loader

Sunday النهار

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

يستمد خيالاته من «الخياطة»

السيناريست بشير الديك: كنت طفلاً شقياً.. وأمي غرست حب الفن في نفسي


صغيراً كان «ولداً شقياً» لكنه اعتاد أن تتوقف مشاغباته هذه عندما يستريح في حضن أمه، الأم التي فتحت له أبواب الفن على مصراعيها، منحته تذكرة مجانية إلى دور السينما، اصطحبته معها في عالمها الخاص، حيث الشعر والأغاني والحكايات الأسطورية، فخرج من كل هذا بتجربة متفردة وحياة ثرية بالمواقف والذكريات وشهادة نجاح ممهورة بختم الموهبة.. إنه السيناريست الكبير بشير الديك، صاحب العلامات البارزة في تاريخ السينما المصرية، من «الحريف» الذي يعتبره العمل الأقرب إلى قلبه، إلى «موعد على العشاء» الذي عدل مشهد نهايته قبل يوم واحد من التصوير، ليواجه رفض سندريلا الشاشة العربية، الراحلة سعاد حسني، لكنها ما هي إلا لحظات واقتنعت الـ«سندريلا» برؤية الكاتب الموهوب وانصاعت لرغبته في أن تكون النهاية – كالعادة – على طريقته هو وليس أحد غيره.
الديك إلى جانب موهبته في الكتابة، خاض تجربة الإخراج، متسلحًا بالخبرة العريضة التي اكتسبها من جلساته مع أصدقائه وشركائه في التجربة محمد خان، وعاطف الطيب، ونادر جلال، فأخرج للسينما المصرية «سكة سفر» و«الطوفان» لكنه قرر بعد التجربتين الناجحتين التوقف والعودة إلى الكتابة، بعدما قال له الراحل نور الشريف «لدينا مخرجون كثيرون لكننا نفتقد كتاباً مثلك».
«النهار» التقت السيناريست الكبير بشير الديك، وتحدثت معه عن سنوات البداية من قرية «الخياطة» الواقعة شمال محافظة دمياط، ومرورًا بسنوات الدراسة في مدينة المنصورة، والعودة مجددًا إلى القرية التي يرى «بشير» أنها لعبت دورًا كبيرًا في مسيرة إبداعه.
وانتقل الحوار بعد ذلك إلى محطة «الكتابة» والسينما وذكرياته مع نجومها مثل الراحل أحمد زكي، والمخرج القدير محمد خان، وعاطف الطيب، والأسرة أيضا كانت حاضرة على طاولة الحوار، حيث تحدث بشير عن علاقته بزوجته الأستاذة الجامعية، وابنته، وحفيده الذي يقضي معه أجمل أوقاته.. وكان الحوار التالي:
بداية.. هل يمكن أن تحدثنا عن سنوات النشأة وإلى أي مدى كان لها تأثير في حياتك؟
ولدت في إحدى القرى الواقعة شمال محافظة دمياط، اسمها قرية «الخياطة»، وكانت قرية ساحرة يحيطها الماء من 3 جهات، شمالًا البحر الأبيض المتوسط، وغربًا نهر النيل، وشرقًا بحيرة المنزلة، وإلى جانب هذا الموقع الجغرافي المميز الذي تمتعت به القرية، فإنها لعبت دورًا كبيرًا في نشأتي وتشكيل وجداني، حيث أنني أعتبرها بمثابة «كنز للحكايات والحواديت» التي عملت على تشكيل خيالي منذ كنت طفلًا، وأفادني هذا الكنز عندما كبرت في عملي كمؤلف وسيناريست.
فكما جرت العادة في جميع القرى المصرية، كانت تروى على مسامعنا الكثير من الأساطير الشعبية المرتبطة بثقافة أهلها كـ«النداهة وجنية البحر والمارد وغيرها»، وهو ما خلق عندي خيالاً كبيراً وشكلاً وجدانياً وهو ما أدركته بعد ذلك.
ماذا عن الأسرة.. وهل كان للوالدين تأثير على حياتك فيما بعد؟
والدي كان موظفًا، انتقل وأنا عندي 5 سنوات لمدينة المنصورة وسافرنا معه، والمنصورة كانت مختلفة بشكل كامل عن قرية «الخياطة»، وأذكر أنني هناك التحقت بـ«الروضة» وهي مرحلة دراسية كانت تسبق المرحلة الابتدائية، وكنا نسافر كل صيف للقرية وكانت فترة محببة جدا لقلبي وانتظرها من العام إلى العام.
وأذكر أن أبي كان شخصاً قوياً حاد الطباع متجهماً كثيرا، وقليلا ما كان يضحك، وكان يعاقبني عندما أخطئ، وأنا كنت كعادة غالبية الأطفال «طفلاً شقياً»، أما أمي فكانت شاعرة وعاشقة للأغاني القديمة الفلكلورية، ولهذا يمكنني القول أنها كانت «الحضن» الذي أستريح فيه، وأذكر أنها كانت تصطحبني معها إلى السينما برفقة صديقاتها، وهي من غرست في نفسي محبة الفن، وبعد مرور عدة سنوات، عدنا إلى «الخياطة» وأكملت حياتي هناك حتى التحقت بكلية التجارة.
ومتى اتخذت أولى خطواتك في عالم السينما؟
بعدما أنهيت دراستي الجامعية، عملت موظفا في الإدارة المالية بمحافظة دمياط، لكن في الوقت ذاته كنت عاشقًا بجنون للقراءة، لاسيما وأنني اعتدت عليها منذ الصغر، ورغم هذا لم أتمرد على الوظيفة الحكومية، لكن دخولي عالم السينما جاء بالتدريج، حيث انني قرأت الأدب الروسي والإنكليزي منذ الصغر، وكانت لي محاولات لكتابة القصة القصيرة، ونشرت أعمال لي في صحيفة «المساء» ومجلة «الثورة» العراقية، ومطبوعة ثقافية ليبية، وعندما بدأت أعمل فكرت في الكتابة للسينما، وكتب أول قصة سينمائية بعنوان «زائر المدينة الميتة» وقدمتها لمصطفى محرم وعلي عبد الخالق وكنا سننفذها لكن الأمر لم يتم، لكن هذه القصة كانت سببا في معرفتي بمصطفى محرم، وبعد ذلك كتبت فيلم «مع سبق الإصرار» وهو مأخوذ عن إحدى روايات «ديستوفسكي» لكن بمعالجة مصرية خالصة، والفيلم كان من بطولة محمود ياسين، ونور الشريف، وميرفت أمين.
بالحديث عن السيناريست مصطفى محرم.. حدثنا عن أهمية الصداقة في حياتك ؟ ومن هم أصدقاؤك من الوسط الفني؟
المخرج محمد خان والمخرج نادر جلال والمخرج عاطف الطيب والمخرج عاطف سالم، - رحمهم الله جميعا - كانوا من سني وكنا قريبين جدا من بعض والصداقة بالنسبة إليّ شيء مقدس جدا، واستطعت معهم تأسيس مدرسة سينمائية مصرية جديدة أصبح لها مكانتها وانجازاتها الكبيرة، ومن خلال تعاوني معهم حصلت على ثقافة سينمائية كبيرة، لاسيما وأنهم كانوا يشركونني في كل تفاصيل العمل بداية من معاينة أماكن التصوير واختيار عدسات الكاميرات والمونتاج وغيرها، وتوقفت عن كتابة الأفلام السينمائية بعد وفاتهم لفترة ورحيلهم كان له بالغ الأثر في نفسيتي كثيرا، وشعرت بالوحدة ولم أجد الحماس أو الحب لعمل أي شيء فالعلاقة الطويلة مع هؤلاء الراحلين كانت صداقة وليست مجرد علاقة عمل، وكان من أصدقائي الفنان أحمد زكي ونور الشريف ورشدي أباظة، رغم فارق السن بيننا، وأنني قدمت معه فيلمين فقط، وبشكل عام أعتبر الصداقة في العمل مهمة جدا وتخلق جواً مختلفاً.
ما الذي اكتسبته من صداقتك المتنوعة هذه؟
أذكر أنني كنت أحضر مع «خان» و«الطيب» تصوير الأعمال، وهو ما شكل لدي خبرة كبيرة في الإخراج، ولذلك حين وجدت أن المخرج المرشح لفيلمي «سكة سفر» لن يندمج مع الفكرة ولم يستطع أن يلمس روح الموضوع ولن يستطيع ترجمتها قررت فورا أن أخرجه بنفسي، والحمد لله حقق نجاحا كبيرا، وبعد هذا الفيلم أخرجت «الطوفان»، ثم توقفت عن الإخراج وعدت للاكتفاء بكتابة السيناريو فالفنان الراحل نور الشريف قال لي: «لدينا مخرجون كثر لكننا نفتقد كتاب مثلك»
وماذا عن علاقتك بالسيناريست الذي رحل عن دنيانا أخيراً وحيد حامد؟
وحيد حامد رحمه الله كان شخصاً خلوقاً وطيب العشرة، نقياً من الداخل ، شخصاً استثنائياً لكونه ثابتا على مواقفه وآرائه، نجح في الوصول لجميع الأجيال، إضافة لكونه نجح في أن يكون قارئا جيدا للمستقبل، لذلك هو عاش وسيعيش بأعماله.
وسط التراث السينمائي المشرف والممتع الذي تمتلكه.. ما أقرب عمل إلى قلبك؟
«الحريف» للنجم عادل إمام، لأنه فيلم غني جدا بالتفاصيل فيلم مدهش ولا يعتمد على طريقة الحكي التقليدية، حيث يحكي تفاصيل مدينه القاهرة من خلال شخصية «الحريف» الذي بدأ لعب كرة القدم بالكرة «الشراب».
وهناك أيضا فيلم «موعد على العشاء» من بطولة سعاد حسني وأحمد زكي وحسين فهمي، وأذكر هنا أن المخرج الراحل محمد خان جاء لي بحادثة قرأها في إحدى المجلات المصرية عن زوجه تقتل زوجها بالسم، فكتبت القصة بالتفاصيل المختلفة التي ترسم الشخصيات بعمق.
ويحضرني هنا أن أتحدث عن نهاية الفيلم فالنهاية التي كتبتها كانت مختلفة حيث وجهت «نوال» بطلة العمل الدعوة لطليقها عزت والذي جسده حسين فهمي على العشاء، ووضعت السم، وكان من المفترض أن ينتهي الفيلم بأن يتناول «عزت» الطعام منفردًا ليكون الموت مصيره وحده، لكن قبل التصوير بيوم جاءت لي الفكرة، بأن أجعل «نوال» تتناول العشاء مع طليقها بناء على رغبة منه، وأذكر أن الراحلة سعاد حسني انزعجت في البداية من هذه النهاية، وقالت لي: «كيف سأتناول الطعام وأنا أعرف أنه به سم وأنا من وضعته؟.. فقلت لها طليقك قتلك مرة واثنين وحرمك من حبيبك ومن السعادة في الحياة، ومن أجل موته ستفعلين أي شيء حتى لو كانت حياتك ثمنًا لموته، عندها اقتنعت وتم تصوير النهاية كما كتبتها.
منذ سنوات كان السيناريو أول مرحلة في إعداد العمل السينمائي لكن حاليًا انقلبت الأوضاع وأصبحت القصة تُكتب من أجل البطل.. كيف تُقيم هذه الظاهرة؟
الأعمال لا بد أن تؤخذ بجدية أكثر، فلابد أن نشعر بالمسؤولية والجمهور «نص المعادلة»، ولهذا لا بد أن يضع صناع الأعمال الجمهور نصب عينيهم للارتقاء بذوقهم، والكاتب لا بد أن تكون له رسالة وهي الارتقاء بوعي المتلقي، لكن ما يحدث الآن مهزلة حقيقية، إلا القليل جدا، ويوجد كم سخافات وسطحية وتفاهة وعنف فيما يقدم بشكل كبير جدا، وهذا شيء محزن.
أيضا ظاهرة الإعلانات المبالغ فيها تفقد الجمهور متعة المتابعة والمشاهدة ظاهرة سيئة جدا ولا يوجد مثيل لها في العالم، من المفترض أن تكون الإعلانات كلها قبل عرض العمل أو بعده، ولا تتخلله، ولا بد من وجود قانون يحكم طريقة عرض الإعلانات وألا يكون الأمر بهذا «العبث» الذي نراه الآن.
وما موقفك من «ورش كتابة السيناريو» التي تحولت إلى أمر واقع خلال الفترة الماضية؟
لا توجد قاعدة معينة هناك بعض الورش تنتج أعمالاً جيدة مع وجود مخرج جيد للعمل، لكن في الغالب التأليف إبداع شخصي وإن كانت هناك استثناءات.
بصفتك ابن القرية وأساطيرها المرعبة.. كيف ترى الاتجاه أخيراً لتقديم أعمال فنية مرعبة؟ وهل يجب علينا تقديمها من تراثنا الخاص دون استيرادها من الخارج؟ السؤال هنا هل يحتاج جمهورنا العربي لهذه النوعية؟!..
اعتقد أننا لدينا الكثير من المشاكل والقضايا والهموم الثقافية والاجتماعية التي تستحق الكتابة عنها أهم من الرعب.
سابقا أشرت إلى دور الأم في حياتك.. ماذا عن دور الزوجة؟
زوجتي، ابنه خالتي، وتعرفنا على بعضنا ونحن صغار جدا، وبعد ذلك ارتبطنا وإلى الآن نعيش حياة زوجية سعيدة وناجحة، وكل منا حقق نفسه، هي الآن أستاذة جامعية، وأرى أن الزواج الناجح هو أن ينجح الطرفان ولا يسلب طرف حقوق الطرف الآخر ولا يجني على حقوقه، بل يساعدا بعضهما، وزوجتي ساعدتني كثيرا، كما أنني ساعدتها وهى تدرس الدكتوراه، فالحياة الزوجية مشاركة دون أنانية بل هي عطاء، ورزقنا الله بابنتي «دينا» وهي تعمل في تدريس اللغة العربية والإنكليزية للطلاب الوافدين في الجامعة الأميركية، ولدي حفيد أقضي أجمل أوقاتي معه.
من زاوية المؤلف والكاتب.. كيف رأيت العالم في ظل أزمة «جائحة كورونا»؟
«كورونا» أزمة جعلتنا جميعا نفكر، وأرى أنها حالة كونية خاصة تستدعي التأمل والدهشة فكيف لهذا الفيروس غير المرئي أن يوقف العالم، وأرى أنها تدفعنا جميعا لإعادة حساباتنا من جديد، كما أنها منحت فرصة للعائلات كي تجلس معا، وقضيت أوقات الحظر في الجلوس مع العائلة والقراءة ومشاهدة التلفزيون والأفلام القديمة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات