القادمة، خصوصاَ إذا ما كانت هذه التجارب مغلفة بمبادئ لا تتغير وثوابت لا تتلون بفعل أهواء وظروف. هكذا يرجع الإعلامي القدير محمد السنعوسي سبب مبادرته بإصدار كتاب «رجل من الزمن الجميل.. فهد عبدالرحمن المعجل» ليؤكد اهتمامه بمشروعات توثيق السير الذاتية، بعد ثلاثة أعوام على كتابه الأول «السنعوسي.. تلفزيون الكويت تاريخ وحكايات» وهو مرجع مهم ورئيس في تأريخ مرحلة تأسيس التلفزيون. التزم السنعوسي بأسلوب «لاند سكيب» في الكتابين وعرض الجذور والأنساب مع تقديم لمحات عن البيئة المحيطة فيما يخص الأحداث قبل أن يغوص في السيرة الذاتية.
مفتاح
معرفتنا بفهد المعجل من خلال هذا الكتاب تبدأ بما رأه الكاتب أنه مفتاح الشخصية والتي اعتبر أنها «النخوة» وهي نوع من مكارم الأخلاق وحسن المعاملة مع الغير والمبادرة لتقديم المساعدة دون طلبها والاهتمام ببث المحبة بين أبناء المجتمع الواحد ونبذ العداوة، كما بين أنه لا يغيب عن مفتاح شخصية فهد طيبة فطرية تعكس أصالة صاحبها، ويستعين الكاتب هنا بعبارة ذكرها الزعيم نيلسون مانديلا يرى أنها تنطبق على مسار فهد في الحياة مفادها: الطيبة ترتب لصاحبها أجمل الأقدار. يذكر الكتاب أن أصول المعجل تعود إلى قبيلة بني تميم وبالتحديد «النواصر» منها وحسبما ورد في شجرة المعجل.
كان حمد بن عبدالله بن ناصر الدخيل يسكن في بلدة الداخلة، إحدى بلدان سدير، فتزوج من النواصر من بني تميم، وأنجب ولداً سماه معجل الذي تنتسب إليه عائلة المعجل المنتشرة في العديد من الدول، بعد ذلك توفي وهو شاب فذهبت زوجته بابنها معجل وهو طفل إلى بلدة الفرعة إحدى بلدان الوشم لوجود أهلها هناك، فكبر معجل وتزوج في الفرعة وأنجب سلطان وفهد، وكبر الابنان سلطان وفهد وتزوجا أيضاً هناك في الفرعة وأنجبا أولاداً، ثم قرر معجل في آخر حياته العودة هو وابناه سلطان وفهد إلى الداخلة، لأن أقرباءه من الدخيل كانوا هناك.. حدث ذلك في بداية القرن الثاني عشر الهجري (القرن الثامن عشر الميلادي). بعض أفراد أسرة المعجل انتقلوا إلى عدة مناطق واستقروا فيها مثل: الحصون والدمام والكويت والزبير، وعكست هجرات آل معجل من نجد صورة من صور تصدير «الناس» للأقاليم والبلدان المجاورة، وهي ظاهرة رسخت مقولة: نجد «تالد ولا تغذي» أي أنها تنجب ولا تستطيع إشباع من تنجبهم فيهاجرن للمناطق القريبة والبعيدة، وقد حقق كثير ممن تركوها نجاحات في العديد من المناطق منها: الهند، وساحل الخليج، والعراق، والشام، ومصر.
شراكة الشقيقين
كان عبدالرحمن المعجل ضمن الشخصيات التي بدأت تجارتها في الكويت مفضلاً «المواد الغذائية» وتم ذلك أولاً من خلال شراكته مع أخيه حمد بعدما أسسا شركة «حمد وعبدالرحمن المعجل» إلا أن حمد استقر به المقام في الدمام وكانت له علاقة جيدة مع الأمير سعود بن جلوي أمير المنطقة الشرقية، وبالنظر لما يتمتع به من حكمة ودراية فقد اصطفاه الأمير ليكون من بين مستشاريه كما اختير رئيساً للتجار ورئيساً للمجلس التعليمي في مدينة الجبيل، ويعتبر من أوائل من قاموا بإدخال الكهرباء والراديو إلى الجبيل بل أوجد ما يشبه الفنار ليكون دليلاً للصيادين والبحارة، ومن القصص المتداولة عنه أنه مع بداية فتح مدارس البنات جاءه يوماً وفد من أهل الدمام لمعرفتهم بمنزلته ومكانته الاجتماعية عند ولاة الأمر وطلبوا منه السعي في منع تعليم البنات فكان رده عليهم: إذاً أخرجوا أبناءكم من المدارس وامنعوهم من التعليم! فلما أبدوا تعجبهم من رأيه هذا رد عليهم بقوله: «إن الابن المتعلم يبحث عن زوجة متعلمة».
سكة عنزة
أما والد صاحب السيرة «عبدالرحمن» فقد استقر به المقام في سكة عنزة وقد اشترى فيها بيتا من إبراهيم العامر شهد سنوات تفتح الصبي «فهد» الذي اعتمد عليه أبوه في تجارته فتوقف عن الدراسة وهو في الثانية عشرة من عمره، ثم انتقل عبدالرحمن بعائلته إلى الصالحية عام 1947 وقام بتحويل بيته القديم مع مساحات أخرى إلى «سوق المعجل» ولم تمر سوى ثلاثة أعوام حتى كان الرجل يقبل على مشروع جديد عد الأول من نوعه في البلاد ويعكس رؤية واعية لوالد صاحب السيرة حينما قرر بناء فندق فوق سوقه التجاري سنة 1950، هذا كله قبل أن ينتقل إلى الفيحاء أوائل الستينيات.
تنافس
يورد الكتاب قصة فيها قيم ومبادئ قلما نراها اليوم؛ حيث يحكي عن أحد أشخاص عائلة المعجل (عبدالله المعجل) وقد أصيب في إحدى قدميه أحد أيام العام 1952 ولأنه يقطن منطقة سدير في نجد ذات الإمكانات الطبية المتواضعة فقد جاء للكويت قاصداً العلاج في المستشفى الأميركاني وبعد رحلة شاقة استغرقت أربعة أيام ولسوء حظهم تعطلت السيارة التي نقلتهم عند حدود الكويت ولأن الليل أسدل أستاره ونظراً لبعد منزل العم عبدالرحمن المعجل عنهم فقد أشار إليهم أحد المارة بالذهاب إلى منزل العم سليمان الصقر القريب من موقعهم فتوجهوا إليه وطلبوا المساعدة فأجابهم الأخير بعدم معرفته بأبو فهد وأشار عليهم بالمبيت في ضيافته، وما إن استيقظوا صباحا حتى وجدوا أنفسهم أمام سفرة عامرة بأطياب الأكل وبعدها أمر سائقه الخاص بتوصيلهم إلى منزل العم عبدالرحمن المعجل، وهنا تعجبوا وسألوه: كيف سيوصلنا إلى مكان لا تعرفه أنت وبالطبع لا يعرفه السائق؟ فأجابهم بكل تواضع: ما من أحد في الكويت لا يعرف عمكم عبدالرحمن، وقد تظاهرت البارحة بعدم معرفتي به خوفا من أن تصروا على الذهاب إليه في الحال وتحرموني من شرف ضيافتكم.
رأس فرس
يعرض الكتاب قصة لها دلالة مهمة على لسان فهد المعجل حيث اعتاد أيام الغزو الغاشم أن يصلي في مسجد في اليرموك وكان إمام المسجد من الجنسية اليمنية يجمع المصلين بعد انتهاء كل صلاة ليتحدث لوقت قصير في الأوضاع التي تمر بها البلاد ويحفز الناس نحو التماسك. في إحدى المرات جمع الإمام المصلين وقال لهم: سوف اقص عليكم حديث للملك عبدالعزيز آل سعود كنت شاهدا عليه في فترة مبكرة من حياتي، حيث كان الملك رحمه الله، بصحبة الأميرين محمد وفيصل في ضيافة إمام اليمن وكنت وقتها مكلفاً بـ «صب» القهوة العربية في مجلس الملك والإمام، فوصلني حديث المجلس وسمعت الملك عبدالعزيز يقول للحضور: «يا أولاد إن الجزيرة فرس ورأسها الكويت، إذا انقطع الرأس راحت الجزيرة كلها».
أبناء أبيهم
خصص الكتاب فصلا عن علاقة فهد بأبنائه ويذكر أنه لم تغب عنهم قيم التسامح واحترام الآخر والعمل بضمير سليم، أما البذخ والمجاهرة بالإسراف فهي أمور تنبذها قواميس حياتهم، لقد أدركوا قيمة قول أحد الحكماء «مازلت أحلم بمجتمع لا يستحي فيه الفقير من فقره، بل يستحي فيه الغني من التباهي بالترف»، وإذا كان البذخ في حفلات الزواج من أبرز علل مجتمعنا، فإن فهد وابناءه رغم ما حباهم الله من نعم لم يميلوا لهذا السلوك، نسترشد هنا بمناسبة زواج الابن الأكبر «فيصل» عام 2000 فلم يصاحبها تلك المغالاة في الاحتفال، وقد لفت ذلك انتباه الكاتب عادل فهد الطخيم الذي كتب مقالاً ذكر فيه: «أجمل وأرق ما تلقيت شخصياً من دعوات زفاف خلال السنوات الأربع الماضية تلك التي تلقيتها من الصديق العزيز فهد المعجل لحفل زواج ابنه في منزله وكانت عبارة عن ورقة بيضاء صغيرة عادية طبعت على الآلة الكاتبة وكان يخرجها من جيب دشداشته العلوي فيسلمها من يلتقيه من أصدقائه ومعارفه الكثيرين. حتى أذكر اني كنت أجلس يوماً معه إلى جانب الشيخ سالم صباح السالم بقصره في المسيلة وسلمه إحداها ومع ذلك لم تنتقص تلك الدعوة على بساطتها من مكانة الناس وتقديرهم لأبو فيصل، فقد ضاق منزله على اتساعه بالمدعوين حتى أن أنهم كانوا ينتظرون دورهم لتقديم التهاني فترة من الزمن».
محطات
ضم الكتاب أحد عشر فصلاً، الأول تناول جذور المعجل، والثاني البدايات، أما الثالث فتطرق إلى الرحلة في عالم التجارة بين عدة دول وقصة تأسيس مصرف «أنفستكورب» الذي تبلغ قيمته في الوقت الحالي نحو مليار وثلاثمائة مليون دولار. أما الفصل الرابع فجاء بقصة متكاملة عن اختيار فهد المعجل كقنصل فخري لجمهورية قبرص لدى دولة الكويت منذ العام 1967 وعلاقاته المميزة مع المطران مكاريوس الثالث رئيس الدولة وحتى الرئيس الحالي نيكوس أناستاسيادس، ومن المواقف الطريفة في هذا الفصل أنه حينما حضر الرئيس افتتاح فندق أنشأه فهد المعجل وفي جولته توقف عند أحد العمال وسأله كم راتبك؟ فأجابه العامل 1500 جنيه فاندهش الرئيس مكاريوس ورد: إذا كنت أنا رئيس جمهورية قبرص وراتبي 500 جنيه فكيف يكون راتبك أكثر مني ؟! في الفصل الخامس تناول الكتاب المفكرة التي كان يدون فيها فهد مذكراته يوما بيوم فضلا عن قصة ديوان المعجل، بينما اختص الفصل السادس بإبراز الدور المجتمعي والذي شمل تأسيس مركز هيا المعجل لغسيل الكلى ومركز ناصر المعجل لأطفال الداون وصالة المعجل للأفراح ودوره في اللجنة الوطنية لمساعدة أسر المحكومين.
في نجد
يتطرق الكتاب إلى إسهام صاحب السيرة في دعم نادي نجد الرياضي واطلاق اسم «فهد عبدالرحمن المعجل» على الملعب الرئيسي في بادرة هي الأولى من نوعها في تاريخ الأندية السعودية أن يتم إطلاق اسم أحد الوجهاء من خارج العائلة المالكة على مرفق رياضي، وكذلك إسهامه في ترميم وإعادة تأهيل جامع الداخلة بسدير وهو من المعالم الدينية التراثية إذ تم إنشاؤه قبل نحو 900 عام.
رصد
أخيراً ضم الكتاب شهادات للعديد من الشخصيات منها: السفير القبرصي، أحمد الجارالله، عبدالعزيز السريع، عبدالرزاق المطوع، يوسف الجاسم، وأمجد زكي.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات